الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 11، 2026

أصوات الحرية بين جدران الصمت العالمي: إعداد عبده حقي

 


في السنوات الأخيرة، تحولت قضية حقوق الإنسان إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الدولي. فبينما تتزايد الخطابات السياسية التي تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، تكشف التقارير الصادرة عن منظمات دولية مثل الأمم المتحدة و«هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية» عن واقع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية مع حقوق الأفراد والجماعات. وخلال الأشهر الأخيرة، ظهرت مجموعة من التطورات الجديدة في ملف حقوق الإنسان في مناطق مختلفة من العالم، خاصة في المغرب العربي، ومصر والشرق الأوسط، والاتحاد الأوروبي، حيث سجلت حالات متعددة من الانتهاكات والقيود على الحريات العامة.

في منطقة المغرب العربي، وتحديداً في الجزائر وتونس، برزت عدة قضايا أثارت اهتمام المنظمات الحقوقية الدولية. ففي الجزائر، تشير تقارير حقوقية إلى استمرار التضييق على حرية التعبير والصحافة. وقد أثارت قضية الحكم على الصحفي الفرنسي كريستوف غليز بالسجن سبع سنوات بتهمة «تمجيد الإرهاب» جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية، حيث اعتبرت منظمات حقوقية أن الحكم يمثل مثالاً على القيود المفروضة على العمل الصحفي وعلى تداول المعلومات الحساسة.

كما واجهت الجزائر انتقادات حادة بسبب سياساتها تجاه المهاجرين غير النظاميين، حيث تحدثت تقارير دولية عن عمليات ترحيل جماعية نحو الحدود مع النيجر شملت آلاف المهاجرين خلال عام 2025، في ظروف اعتبرتها منظمات إنسانية قاسية وغير إنسانية.
هذه الممارسات أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول التوازن بين حماية الحدود واحترام الحقوق الأساسية للمهاجرين.

أما في تونس، فقد تزايدت المخاوف بشأن تراجع الحريات المدنية منذ الإجراءات السياسية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد خلال السنوات الأخيرة. وتشير تقارير حقوقية إلى محاكمة عدد من المعارضين والنشطاء والمحامين في قضايا اعتُبرت ذات طابع سياسي، حيث صدرت أحكام بالسجن على بعضهم بتهم تتعلق بـ«التآمر على أمن الدولة» أو «الإرهاب».
كما شهدت البلاد خلال الأيام الأخيرة اعتقال عدد من النشطاء الداعمين لقافلة إنسانية متجهة إلى غزة، وهو ما اعتبره ناشطون محاولة لتقييد النشاط المدني والسياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية.

ولم تقتصر الانتقادات على المجال السياسي فقط، بل امتدت إلى ملف المهاجرين الأفارقة في تونس، حيث تحدثت تقارير لمنظمة العفو الدولية عن انتهاكات واسعة ضد المهاجرين وطالبي اللجوء، بما في ذلك الاعتداءات العنصرية والطرد الجماعي والقيود على الحماية القانونية.

في مصر، يظل ملف حقوق الإنسان أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة. فقد أثارت منظمات الأمم المتحدة مؤخراً مخاوف جدية بشأن ما وصفته بحملة متصاعدة من الاعتقالات التعسفية والترحيل القسري التي تستهدف اللاجئين والمهاجرين، خاصة القادمين من السودان وسوريا ودول إفريقية أخرى.
ووفق هذه التقارير، جرى توقيف العديد من اللاجئين في منازلهم أو أماكن عملهم، ثم احتجازهم وترحيلهم دون إجراءات قانونية كافية.

كما شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة حالات متعددة تتعلق بمحاكمة نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان. ومن أبرز هذه الحالات قضية الناشط المصري البريطاني علاء عبد الفتاح، الذي أصبح رمزاً عالمياً للنقاش حول حرية التعبير في مصر، حيث دعت منظمات دولية إلى الإفراج عنه واعتبرت محاكمته مثالاً على القيود المفروضة على النشاط السياسي السلمي.

وفي السياق ذاته، أثارت قضية اعتقال العشرات من النشطاء الأجانب الذين حاولوا المشاركة في «المسيرة العالمية إلى غزة» عام 2025 انتقادات واسعة، بعد احتجازهم أو ترحيلهم من مطار القاهرة لمنعهم من المشاركة في احتجاجات إنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.

أما في الشرق الأوسط الأوسع، فإن النزاعات المسلحة المستمرة، خاصة في غزة وسوريا واليمن، ما تزال تمثل أحد أكبر مصادر الانتهاكات الإنسانية. وتشير تقارير دولية إلى أن الصراعات المسلحة في المنطقة أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، إضافة إلى تدمير البنية التحتية وتهجير ملايين الأشخاص، وهو ما يضع قضية حماية المدنيين في قلب النقاش الحقوقي العالمي.

وفي المقابل، لا يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي بمنأى عن الانتقادات الحقوقية، رغم أنه يقدم نفسه بوصفه أحد أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم. فقد تعرضت سياسات الهجرة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة لانتقادات حادة، خاصة فيما يتعلق بإجراءات اللجوء السريعة وترحيل المهاجرين.

فقد أثار إدراج بعض الدول مثل مصر وتونس والمغرب ضمن قائمة «الدول الآمنة» في سياسات اللجوء الأوروبية موجة من الانتقادات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية، الذين اعتبروا أن هذا التصنيف يسمح برفض طلبات اللجوء بسرعة أكبر دون دراسة كافية لملفات طالبي الحماية.

كما تعرضت بعض الحكومات الأوروبية لانتقادات بسبب تعاملها مع المهاجرين واللاجئين على حدودها البحرية والبرية. فقد تحدثت منظمات حقوقية عن عمليات صد قسري للمهاجرين في البحر المتوسط، إضافة إلى ظروف الاحتجاز السيئة في بعض مراكز الاستقبال، خاصة في دول مثل اليونان وإيطاليا.

وفي الواقع، تكشف هذه التطورات أن قضية حقوق الإنسان لم تعد مجرد مسألة قانونية أو أخلاقية، بل أصبحت جزءاً من صراعات سياسية وجيوسياسية معقدة. فالدول غالباً ما توازن بين اعتبارات الأمن القومي والاستقرار السياسي من جهة، وضغوط المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية من جهة أخرى.

ومع ذلك، يظل دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية والصحافة الحرة عاملاً أساسياً في كشف الانتهاكات والدفاع عن الضحايا. فالتاريخ الحديث يثبت أن العديد من القضايا الحقوقية التي بدت في البداية منسية أو مهملة تحولت لاحقاً إلى قضايا عالمية بفضل جهود النشطاء والصحفيين والمحامين.

إن مستقبل حقوق الإنسان في المنطقة العربية وفي العالم سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المجتمعات على ترسيخ ثقافة القانون والمساءلة والشفافية. فحقوق الإنسان ليست مجرد نصوص في المواثيق الدولية، بل هي ممارسة يومية تبدأ من احترام كرامة الإنسان في حياته اليومية، وتنتهي بإقامة أنظمة سياسية وقانونية تضمن العدالة والمساواة.

وبين أصوات الحرية التي تتصاعد في الشوارع والجامعات ومواقع التواصل الاجتماعي، وبين جدران الصمت التي تبنيها بعض الأنظمة السياسية، تستمر معركة طويلة من أجل الكرامة الإنسانية. إنها معركة لم تُحسم بعد، لكنها تظل أحد أهم الاختبارات الأخلاقية والسياسية لعالمنا المعاصر.


0 التعليقات: