لم يَعُدْ الحديثُ عن “وضعية حقوق الإنسان” ترفًا نظريًّا تُزيّنه تقاريرُ المنظمات، بل صار وصفًا يوميًّا لِما يحدثُ على الأرض: اعتقالاتٌ تُغلَّفُ بتهمٍ مطّاطية، ومحاكماتٌ تُدارُ كأنها رسائلُ سياسية، وتضييقٌ على الإعلام والنقابات والمجتمع المدني، ثم في الجهة الأخرى من المتوسط سياساتُ حدودٍ تُقاسُ فيها حياةُ الإنسان بميزان “الردع” و“الترحيل”. الجديدُ في الأسابيع الأخيرة لا يكمن في ظهور الانتهاكات من العدم، بل في تسارعها، وتحوّلها إلى “إدارةٍ” كاملة للمجال العام، حيث تُصبحُ الحريةُ الاستثناءَ لا القاعدة.
في المغرب العربي، تبدو الجزائر وتونس في واجهة هذا التوتر الحقوقي، كلٌّ بطريقته وبأدواته. في الجزائر، تتقاطع حرية التنظيم النقابي مع منطق الأمن والقضاء. من الأمثلة الحيّة التي أعادت الملف إلى الواجهة: قضية النقابيّ والمدافع عن الحقوق علي معمري، بعدما أُيِّدَت إدانته وخُفِّضت عقوبته إلى عشر سنوات سجن وفق ما أعلنته “العفو الدولية” مطلع فبراير/شباط 2026. هذه ليست “قضية فردية” فقط؛ إنها إشارةٌ إلى المسافة بين الحقّ في التنظيم والاحتجاج وبين قابلية هذا الحقّ لأن يُعاد تعريفه كتهمة. وبالتزامن، أشار تقرير “هيومن رايتس ووتش” إلى توقيف نقابيين في قطاع التعليم (مسعود بوديبة وبوبكر حبت) يوم 24 فبراير/شباط 2026 أثناء توجههما لدعم حركة إضرابية، مع إخضاعهما لرقابة قضائية ومنعهما من الإعلام ووسائل التواصل والمشاركة في تظاهرات. هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها ترسمُ لوحةً أكبر: تقليصُ “الهوامش” التي تتنفس منها النقابةُ والشارعُ معًا.
أما تونس، فالملف الحقوقي يشتعل حول محورين: حرية التعبير واستقلال القضاء، ثم ملف المهاجرين واللاجئين. من الوقائع الدالة، حكمٌ بسجن نائبٍ لثمانية أشهر بسبب منشورات ساخرة من الرئيس قيس سعيّد (قضية أحمد سعيداني) بحسب رويترز في 19 فبراير/شباط 2026. وعلى خطٍ موازٍ، تبرز قضايا محامين وشخصيات عامة تُستدعى أو تُلاحق بتوصيفات ثقيلة؛ وقد أشارت رويترز إلى توقيف محامٍ بارز على خلفية اتهامات ذات صلة بالإرهاب قبل الإفراج عنه لاحقًا، في سياقٍ تقول المعارضة والمنظمات إنه يعكس السيطرة على القضاء منذ 2021. وفي ملف الهجرة، يلفت تقرير “هيومن رايتس ووتش” ضمن “التقرير العالمي 2026” إلى انتهاكات بحق مهاجرين ولاجئين، من اعتقالاتٍ تعسفية وطردٍ جماعي نحو الحدود، مع رقمٍ صادم: ترحيل ما لا يقل عن 12 ألف شخص بين يناير وأبريل 2025 وحدها وفق مصادر إنسانية. هنا تتخذ الانتهاكاتُ شكلَ “سياسة” لا مجرد تجاوزات: حدودٌ تُدارُ بصرامة، وأجسادٌ تُدفعُ إلى الهامش الصحراوي حيث تتآكل الحماية القانونية.
ننتقل إلى مصر والشرق الأوسط، حيث تتداخل حقوق الإنسان مع منطق الدولة الأمنية والحروب المفتوحة. في مصر، تُسجَّل موجةٌ جديدة من التضييق على المجال المدني عبر الاستدعاءات والتحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا، وفق بيان مشترك لمنظمات حقوقية في 14 فبراير/شباط 2026، يصف الأمر بأنه “أداة منهجية” لترهيب الأصوات المستقلة عبر تهمٍ فضفاضة وكفالاتٍ مرتفعة. ويأتي هذا على خلفية صورة أوسع يرسمها “التقرير العالمي 2026” لـ“هيومن رايتس ووتش”: آلاف المحتجزين في حبس احتياطي مطوّل، ومحاكمات جائرة، وملاحقة منتقدين سلميين ومدافعين عن الحقوق. ومن الأمثلة “الحية” كذلك ما وثّقته “العفو الدولية” في 16 فبراير/شباط 2026 حول حملة طالت لاجئين وطالبي لجوء، شملت اعتقالاتٍ تعسفية وترحيلاتٍ غير قانونية، دفعت كثيرين إلى الاختباء خوفًا من التوقيف أو الإبعاد.
وفي قلب الشرق الأوسط، لا يمكن فصل النقاش الحقوقي عن حرب غزة والضفة الغربية. مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حذّر في تقريرٍ صدر في فبراير/شباط 2026 من “مخاوف” تتصل بتهجيرٍ قسري واسع النطاق قد يرقى إلى ما يشبه التطهير العرقي، مع تصاعد العنف والنقل القسري للسكان. وفي تطورٍ شديد الدلالة على علاقة الحرب بالعمل الإنساني، قالت “هيومن رايتس ووتش” إن السلطات الإسرائيلية تعتزم منع 37 منظمة دولية من العمل في غزة والضفة اعتبارًا من 1 مارس/آذار 2026 بسبب متطلبات تسجيل تطلب بيانات واسعة عن الموظفين، وهو ما اعتبرته المنظمات مساسًا بمبادئ الحياد والاستقلال. أمّا في إيران—ضمن مشهدٍ إقليمي أشمل—فقد عاد ملف الإعدامات والمحاكمات المتسارعة إلى الواجهة: رويترز تحدثت عن حكمٍ بالإعدام مرتبط باحتجاجات يناير/كانون الثاني، بينما طالب خبراء أمميون بوقف أحكام الإعدام والإفصاح عن مصير الموقوفين والمفقودين بعد الاحتجاجات.
ثم نصل إلى الاتحاد الأوروبي، حيث المفارقة: فضاءٌ يرفع راية الحقوق، لكنه يواجه اختباراتٍ قاسية داخل حدوده وعلى تخومه. “هيومن رايتس ووتش” في فصل الاتحاد الأوروبي من تقرير 2026 تتحدث بصراحة عن أن السعي لتقييد الهجرة “بأي ثمن” يُنتج مخاطر وانتهاكات جسيمة، وأن خطاب اليمين المتطرف وتطبيع بعض أطروحاته يزيدان من منسوب العنصرية والتمييز. وعلى خطّ الحدود، أكدت جهات قانونية وحقوقية أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ثبّتت في يناير/كانون الثاني 2025 وجود ممارسة منهجية لعمليات “الصدّ/الإرجاع القسري” من اليونان إلى تركيا في قضايا بارزة، ما يضع سؤالًا حادًّا: أيُّ قيمةٍ للمواثيق إذا كانت تُعلَّق عند بوابات البحر؟ ومع ذلك، يُظهر الاتحاد الأوروبي وجهًا آخر حين يستخدم نظام العقوبات الحقوقية ضد مسؤولين متهمين بانتهاكات جسيمة خارج حدوده، كما حدث مع إدراج ثمانية مسؤولين روس على لائحة عقوبات في 23 فبراير/شباط 2026 بسبب أحكام “مسيسة” ومعاملة “لا إنسانية” لسجناء سياسيين، وفق رويترز.
الخلاصة أن الجديد اليوم ليس “خبرًا واحدًا” بل اتجاهٌ عام: تضييقٌ في جنوب المتوسط على الحريات المدنية (نقابات، صحافة، معارضة، مهاجرون)، وحروبٌ تلتهم المعايير في الشرق الأوسط، وأوروبا تُناور بين منظومة حقوقية مُعلنة وممارسات حدودية تُربك ضميرها القانوني. الأمثلة التي مرّت—من نقابي جزائري يواجه عقدًا من السجن، إلى نائب تونسي يُسجن بسبب سخرية، إلى لاجئين في مصر يختبئون خوفًا من الاعتقال والترحيل، إلى منظمات إنسانية مهددة بالمنع في غزة، إلى “صدٍّ قسري” على تخوم اليونان —تقول شيئًا واحدًا بوضوح: حقوق الإنسان ليست نصوصًا محفوظة، بل صراعٌ يومي على المعنى، وعلى من يملك حق تعريف “الخطر” و“الأمن” و“الاستقرار”… ومن يدفع ثمن هذه التعريفات من جسده وحريته ومستقبله








0 التعليقات:
إرسال تعليق