جبرا إبراهيم جبرا (1919–1994) واحد من أبرز المثقفين العرب في القرن العشرين، جمع بين الرواية والشعر والنقد والترجمة والفن التشكيلي، وكان شخصية محورية في حركة الحداثة الأدبية والفنية في العالم العربي.
وُلد جبرا إبراهيم جبرا في 28 آب/أغسطس 1919 في مدينة أضنة في تركيا لعائلة سريانية أرثوذكسية، ثم انتقلت أسرته في طفولته إلى بيت لحم في فلسطين حيث نشأ وتلقى تعليمه الأولي. درس في مدارس بيت لحم والقدس، ثم التحق بـ«الكلية العربية» في القدس التي كانت من أهم المؤسسات التعليمية في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني.
في أواخر الثلاثينيات حصل على منحة دراسية مكّنته من السفر إلى بريطانيا لمتابعة
دراسته الجامعية، فدرس الأدب الإنجليزي في جامعة كامبردج، حيث تعمّق في الأدب الغربي
الكلاسيكي والحديث، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في كتاباته النقدية والإبداعية لاحقًا.
وبعد سنوات قليلة من الدراسة والعمل الأكاديمي، أدت أحداث النكبة الفلسطينية سنة
1948 إلى انتقاله إلى العراق حيث استقر في بغداد، لتصبح هذه المدينة مركز نشاطه الثقافي
والفكري طوال عقود.
في بغداد عمل جبرا أستاذًا للأدب الإنجليزي في جامعة بغداد، وانخرط بقوة في
الحياة الثقافية العراقية، فأسهم في تنشيط الحركة الأدبية والفنية، وارتبط بعلاقات
وثيقة مع عدد من أبرز مثقفي العراق مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وغيرهما
من رموز الحداثة الشعرية. كما شارك في تأسيس جماعات فنية وثقافية كان لها تأثير كبير
في تطوير الفن التشكيلي الحديث في العراق.
امتاز جبرا بتعدد مواهبه؛ فقد كان روائيًا وشاعرًا وناقدًا أدبيًا وفنيًا ومترجمًا
ورسّامًا، وكتب في معظم الأجناس الأدبية الحديثة. ترك ما يزيد على ستين كتابًا بين
الرواية والقصة والشعر والدراسات النقدية والترجمة. كما عُرف بترجماته المهمة للأدب
الإنجليزي إلى العربية، ومن أشهرها ترجماته لمسرحيات ويليام شكسبير.
ومن أشهر أعماله الروائية:
«البحث عن وليد مسعود»
«صيادون في شارع ضيق»
«السفينة»
«عالم بلا خرائط»
(كتبها مع عبد الرحمن منيف)
كما كتب سيرته الذاتية في عملين بارزين هما «البئر الأولى» و**«شارع الأميرات»**،
وفيهما استعاد طفولته في بيت لحم وتكوينه الثقافي والفكري.
لم يقتصر نشاط جبرا على الأدب، بل كان أيضًا فنانًا تشكيليًا بارزًا شارك في
تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث، وأسهم في تطوير تيار «الحروفية» الذي يمزج بين الخط
العربي والفن التشكيلي المعاصر. كما عمل مترجمًا ومحررًا ثقافيًا وناشطًا في المؤسسات
الثقافية العربية، ما جعله واحدًا من المثقفين الموسوعيين في الثقافة العربية الحديثة.
ظل جبرا إبراهيم جبرا فاعلًا في المشهد الثقافي العربي حتى وفاته في 12 ديسمبر
1994 في بغداد، تاركًا إرثًا أدبيًا وفكريًا كبيرًا، وترجمت أعماله إلى عدة لغات. ويُعد
اليوم أحد أهم رواد الحداثة في الرواية العربية والنقد الفني، وشخصية ثقافية متعددة
الأبعاد جمعت بين الإبداع الأدبي والفن التشكيلي والترجمة والانخراط العميق في قضايا
الثقافة العربية المعاصرة.
تجليات الغياب في رواية البحث عن وليد مسعود للروائي العربي جبرا إبراهيم جبرا قراءة
نقدية للكاتب المغربي عبده حقي
في خريطة
الرواية العربية الحديثة تقف بعض الأعمال كأنها علامات مضيئة، تشبه المنارات التي
تهدي القارئ إلى آفاق جديدة من السرد والتأمل. ومن بين هذه الأعمال تبرز رواية «البحث عن وليد مسعود» للكاتب الفلسطيني الكبير جبرا إبراهيم جبرا، التي صدرت سنة 1978، وأصبحت
لاحقًا واحدة من أهم الروايات العربية في القرن العشرين، حتى إن اتحاد الكتّاب
العرب وضعها ضمن قائمة أفضل الروايات العربية.
هذه
الرواية ليست مجرد قصة عن رجل اختفى فجأة، بل هي رحلة طويلة في أعماق الإنسان
العربي المنفي، وفي الذاكرة الفلسطينية التي ترفض أن تموت مهما امتد الزمن أو اشتد
المنفى. ولهذا تبدو الرواية، في كثير من صفحاتها، أقرب إلى مرآة كبرى تعكس حياة
جيل كامل عاش تجربة الضياع والبحث عن الوطن والهوية.
تبدأ
الحكاية من حدث بسيط في ظاهره، لكنه مليء بالأسرار: سيارة مهجورة على الطريق
الصحراوي بين بغداد ودمشق، وبداخلها شريط تسجيل تركه صاحبها، الرجل الفلسطيني
المثقف وليد مسعود. لا أحد يعرف أين اختفى، ولا أحد يستطيع أن يجزم إن كان قد رحل أو اختفى أو
بدأ حياة أخرى في مكان بعيد. ومن هذه اللحظة يبدأ البحث.
لكن
الرواية لا تسير بطريقة تقليدية. فالكاتب لا يقدم لنا سيرة واضحة للبطل، بل يترك
شخصيات متعددة تتحدث عنه. كل شخصية تعرف وليد من زاوية مختلفة، وكل شهادة تضيف
قطعة صغيرة إلى لغز الشخصية الغامضة. وبهذه التقنية السردية التي تعتمد تعدد الرواة يتحول وليد مسعود إلى شخصية
مركبة يصعب الإمساك بحقيقتها النهائية.
إننا لا
نرى وليد مسعود مباشرة، بل نراه من خلال عيون الآخرين: أصدقائه، وعشاقه، وزملائه
في العمل. كل واحد منهم يصفه بطريقة مختلفة. مرة يظهر مثقفًا ثائرًا، ومرة عاشقًا
حالمًا، ومرة رجل أعمال ناجحًا، ومرة أخرى فلسطينيًا يحمل جرح المنفى في أعماقه.
وهكذا يتحول البطل إلى شخصية رمزية
تمثل الإنسان الفلسطيني في الشتات، بكل تناقضاته وأسئلته الوجودية.
والحقيقة
أن جبرا إبراهيم جبرا لم يكن يبحث عن شخص مفقود بقدر ما كان يبحث عن معنى أعمق:
معنى الهوية. فالرواية تسأل سؤالًا كبيرًا يتردد بين السطور: من هو الإنسان الذي
يفقد وطنه؟ هل يبقى كما هو؟ أم يتحول إلى كائن يعيش بين الذاكرة والحلم؟
ولذلك
فإن وليد مسعود ليس مجرد فرد، بل صورة للإنسان الذي يعيش في المنفى. رجل يحمل
ثقافة واسعة وتجارب عاطفية متعددة، لكنه في النهاية يشعر بأن شيئًا ما ينقصه. ذلك
الشيء هو الوطن الذي تركه خلفه، مثل شجرة اقتُلعت من أرضها ولم تجد تربة جديدة
تنمو فيها.
ومن
الناحية الفنية، تعد هذه الرواية خطوة متقدمة في تطور الرواية العربية. فقد استخدم
جبرا تقنيات سردية غير مألوفة في زمانها، مثل تعدد الأصوات وتداخل الأزمنة وكسر
الخط الزمني التقليدي للحكاية. ولهذا رأى كثير من النقاد أن الرواية تمثل نقلة
نوعية في أساليب السرد العربي الحديث.
كما أن
اللغة في الرواية تمتاز بكثافة شعرية واضحة. فجبرا لم يكن روائيًا فقط، بل كان
شاعرًا ومترجمًا وناقدًا فنيًا، ولذلك جاءت عباراته مشبعة بالصور والاستعارات.
نقرأ في الرواية مثلًا وصفًا للمطر يقول فيه: «كانت البلدة تلبس المطر كما تلبس الثكلى ثياب
الحداد»، وهي جملة قصيرة لكنها تحمل عمقًا شعوريًا
كبيرًا.
ومن
خلال هذا الأسلوب الأدبي المميز ينجح الكاتب في جعل الرواية فضاءً للتأمل الفلسفي
أيضًا. فالشخصيات لا تتحدث فقط عن حياة وليد، بل تتحدث عن نفسها، وعن أحلامها
وخيباتها. وهكذا يصبح البحث عن وليد مسعود في الحقيقة بحثًا عن الذات.
وهنا
تكمن قوة الرواية. فكل قارئ يجد فيها جزءًا من تجربته الخاصة. بعض القراء يرون
فيها رواية عن المنفى، وبعضهم يقرأها كرواية عن الحب، وآخرون يرونها رواية عن
المثقف العربي الذي يعيش صراعًا بين حياته الخاصة وقضيته الوطنية.
ومع
مرور الزمن لم تفقد هذه الرواية بريقها. فما تزال تُقرأ في الجامعات العربية
وتناقش في الدراسات النقدية، لأنها تطرح أسئلة لا تزال حاضرة حتى اليوم: سؤال
الهوية، وسؤال الحرية، وسؤال العلاقة بين الإنسان وذاكرته.
إن
«البحث عن وليد مسعود» ليست رواية تقليدية تبدأ بحكاية وتنتهي بحل. إنها نص مفتوح
يشبه رحلة طويلة في متاهة الذاكرة. وكلما تقدم القارئ في صفحاتها يكتشف أن وليد
مسعود ليس شخصًا واحدًا، بل وجوه عديدة تعكس قصة الإنسان العربي في القرن العشرين.
ربما
لهذا السبب بقيت هذه الرواية حيّة في وجدان القراء. لأنها لا تقدم أجوبة جاهزة، بل
تتركنا في حالة تساؤل دائم. وكأن جبرا إبراهيم جبرا أراد أن يقول لنا إن الإنسان،
مثل بطله الغامض، يظل طوال حياته يبحث عن نفسه في مرايا الآخرين.
وهكذا
تنتهي الرواية، لكن البحث لا ينتهي. لأن وليد مسعود قد يختفي في الطريق الصحراوي،
لكنه يظل حاضرًا في الذاكرة، مثل ظل طويل يمتد بين الوطن والمنفى، بين الحلم
والواقع، بين الغياب والحضور.








0 التعليقات:
إرسال تعليق