لم تعد الكتابة وحدها ما يتغيّر تحت تأثير الذكاء الاصطناعي، بل حتى الموسيقى — أكثر الفنون إنسانية وحميمية — دخلت طوراً جديداً. فقد أعلنت شركة جوجل إتاحة نموذجها الموسيقي المتقدم Lyria 3 داخل منصة Gemini، ليصبح بإمكان المستخدمين توليد مقاطع موسيقية كاملة اعتماداً على أوامر نصية، وبمختلف اللغات، ومنها العربية، في نسخة تجريبية أولى تُعد خطوة لافتة في تاريخ الإنتاج السمعي الرقمي.
هذه الخطوة لا تعني مجرد أداة جديدة، بل تعني عملياً انتقال الموسيقى من فضاء الأداء إلى فضاء الوصف. فبدلاً من العزف أو التلحين أو البرمجة الصوتية، يكفي الآن أن يكتب المستخدم:
"أنشئ مقطعاً موسيقياً حزيناً بطابع أندلسي مع إيقاع مغربي بطيء"
ليحصل خلال ثوانٍ على قطعة موسيقية قابلة للاستماع والمشاركة والتعديل.
الموسيقى تتحول إلى لغة
ما يميز Lyria 3 ليس فقط توليد الألحان، بل فهمه الدلالي للعبارات الثقافية. أي أن النموذج لا يفسر الكلمات تقنياً فقط، بل ثقافياً أيضاً. فحين يطلب المستخدم "طابع شرقي" أو "مقام حجاز" أو "إيقاع خليجي"، لا يولّد مجرد نغمات عشوائية، بل يحاول محاكاة البنية الشعورية المرتبطة بالبيئة الصوتية العربية.
وهنا يحدث التحول الأهم:
لم تعد الموسيقى تحتاج معرفة نظرية بالمقامات أو التوزيع، بل أصبحت معرفة لغوية وصفية.
بعبارة أخرى:
المؤلف الموسيقي الجديد قد يكون كاتباً جيداً قبل أن يكون عازفاً جيداً.
العربية تدخل زمن الصوت الاصطناعي
دعم اللغة العربية في Lyria 3 ليس تفصيلاً تقنياً، بل تحول ثقافي. فالأنظمة السابقة كانت تعمل أساساً وفق تصورات غربية للموسيقى: السلم الكبير والصغير، الجمل اللحنية القصيرة، والآلات القياسية. أما إدخال العربية فيعني محاولة تدريب النموذج على تنوع نغمي أكثر تعقيداً: أرباع الأصوات، المقامات، التزيين الصوتي، الارتجال، والإنشاد.
لأول مرة يصبح بإمكان صانع محتوى عربي إنتاج موسيقى أصلية لمقطع فيديو أو بودكاست دون استخدام مكتبات جاهزة أو الخوف من حقوق النشر. وهنا تتغير علاقة المبدع بالصوت: من مستهلك إلى منتج فوري.
ما الذي يتيحه Gemini عملياً؟
داخل Gemini يمكن للمستخدم الآن:
-
توليد مقاطع موسيقية قصيرة حسب الوصف
-
تحديد المزاج (حزين، ملحمي، هادئ، تأملي)
-
اختيار الطابع الثقافي (عربي، لاتيني، سينمائي…)
-
إعادة التوليد مع تعديل النص
-
استخدام المقطع مباشرة في المشاريع
الميزة اللافتة أن النص يصبح بمثابة "نوتة لغوية".
أي أن الكلمات تتحول إلى أوامر تلحينية.
نهاية احتكار الاستوديو
تقليدياً، كان إنتاج الموسيقى يتطلب:
ملحناً + موزعاً + استوديو + آلات + وقت طويل
أما الآن فالسلسلة تختصر إلى:
فكرة → جملة وصفية → صوت
وهذا لا يلغي الموسيقيين، بل يغيّر موقعهم. فالقيمة ستنتقل من المهارة التقنية إلى الحس الجمالي: من القدرة على العزف إلى القدرة على التخيل السمعي.
أثره على المحتوى العربي
سيظهر تأثير Lyria 3 سريعاً في مجالات:
-
فيديوهات تيك توك والريلز
-
البودكاست العربي
-
الكتب الصوتية
-
الألعاب المستقلة
-
التعليم الرقمي
وسينتهي عصر الموسيقى المكررة في الخلفيات، لأن كل صانع محتوى سيملك موسيقاه الخاصة. أي أننا سندخل زمن "التوقيع السمعي الفردي".
سؤال الإبداع والهوية
يبقى السؤال الفلسفي:
هل ما يولده الذكاء الاصطناعي موسيقى فعلاً؟
الإجابة ربما لم تعد مهمة. فالموسيقى عبر التاريخ لم تكن سوى تكنولوجيا شعورية: من الناي البدائي إلى البيانو إلى السينثسايزر. وكل مرة كان الإنسان يعيد تعريف الفن وفق أدواته.
Lyria 3 لا يكتب الموسيقى بدلاً عنا، بل يكشف شيئاً آخر:
أن الموسيقى كانت دائماً كامنة في اللغة… ونحن فقط بدأنا نسمعها.
بداية عصر المؤلف الوصفي
ما يحدث الآن يشبه انتقال التصوير من الكاميرا الاحترافية إلى الهاتف الذكي، لكنه أعمق. لأن الصوت أكثر التصاقاً بالذاكرة والوجدان. ومع Gemini لم يعد التأليف مهارة نخبوية، بل ممارسة يومية.
سنرى قريباً نوعاً جديداً من الفنانين:
لا يعزفون… بل يصفون بدقة مذهلة.
وهكذا يدخل الفن العربي مرحلة غير مسبوقة:
مرحلة يمكن فيها للقصيدة أن تتحول فوراً إلى لحن،
وللنص أن يصبح صوتاً،
وللكلمات أن تُسمع لا أن تُقرأ فقط.







0 التعليقات:
إرسال تعليق