الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 11، 2026

المغرب يرسّخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة في زمن التحولات العالمية: عبده حقي

 


شهد المغرب خلال الأسبوع الماضي سلسلة من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعكس حيوية المشهد الوطني وقدرته على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية. وبينما يعيش العالم اضطرابات جيوسياسية واقتصادية متزايدة، يواصل المغرب بناء نموذج تنموي متدرج يقوم على الإصلاحات المؤسساتية والاستثمار في الاقتصاد الأخضر والرقمي وتعزيز التوازن الاجتماعي. وقد بدت هذه الدينامية واضحة في عدد من المبادرات الحكومية والاتفاقيات الدولية والأنشطة الاقتصادية التي عرفتها المملكة خلال الأيام الماضية.

في المجال السياسي والدبلوماسي، برز حضور المغرب في المحافل الدولية من خلال مشاركة رئيس الحكومة عزيز أخنوش في القمة العالمية للطاقة النووية بباريس ممثلاً للملك محمد السادس. وخلال هذه القمة شدد على أهمية الطاقة النووية المدنية باعتبارها رافعة لتعزيز الأمن الطاقي ومكافحة التغير المناخي، وهو موقف يعكس التوجه المغربي نحو تنويع مصادر الطاقة والانخراط في التحول الطاقي العالمي.

هذه المشاركة ليست مجرد حضور دبلوماسي بروتوكولي، بل تعكس استراتيجية مغربية طويلة الأمد تهدف إلى ترسيخ موقع المملكة في خريطة الطاقة العالمية، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بتقلب أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية. فالمغرب، الذي يستورد أكثر من 90٪ من احتياجاته من الطاقة، يسعى إلى تقليص هذه التبعية عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

كما شهد الأسبوع الماضي تطوراً لافتاً في العلاقات المغربية الأوروبية، بعدما ظهر المغرب في تقرير أوروبي رسمي بخريطته الكاملة دون أي فصل بين أقاليمه الجنوبية وبقية التراب الوطني. وقد اعتبر عدد من المراقبين هذا الأمر مؤشراً سياسياً على تنامي الاعتراف الدولي بالموقف المغربي بشأن قضية الصحراء، وهو ملف يشكل محور السياسة الخارجية للمملكة منذ عقود.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد حملت الأيام الماضية إشارات إيجابية عديدة تؤكد متانة الاقتصاد المغربي. فقد رفعت مؤسسات مالية دولية توقعاتها للنمو الاقتصادي خلال سنة 2026، مدفوعة بانتعاش القطاع الفلاحي وتحسن أداء القطاعات الصناعية والخدمية.

وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد المغربي قد يحقق نمواً يتراوح بين 4 و4.4 في المائة خلال العام الجاري، وهو معدل يضعه ضمن الاقتصادات الأكثر استقراراً في إفريقيا.

ومن أبرز المؤشرات الاقتصادية التي طفت على السطح خلال الأسبوع الماضي، إعلان وكالة التصنيف الائتماني "موديز" مراجعة الآفاق المستقبلية للتصنيف السيادي للمغرب من مستقرة إلى إيجابية، وهو قرار يعكس ثقة المؤسسات المالية الدولية في قدرة المملكة على إدارة الإصلاحات الاقتصادية وتحقيق الاستقرار المالي.

كما شهد القطاع الاقتصادي إطلاق مشروع جديد يندرج ضمن الاقتصاد الأزرق، يهدف إلى إدماج سلاسل القيمة المرتبطة بالصيد البحري المستدام. ويأتي هذا المشروع بشراكة بين الحكومة المغربية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، ويستهدف تعزيز الاستثمارات في قطاع الصيد البحري مع الحفاظ على التوازن البيئي للموارد البحرية.

ويمثل هذا المشروع مثالاً على توجه المغرب نحو الاقتصاد المستدام، خاصة أن المملكة تعد من الدول الرائدة إفريقياً في تطوير الاقتصاد البحري. فالسواحل المغربية الممتدة على أكثر من 3500 كيلومتر توفر إمكانات كبيرة للاستثمار في الصيد البحري والصناعات المرتبطة به.

ومن ناحية أخرى، شهدت مدينة المحمدية تنظيم الملتقى التضامني للمقاولات الصغرى، وهو حدث اقتصادي واجتماعي يهدف إلى دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتشجيع المبادرات المقاولاتية المحلية.

هذا النوع من المبادرات يعكس التوجه الجديد للسياسات الاقتصادية المغربية، التي لم تعد تركز فقط على المشاريع الكبرى، بل تسعى أيضاً إلى دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها محركاً أساسياً لخلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية.

وفي سياق التحول الرقمي، أكد مسؤولون حكوميون خلال لقاءات اقتصادية بفاس أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد المحركات الاستراتيجية للتحول الاقتصادي والصناعي في المغرب. ويأتي ذلك في إطار استراتيجية وطنية تسعى إلى تعزيز الاقتصاد الرقمي وربط المغرب بالاقتصاد العالمي المبني على المعرفة والتكنولوجيا.

ويعكس هذا التوجه الطموح رغبة المغرب في الانتقال من اقتصاد تقليدي قائم على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد المعرفة والابتكار، خاصة مع تزايد الاستثمارات في مراكز البحث العلمي والجامعات التكنولوجية مثل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات.

أما في المجال الاجتماعي، فقد حمل الأسبوع الماضي بعض المؤشرات الإيجابية المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. فقد أعلنت السلطات المغربية استمرار استقرار تموين الأسواق الوطنية بالمواد الأساسية، مع تشديد مراقبة جودة المنتجات الغذائية خلال شهر رمضان، حيث تم حجز مئات الأطنان من السلع غير الصالحة للاستهلاك.

هذه الإجراءات تعكس حرص الدولة على حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان سلامة المنتجات الغذائية، خاصة في الفترات التي يرتفع فيها الطلب الاستهلاكي.

وفي الجانب البيئي والفلاحي، سجل المغرب موسماً مطرياً استثنائياً يعد من بين الأكثر غزارة منذ أكثر من أربعة عقود، الأمر الذي ساهم في رفع منسوب السدود وتحسين توقعات الموسم الزراعي.

ويمثل هذا التطور خبراً إيجابياً للفلاحين والاقتصاد الوطني، خصوصاً أن القطاع الزراعي يشكل أحد الأعمدة الأساسية للنمو الاقتصادي في المغرب.

كما يكتسي هذا التحسن أهمية استراتيجية في ظل التحديات المرتبطة بالتغير المناخي، حيث عانى المغرب خلال السنوات الماضية من موجات جفاف متكررة أثرت على الإنتاج الزراعي ومستوى الموارد المائية.

وعلى مستوى الأسواق المالية، سجلت سوق الرساميل المغربية خلال الأشهر الأخيرة تعبئة مالية تجاوزت سبعة مليارات درهم، وهو مؤشر على استمرار ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني رغم التقلبات الدولية.

ولا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن السياق الدولي المضطرب، خاصة مع التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي انعكست على أسعار الطاقة عالمياً. ومع ذلك، تبدو السلطات المغربية حريصة على اتخاذ إجراءات استباقية لحماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية، عبر سياسات مالية متوازنة وإدارة دقيقة للموارد.

في المحصلة، يمكن القول إن الأسبوع الماضي قدم صورة مكثفة عن المسار الذي يسلكه المغرب في العقد الحالي: دولة تسعى إلى التحديث الاقتصادي، وتعزيز الاستقرار السياسي، والانفتاح على التحولات العالمية في مجالات الطاقة والرقمنة والاقتصاد الأخضر.

وبينما تواجه المنطقة المغاربية والشرق الأوسط أزمات متعددة، يبدو المغرب مصمماً على ترسيخ نموذج تنموي يقوم على الإصلاح التدريجي والتوازن بين الاستقرار السياسي والطموح الاقتصادي. وهذا ما يجعل التجربة المغربية اليوم محط اهتمام متزايد في الأوساط الدولية باعتبارها مثالاً على إمكانية بناء مسار إصلاحي هادئ في عالم يموج بالاضطرابات.


0 التعليقات: