الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 01، 2026

الشرق الأوسط بين فوهة البركان وإعادة رسم الخرائط: عبده حقي

 


لم يعد الشرق الأوسط يعيش على إيقاع التوتر فقط، بل على إيقاع التحوّل. المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية تختبر توازنات المنطقة منذ عقود. ومع تداول أخبار عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي — وهي أخبار تحتاج دائماً إلى التحقق الدقيق في مثل هذه الظروف — فإن السؤال لم يعد فقط: من ضرب من؟ بل: إلى أين تتجه المنطقة؟ ومن سيدفع الكلفة الأكبر؟

التحليل الجيوسياسي لا يُبنى على الانفعال، بل على قراءة المصالح. الولايات المتحدة لا تخوض معركة عاطفية، بل تسعى إلى إعادة تثبيت معادلة الردع التي ترى أنها تآكلت في السنوات الأخيرة. إسرائيل، من جهتها، تعتبر أن منع إيران من التحول إلى قوة نووية كاملة أو من تثبيت نفوذها العسكري في المشرق مسألة وجودية. أما إيران، فهي تنظر إلى نفسها كقوة إقليمية محاصَرة تسعى إلى كسر الطوق، سواء عبر برنامجها النووي أو عبر شبكة تحالفاتها الممتدة في المنطقة.

إذاً نحن أمام صراع إرادات، لا مجرد تبادل صواريخ. وهنا يمكن تصور أربعة مسارات كبرى ترسم مستقبل المرحلة.

المسار الأول هو التصعيد المحسوب. هذا السيناريو يقوم على ضربات مؤلمة لكنها محدودة، يتبعها رد إيراني محسوب، ثم وساطات إقليمية ودولية لتجميد المواجهة. في هذا السياق، يصبح الهدف ليس الانتصار الكامل، بل تثبيت قواعد اشتباك جديدة. التاريخ القريب يُظهر أن الأطراف الكبرى غالباً ما تفضل هذا النوع من “الحرب المضبوطة” لأن كلفة الحرب الشاملة غير مضمونة النتائج. فاقتصاد عالمي مترابط، وأسواق طاقة حساسة، وممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز، كلها عناصر تجعل الانفجار الكبير خياراً بالغ الخطورة.

المسار الثاني هو الانزلاق إلى حرب إقليمية بالوكالة. هنا تتوسع المواجهة عبر ساحات متعددة: العراق، سوريا، لبنان، اليمن، وربما البحر الأحمر. تصبح الصواريخ والعمليات السيبرانية والضربات غير المباشرة أدوات يومية. في هذا السيناريو، لا تعلن الحرب رسمياً، لكنها تُمارس فعلياً. الخطر هنا لا يكمن فقط في الدمار العسكري، بل في إنهاك الدول الهشة المحيطة، وفي موجات لجوء جديدة، وفي اضطراب اقتصادي عالمي قد يعيد العالم إلى أجواء أزمات الطاقة الكبرى.

المسار الثالث يرتبط بالداخل الإيراني. إذا افترضنا حدوث فراغ قيادي نتيجة اغتيال أو وفاة مفاجئة، فإن إيران لن تنهار فوراً، لأنها دولة مؤسسات معقدة: الحرس الثوري، مجلس الخبراء، مجلس صيانة الدستور. لكن انتقال السلطة في لحظة حرب يختلف عن انتقالها في زمن السلم. قد يدفع ذلك إلى تشدد أكبر وتوحيد الصفوف تحت شعار “التهديد الخارجي”، أو إلى صراعات داخلية مكتومة بين أجنحة النظام حول طبيعة الردّ ومستقبل البلاد. أي اضطراب داخلي في إيران ستكون له ارتدادات مباشرة على شبكتها الإقليمية من الحلفاء.

أما المسار الرابع، وهو الأقل صخباً لكنه ممكن، فهو صفقة كبرى تعيد ترتيب الأوراق. أحياناً تولد التسويات من قلب الأزمات الحادة. قد يُعاد إحياء مسار تفاوضي حول الملف النووي، مع ترتيبات أمنية أوسع تشمل الملاحة والطاقة وخفض التوتر الإقليمي. مثل هذه الصفقة لن تكون تعبيراً عن ثقة متبادلة، بل عن إدراك متبادل بأن الحرب المفتوحة كارثة على الجميع.

في كل هذه السيناريوهات، يبقى سؤال الدول المتقاطعة مع إيران سياسياً أو دبلوماسياً، ومنها الجزائر. الجزائر ليست حليفاً عسكرياً لطهران، لكنها تشترك معها في خطاب سيادي ناقد للهيمنة الغربية. في حال تصاعد الصراع، ستجد الجزائر نفسها أمام توازن دقيق: فهي من جهة تستفيد مالياً من ارتفاع أسعار النفط إذا حدث، ومن جهة أخرى قد تتضرر من أي ركود اقتصادي عالمي ناتج عن اضطراب الطاقة والتجارة.

دبلوماسياً، تحاول الجزائر في السنوات الأخيرة تعزيز حضورها في إفريقيا والمتوسط، وتقديم نفسها كفاعل إقليمي مستقل. أي استقطاب حاد بين محاور قد يفرض عليها تحديد مواقف أكثر وضوحاً، وهو ما قد يحدّ من هامش المناورة الذي تفضله. كما أن منطقة الساحل، الهشة أصلاً، قد تتأثر إذا تحولت أولويات القوى الكبرى من مكافحة الإرهاب إلى إدارة الصراع مع إيران.

لكن من الخطأ تصور أن المنطقة تتجه حتماً نحو حرب عالمية. التجربة تُظهر أن القوى الكبرى غالباً ما تتراجع خطوة قبل الهاوية. الردع المتبادل، رغم خطورته، هو في الوقت نفسه عامل كبح. فإيران تعلم أن مواجهة مباشرة شاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد تهدد بقاء النظام ذاته. وواشنطن تدرك أن حرباً طويلة في الشرق الأوسط ستستنزفها في وقت تنافس فيه قوى كبرى أخرى. وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن تعدد الجبهات يضعها تحت ضغط غير مسبوق.

يبقى العامل الشعبي مهماً كذلك. المجتمعات في المنطقة أنهكتها الحروب الممتدة منذ عقود. أي توسع في المواجهة قد يطلق موجات احتجاج وضغط داخلي في عدة عواصم. وهذا بدوره قد يدفع القيادات إلى البحث عن مخارج سياسية بدلاً من الإصرار على التصعيد.

في النهاية، مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده ضربة واحدة مهما كانت مدوية، بل طريقة إدارة ما بعدها. هل تتحول الضربة إلى حلقة في سلسلة لا تنتهي؟ أم إلى لحظة صادمة تفرض إعادة الحسابات؟ الدول الذكية هي التي تقرأ اللحظة لا بالشعارات، بل بالأرقام والوقائع.

أما الجزائر، وبقية الدول التي تتقاطع مع إيران سياسياً، فمصلحتها تكمن في الحفاظ على مسافة أمان: لا الانخراط في محور صدامي، ولا التخلي عن استقلال قرارها. في عالم يتغير بسرعة، تصبح البراغماتية فضيلة سياسية، لا ضعفاً.

المنطقة اليوم تقف على حافة توازن هش. النار مشتعلة، لكن الإرادة الدولية لا تزال تحاول حصرها في نطاق محدود. بين البركان والهدوء المؤقت، يتشكل شرق أوسط جديد، قد لا يشبه ما عرفناه خلال العقود الماضية. والسؤال الحقيقي ليس من سيربح الجولة، بل من سينجح في تجنب الخسارة الكبرى.


0 التعليقات: