نهج البلاغة… صوت العدالة الذي لا يشيخ
هناك كتب نقرأها مرةً
فنطويها، وهناك كتب نعود إليها كلما ضاقت بنا الحياة.
ومن هذا الصنف الثاني
يأتي كتاب نهج البلاغة الذي جمعه العلامة الشريف الرضي، فصار واحدًا من أهم كتب التراث
العربي والإسلامي، ليس لأنه كتاب ديني فحسب، بل لأنه كتاب إنساني، أخلاقي، أدبي، وسياسي
في آنٍ واحد.
نهج البلاغة ليس كتابًا ألّفه الإمام علي بن أبي طالب، بل هو كتاب جمع فيه الشريف الرضي مختارات من خطب ورسائل وحِكم الإمام علي، ورتّبها في ثلاثة أقسام:
الخطب، ثم الرسائل،
ثم الحكم القصيرة.
وقد اختار له اسمًا
دالًا: “نهج البلاغة”، أي الطريق الواضح في الفصاحة والبيان.
لكن ما الذي يجعل هذا
الكتاب مختلفًا؟
الجواب بسيط وعميق
في الوقت نفسه: اللغة والروح.
حين نقرأ خطب الإمام
علي في نهج البلاغة، نشعر أننا أمام إنسان يرى أبعد من زمنه. كلماته ليست مجرد جمل
منمّقة، بل مواقف. ليست عبارات محفوظة، بل رؤى في العدل، والسلطة، والإنسان، والمصير.
في إحدى خطبه يقول:
“الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير
لك في الخلق.”
هذه الجملة وحدها تكفي
لتأسيس فلسفة كاملة في التسامح الإنساني.
هي ليست مجرد حكمة،
بل مشروع أخلاقي.
الشريف الرضي، الذي
عاش في بغداد في القرن الرابع الهجري، كان شاعرًا وأديبًا مرهف الحس. لم يجمع النصوص
جمعًا عشوائيًا، بل اختار ما رأى فيه ذروة البلاغة وعمق الفكرة. لذلك جاء الكتاب كأنه
ديوان فكرٍ متكامل، لا مجرد وثيقة تاريخية.
في نهج البلاغة نجد
حديثًا عن الحكم والسياسة.
نجد رسالة الإمام علي
إلى مالك الأشتر، حين ولاّه مصر، وفيها تعليمات دقيقة عن العدل، وعن احترام الناس،
وعن محاربة الفساد، وعن الرحمة بالرعية.
لو قرأها مسؤول معاصر
بصدق، لوجد فيها دستورًا أخلاقيًا للحكم.
ونجد أيضًا تأملات
في الموت والحياة، في الزهد والدنيا، في الصبر والكرامة.
لغة الكتاب ليست سهلة
دائمًا، فهي تنتمي إلى عصر كانت فيه العربية في ذروة فصاحتها. لكن جمالها يكمن في موسيقاها
الداخلية، في الصور البلاغية التي تشبه البرق، وفي الإيقاع الذي يشبه النهر.
الإمام علي في نهج
البلاغة ليس شخصية تاريخية بعيدة، بل إنسان يعيش بيننا.
حين يتحدث عن الظلم،
نشعر أنه يخاطب حاضرنا.
حين يتحدث عن الطمع،
نرى وجوهًا معاصرة.
حين يتحدث عن الفقر
والغنى، نشعر أن الزمن لم يتغير كثيرًا.
أحيانًا يبدو النص
كأنه قصيدة، وأحيانًا كأنه بيان سياسي، وأحيانًا كأنه مناجاة روحية.
وهنا تتجلى عبقرية
الجمع عند الشريف الرضي؛ فقد قدّم لنا كتابًا متعدد الأصوات، لكنه موحّد الروح.
من الناحية الأدبية،
يعدّ نهج البلاغة مدرسة في البلاغة العربية.
الاستعارة فيه حية،
والكناية عميقة، والتشبيه نابض بالحركة.
ولذلك ظلّ الكتاب مادة
أساسية لدارسي اللغة العربية، ولمن يريد أن يتذوق جمال البيان.
لكن دعونا نقترب من
الكتاب بعيون بسيطة، بعيدة عن الجدل المذهبي والتاريخي.
لنقرأه ككتاب حكمة.
ككتاب يذكّرنا بأن
السلطة مسؤولية، وأن الإنسان قيمة، وأن العدل أساس العمران.
نهج البلاغة لا يدعوك
إلى الهروب من الدنيا، بل إلى إصلاحها.
لا يدعوك إلى الكراهية،
بل إلى الإنصاف.
لا يدعوك إلى الصمت،
بل إلى قول الحق.
في زمن تتكاثر فيه
الأصوات، وتضيع فيه المعايير، يبقى هذا الكتاب شاهدًا على أن الكلمة يمكن أن تكون نورًا،
وأن البلاغة ليست زينة لغوية، بل طاقة أخلاقية.
ولعل أجمل ما في نهج
البلاغة أنه يربط بين القوة والرحمة.
فالإمام علي يظهر فيه
قائدًا شجاعًا، لكنه في الوقت نفسه أبًا حنونًا على الفقراء، ومدافعًا عن المظلومين.
هذا التوازن هو ما
نفتقده اليوم في كثير من خطاباتنا.
الشريف الرضي، وهو
يجمع هذه النصوص، لم يكن يعلم أن كتابه سيعبر القرون.
لكنه أدرك أن هناك
كلمات لا تموت.
كلمات إذا وُضعت في
سياق صادق، تحولت إلى مرآة للضمير.
وأنا أقدّم هذا الكتاب
لمتابعي صفحتي على تيك توك، لا أقدّمه ككتاب تراثي فقط، بل كرفيق فكري.
يمكنكم أن تقرأوا منه
حكمة واحدة كل يوم.
جملة واحدة قد تغيّر
نظرتكم إلى موقف ما.
فقرة واحدة قد تفتح
نافذة في داخلكم.
نهج البلاغة ليس كتابًا
للمتخصصين فقط، بل لكل من يبحث عن معنى أعمق للحياة.
لكل من يسأل: ما العدل؟
ما الشجاعة؟
ما الكرامة؟
وما قيمة الإنسان؟
في النهاية، يبقى السؤال:
هل نقرأ نهج البلاغة
كأثر قديم، أم كنص حيّ؟
الاختيار لنا.
أما أنا، فأراه كتابًا
يذكّرنا بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون أقوى من السيف،
وأن البلاغة الحقيقية
ليست في زخرفة العبارة،
بل في صدق الفكرة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق