الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مارس 01، 2026

الهوية والذاكرة في السينما المغاربية (1) اليوم مع فيلم علي زاوا

 


في ظل التحولات العميقة التي عرفتها مجتمعات المغرب الكبير خلال العقود الثلاثة الأخيرة، برزت السينما المغاربية بوصفها أحد أهم الحقول الجمالية والمعرفية القادرة على إعادة مساءلة مفهومي الهوية والذاكرة. لم تعد الأفلام المنتَجة في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا مجرد أعمال سردية تُعنى بالحكاية أو الترفيه، بل تحولت إلى مختبرات بصرية تشتغل على تفكيك البنيات الاجتماعية، واستنطاق التاريخ، وإعادة تركيب الذاكرة الجماعية من خلال الصورة.

تندرج هذه السلسلة النقدية ضمن هذا الأفق التحليلي، حيث تقترح قراءة منهجية لأعمال سينمائية شكلت علامات فارقة في المشهد المغاربي المعاصر، من بينها Ali Zaoua، و**Casanegra، وPapicha، وTimbuktu**، وغيرها من الأعمال التي أسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الماضي والحاضر، وبين المحلي والعالمي.

تنطلق هذه القراءات من فرضية أساسية مفادها أن السينما المغاربية الحديثة تمارس وظيفة مزدوجة: فهي من جهة، توثق التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة، ومن جهة أخرى، تنتج خطاباً بصرياً يعيد تشكيل تمثلات الهوية خارج الأطر الرسمية للتاريخ. وبهذا المعنى، تتحول الصورة السينمائية إلى أرشيف بديل، وإلى فضاء لتفكيك الذاكرة الاستعمارية، واستحضار تجارب العنف، والهامش، والهجرة، والتحولات القيمية.

تعتمد السلسلة مقاربة تحليلية متعددة التخصصات، تستند إلى أدوات السيميائيات وتحليل الخطاب البصري، وتستحضر مفاهيم من دراسات الذاكرة الجماعية، ونظريات ما بعد الاستعمار، وسوسيولوجيا الثقافة. كما تسعى إلى وضع الفيلم في سياقه الإنتاجي والاجتماعي، دون اختزال العمل الفني في بعده الإيديولوجي، بل باعتباره بنية جمالية مركبة تتداخل فيها اللغة السينمائية مع الرهانات الفكرية.

إن الاهتمام بالسينما المغاربية اليوم لا يندرج فقط في إطار دراسة الإنتاج الثقافي الإقليمي، بل يكتسب أهمية متزايدة في سياق النقاشات الأكاديمية حول إعادة كتابة التاريخ من خلال الوسائط البصرية، وحول تمثيل الهويات المتعددة في الفضاءات ما بعد الاستعمارية. فالفيلم المغاربي، في كثير من تجلياته، لا يقدم صورة جاهزة عن المجتمع، بل يطرح سؤال الانتماء بوصفه سيرورة مفتوحة، ويكشف عن التوترات الكامنة بين الحداثة والتقليد، بين السلطة والحرية، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية.

تهدف هذه السلسلة إلى فتح حوار بين الحقل النقدي السينمائي والفضاءات الأكاديمية والبحثية، عبر تقديم مادة تحليلية قابلة للتداول في سياقات تعليمية وبحثية، سواء في أقسام الدراسات السينمائية، أو دراسات الثقافة والهوية، أو في برامج البحث المتعلقة بالذاكرة والتاريخ البصري. كما تطمح إلى المساهمة في إثراء النقاش حول موقع السينما المغاربية ضمن الخريطة العالمية للسينما المعاصرة، ليس باعتبارها هامشاً إنتاجياً، بل بوصفها فاعلاً جمالياً ينتج رؤى نقدية حول الذات والمجتمع.

إن قراءة السينما المغاربية من زاوية الهوية والذاكرة ليست تمريناً نقدياً فحسب، بل هي أيضاً دعوة لإعادة التفكير في دور الصورة في تشكيل الوعي الجماعي، وفي قدرة الفن على مساءلة التاريخ وفتح أفق جديد لفهم الحاضر.

قراءة نقدية: بين الوقع والخيال، والذاكرة والكرامة

حين نعود إلى فيلم "علي زاوا" ــ الذي أخرجه نبيل عيوش في مطلع الألفية ــ لا نواجه مجرد سردية درامية عن أطفال الشوارع، بل نصاً بصرياً ثرياً يمتدّ إلى عمق الأسئلة الوجودية والاجتماعية في المغرب الكبير. الفيلم لا يروي قصة أطفال ضائعين فحسب؛ إنه يعيد تشكيل ذاكرة المدينة، وعلاقات القوة، وحلم الأمل في عالم موغل في العنف والنبذ الاجتماعي.

في الدار البيضاء، تلك المدينة المركّبة التي تُرى من بعيد كشبكة خرسانية ضخمة، تنفصل عوالمها الطبقية بشكل صارخ. هناك حيث الأبنية العالية ترتفع كرموز للحداثة والثراء، يعيش علي وزملاؤه في الأطلال الخرسانية القديمة، كأن المدينة نفسها تحصرهم في هامش لا يُرى إلا من تحت. الفيلم يصوّر هذا الانقسام ليس فقط كخلفية مكانية، بل كقضية وجودية: صراع يتأرجح بين واقع مؤلم وحلم طليق يرفض الاستسلام.

علي زاوا ــ الطفل الحالم بأن يصبح بحاراً ويصل إلى "جزيرة ذات الشمسين" ــ يمثل رمزاً ميتافيزيقياً للبحث عن عالم آخر، عالم حرّ من القسوة واللاعدالة؛ عالمٍ لا يعرف فيه التشرد ولا التفكّك الأسري. هذا الحلم الذي ينقله الفيلم إلى سطح النص ليس مجرد هروبٍ من الواقع، بل هو ردُّ فعل على واقعٍ تسرّب إلى الوعي الجماعي كجراحٍ مفتوحة.

ثنائية الوجود: واقع مقابل خيال

النقد الذي يمكن أن نُسلّطه على الفيلم هو إدراكه الأنيق لتشابك الحلم مع القسوة. الفيلم لا يفرّط في الواقعية، فهو يوظّف أطفال الشوارع الحقيقيين كممثلين، مما يجعل الأداء أقرب إلى الوثائقي منه إلى الإفراط الدرامي؛ لكن في الوقت نفسه، يتيح لنا هذا الاختيار الفني رؤية أن الحلم ــ حتى لو بدا شبه مستحيل ــ هو عنصر مقاومة نفسي واجتماعي.

ثنائية أخرى مركزية في الفيلم هي الموت والحياة؛ موت علي زاوا لا يُختزل في حدث مأسوي، بل يتحوّل إلى حجر الزاوية الذي تنطلق منه قصة الوفاء. أصدقاؤه الثلاثة، بعد صدمتهم الأولية، يقررون أن يدفنوه دفناً لائقاً كما يتخيّلونه لأميرٍ، في محاولة يائسة لمنح الموت معنى، وللصداقة حقّاً أمام غياب مؤسسة اجتماعية تكرّم الحياة نفسها.

المدينة: كيانٌ لا يرحم

الدار البيضاء في الفيلم ليست مجرد فضاء تصوير. إنها كائن حيّ يردّ على كل محاولة للانتصار. الكاميرا تتجول بين زواياها المهشّمة، وتبرز الفجوة بين ما هو ظاهر وما هو مخفي: بين المدينة الحديثة ورمزيتها الاقتصادية الضيقة من جهة، وبين الأكواخ والأزقّة التي يقطنها الأطفال من جهة أخرى. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الفيلم خارج سياق المدينة نفسها بوصفها نصاً سردياً مضاداً، ينبش في بنية الطبقة والهامش والسلطة.

تصوير الذاكرة والهوية

يُظهر الفيلم أيضاً من خلال لغة بصرية متماسكة أن الذاكرة ليست فقط ما تَتذكّره الشخصيات، بل فاعلٌ بنيوي في سرديتها. الحلم، الرسومات على الجدران، القصص التي يرويها أهل الشارع، وحتى دفن علي… كل ذلك ليس إعادة تدوير لتجربة شخصية فقط، بل هو بحث جماعي عن معنى الهوية في مجتمعٍ لا يمنح كل أفراده الحقّ في الاعتراف البشري الكامل.

الجسد والسلطة

الفيلم لا يتردد في عرض العلاقات القمعية التي تفرضها السلطة، سواء كانت تمثّلاً قانونياً أو غير رسمي. أولئك الأطفال ليسوا فقط مهمّشين اجتماعياً، بل أيضاً مكشوفين أمام شكلٍ من أشكال العنف المتواصل، من العصابات المحلية إلى موقف المجتمع اللاهث للامتناع عن التعامل مع قضيتهم كقضية إنسانية جديرة بالاعتبار.

الخلاص: دفن الحلم أم تظهيره؟

إن تعبير أصدقاء علي عن رغبتهم في منحه دفناً "أميرياً" هو أكثر من فعل رمزي؛ إنه محاولة للانتصار على نسيانٍ اجتماعي واقعي. الدفن هنا لا يعني انتهاء الحكاية، بل بداية قراءة أوسع على أن الكرامة لا تُستعاد إلا بالاعتراف الجماعي، حتى لو جاء بعد الموت.

الخلاصة

"علي زاوا" ليس مجرد فيلم عن أطفال الشوارع في الدار البيضاء، بل نصٌّ بصريٌّ يطرح سؤالاً عميقاً عن:

  • طبيعة الوجود في المدينة الهامشية
  • علاقة الحلم بالهوية
  • الصدمة والمقدار الذي تتيحه الذاكرة للفرد
  • وكيف تتحوّل الصورة السينمائية إلى أرشيفٍ للمهمَّشين

في هذه القراءة، يصبح الفيلم مرآةً نقديةً للذات الجماعية المغاربية التي تبحث عن نفسها في خضمّ التحولات الاجتماعية والسياسية، متجاوزاً واقعه إلى ما هو أعمق في النفس الإنسانية.



0 التعليقات: