الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، فبراير 25، 2026

آخر موعد لتقديم طلبات منظمة الأدب الإلكتروني هو 28 فبراير: إعداد عبده حقي

 


في أواخر فبراير سيُسدَلُ السِّتارُ على آخر أجلٍ لتلقّي المشاركات في مؤتمر ELOnline 2026 الذي تنظمه منظمة الدب الإلكتروني ، تحت شعارٍ مُلْتَبِسٍ ومُغْرٍ في آن: (Un)Supervised. كأنّ الأدبَ الرقميَّ يقفُ عند عتبةٍ جديدةٍ من تاريخه، يتأمّلُ نفسَهُ في مرآةِ الخوارزميات، ويسأل: مَن يُشرفُ على مَن؟ الإنسانُ على الآلة أم الآلةُ على مخياله؟

لقد مُدِّدَت فترةُ استقبال المقترحات استجابةً للحماسة المتزايدة داخل مجتمع الأدب الإلكتروني: كتّابٌ، فنانون، باحثون، ومطوّرون، جميعهم مدعوون لتقديم أوراقٍ بحثية، وموائد مستديرة، ومعارض رقمية، وورشات، وعروض أدائية، وجلساتٍ تجريبية قبل انقضاء المهلة. الدعوةُ ليست إجراءً إداريًا فحسب، بل نداءٌ مفتوح إلى تخوم الخيال الرقمي، وإلى كلّ من يرى في الشاشة صفحةً أخرى للقصيدة.

غير أنّ المستجدّ الأبرز هذا العام لا يتعلّق فقط بالبرمجة أو الإبداع، بل بالمساءلة. فقد أوضح منظّمو المؤتمر سياستهم بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، بعد تساؤلاتٍ متزايدة حول مدى حضور هذه التقنيات في الأبحاث والأنشطة المعروضة. جاء التوضيح في بندٍ خاص ضمن “اللوجستيات والسياسات”، يؤكّد أنّ الأدب الإلكتروني، تاريخيًا، لم يكن غريبًا عن التوليد الإجرائي للنصوص ولا عن استثمار النماذج اللغوية الكبيرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. غير أنّ دعوة هذا العام لا تحتفي بالاستخدام الأعمى، بل تشجّع المقاربات النقدية التي تُفكّك هذه الأدوات، تُحوّرها، وتدفعها إلى ما وراء التوقّعات.

فالذكاء الاصطناعي، بوجوهه التوليدية والوكيليّة، لا يُنظر إليه كأداة محايدة، بل كحقلٍ مشحون بأسئلة بيئية وعمّالية وسياسية واجتماعية. استهلاك الطاقة، شروط العمل الخفيّ خلف الخوارزميات، التأثيرات الثقافية واللغوية، كلّها قضايا تلامس جوهر الإبداع الرقمي. ومع ذلك، يذكّر المنظّمون بأنّ هذه الإشكالات لا تنحصر في الذكاء الاصطناعي وحده، بل تمتدّ إلى معظم المنصّات والأدوات التي نكتب وننشر من خلالها. من هنا، تأتي الدعوة إلى انخراطٍ واعٍ ومسؤول في مساءلة التقنية بدل الارتماء في أحضانها أو شيطنتها.

وقد خصّصت إدارة المؤتمر قنوات تواصل مباشرة مع الراغبين في مزيد من الاستفسار، سواء بخصوص السياسات العامة أو المعارض والعروض الأدائية، في تأكيدٍ على رغبةٍ في الشفافية والحوار.

أما ثيمة (Un)Supervised، فهي تتجاوز الإحالة المباشرة إلى “التعلّم غير الخاضع للإشراف” في هندسة النماذج اللغوية. إنها استعارةٌ واسعة تُعيد طرح أسئلة قديمة جديدة: من يراقب الأدب الإلكتروني؟ من يقرؤه؟ من يتعلّم منه؟ ومن يُقصى من دوائره المؤسسية؟ هنا، يوسّع المؤتمر أفق التفكير ليشمل ثقافات الأدب الرقمي خارج المراكز التقليدية، خارج الجامعات الغربية، وخارج الأطر الرسمية التي اعتادت احتكار المشروعية.

الدعوة تُشجّع المشاركات التي تتمحور حول البحث الحوسبي، والإبداع التوليدي، والجامعة باعتبارها فضاءً متنازعًا عليه بين أطرافٍ متعددة: إدارة، باحثون، طلبة، ممولون، ومجتمعات رقمية عابرة للحدود. كما تدعو إلى التفكير في لحظة “تفكّك المؤسّسة” — مثل انسحاب الحكومات الفدرالية من دعم مبادرات البحث في بعض السياقات — مقابل عمليات إعادة بناء المؤسسة بطرق نقدية وتكيّفية: مبادرات جديدة، بيداغوجيات مبتكرة، مختبرات، شراكات، منصات نشر، نماذج لغوية، ومؤسسات بحثية ناشئة.

إنه حوارٌ بين الهدم والبناء، بين الانفصال والالتحام، بين الاستقلالية والاحتواء.

وفي إطار هذا التصوّر، يفتح المؤتمر الباب أمام احتفالٍ شامل بفنون الأدب الإلكتروني عبر جميع الأشكال: من النصوص التشعبية إلى التجارب الغامرة، ومن الكتابة التوليدية إلى الأداء الرقمي. ويولي اهتمامًا خاصًا لمحاور من قبيل:

  • إتاحة الأدب الإلكتروني، المختارات الرقمية، وأرشفة الأعمال.

  • الشبكات والمنصّات الجديدة، وانتقال المجتمعات الأدبية بين فضاءات رقمية متحوّلة.

  • “الصنع النقدي” والإنسانيات الرقمية ونقد الأدب الإلكتروني.

  • الإبداع الحوسبي والذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي.

  • تصوّرات المؤسسة بعد انسحاب الدولة أو تقلّص دعمها.

  • نظريات وجماليات وممارسات المقاومة.

  • العمل التربوي من منظور مناهض للعنصرية، نسوي، وكويري.

  • تجارب “تواين” والنصوص التشعبية بين التخييل واللاتخييل.

  • الواقع المختلط والممتد بوصفه أفقًا تخييليًا جديدًا.

هكذا، يبدو مؤتمر 2026 كمنصّةٍ لتجديد الأسئلة لا لتكرار الإجابات. إنّه فضاءٌ يعترف بأنّ الأدب الإلكتروني ليس مجرّد تقنية، بل ممارسة ثقافية تتقاطع فيها السلطة والمعرفة والخيال. وبين إشرافٍ وغير إشراف، بين خوارزميةٍ ومؤلّف، يتشكّل مستقبل الكتابة على ضوء شاشاتٍ لا تنام.

بالنسبة إلينا، نحن المنخرطين في تجارب الأدب الرقمي العربي، تبدو هذه الدعوة فرصةً لإعادة تموقعنا داخل الخريطة العالمية، لا كمستهلكين للتقنيات، بل كمنتجين لرؤى نقدية تنبع من سياقاتنا الخاصة. فالأدب الإلكتروني، في نهاية المطاف، ليس مسابقةً في سرعة المعالجة، بل اختبارٌ لقدرة الإنسان على تحويل البرمجة إلى شعر، والبيانات إلى ذاكرة، والذكاء الاصطناعي إلى سؤالٍ أخلاقي مفتوح.

ومع اقتراب 28 فبراير، يبقى السؤال معلّقًا في فضاء الإنترنت: أيّ نصٍّ سيجرؤ على كسر الإشراف، وأيّ خيالٍ سيكتب نفسه خارج الحدود المرسومة سلفًا؟



0 التعليقات: