الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 02، 2026

دبي ليست ساحة حرب بل قصيدة سلام تحت همجية القصف: عبده حقي


وأنا أعبر شوارع دبي، لم أكن سائحًا عاديا يبحث عن لقطة جميلة فحسب، بل كنت كاتبًا يقرأ المدينة كما تُقرأ القصيدة، ويصغي إلى صمت الأبراج كما يُصغى إلى نبض القلب. هناك، أمام زجاج ناطحات السحاب التي تعكس السماء بلونها الفيروزي، شعرت أنني أقف أمام معجزة معمارية خرجت من رحم الصحراء، مدينة لا تكتفي بأن تكون مكانًا، بل تصرّ أن تكون فكرة.

أقف قبالة برج زجاجي شاهق، تتصاعد طبقاته نحو الأعلى كما لو أنه يصافح الغيم. انعكاس الأبراج المتقابلة في الواجهات الزجاجية يخلق وهما بصريا جميلا، كأن المدينة تنظر إلى نفسها في مرآة عملاقة. كنت أتأمل ذلك المشهد وأقول في سري: أي قوة بشرية استطاعت أن تحول الرمال إلى هذا الكرنفال من الضوء والصلب والزجاج؟

ثم أمشي في شارع الشيخ زايد، الشريان النابض الذي تختصر لوحته الطرقية تاريخا من الطموح الخليجي الحديث. لوحة الطريق التي تحمل اسمه ليست مجرد إشارة مرورية؛ إنها إعلان دائم عن رؤية سياسية واقتصادية نقلت دبي من قرية ساحلية متواضعة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة والثقافة. على جانبي الطريق، الأبراج تتنافس في الارتفاع، والسيارات تمضي بثقة، وكأن المدينة تعرف وجهتها بدقة لا تخطئ.

غير بعيد عن ذلك، كنت أمام برج العرب، أيقونة دبي التي تشبه شراعا أبيض يشق بحر الخليج. في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أنظر إلى فندق فخم فحسب، بل إلى رمز لرغبة الإنسان في تحدي المستحيل. البحر هادئ، السماء صافية، والسياح يلتقطون الصور بوجوه يملؤها الإعجاب. دبي هنا تبدو كأنها لوحة مصممة بعناية فائقة، كل تفصيل فيها محسوب.

لكن خلف هذا الجمال المتقن، كان هناك ظلّ ثقيل يمرّ في خاطري. الحرب الدائرة حاليا بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة ثانية، لم تعد خبرا عابرا في نشرات المساء. لقد تحولت إلى واقع يطرق أبواب المنطقة بقسوة. ومع شروع إيران في قصف عواصم دول الخليج، ومنها مدينة دبي، لم يعد الخوف افتراضا نظريا، بل هاجسا ملموسا.

كنت أمشي في تلك الشوارع النظيفة المنظمة، وأتساءل: ماذا لو أصاب صاروخ طائش أحد هذه الأبراج؟ ماذا لو اهتزّ هذا الزجاج الذي يعكس السماء تحت وطأة انفجار؟ هل يمكن للحرب أن تمحو في لحظة ما بنته سنوات من التخطيط والعمل والرؤية؟

دبي ليست مجرد مبانٍ شاهقة، بل هي قصة استقرار نسبي في منطقة عرفت كثيرا من الاضطرابات. هي ملاذ للاستثمار، وفضاء للتعايش، وملتقى لثقافات متعددة. في مطاعمها تسمع لغات العالم، وفي شوارعها ترى وجوها من قارات شتى. إنها صورة عن العولمة حين تلبس عباءة عربية.

لهذا كان خوفي مضاعفا. الخوف ليس فقط على الحجر والزجاج، بل على الفكرة ذاتها. على إمكانية أن تظل دبي فضاء مفتوحا للحلم في منطقة يثقلها الصراع. حين تقف أمام برج العرب أو تسير في شارع الشيخ زايد، تدرك أن الجمال هنا ليس ترفا، بل هو خيار استراتيجي: أن تبني بدلا من أن تهدم، أن تستثمر في المستقبل بدل أن تغرق في أحقاد الماضي.

الحرب، بطبيعتها، لا ترى في المدن سوى أهداف محتملة. لا تميز بين برج سكني ومركز تجاري، ولا بين سائح جاء بحثا عن المتعة وعامل جاء بحثا عن لقمة العيش. إنها قوة عمياء حين تنفلت من عقال السياسة والعقل. ولذلك كان قلقي يتضاعف كلما نظرت إلى تلك الأبراج التي تعانق السماء بثقة.

في إحدى اللحظات، رفعت رأسي نحو أعلى البرج الزجاجي الذي كنت أصوره، فرأيت انعكاس الشمس على سطحه يلمع كنجمة. قلت لنفسي: لعل هذا اللمعان هو ما يجب أن نتمسك به. لعل الجمال نفسه يمكن أن يكون حجة ضد الحرب، وأن تكون المدن المزدهرة رسالة صامتة تقول إن المستقبل يصنع بالعمل لا بالصواريخ.

دبي، في تجربتي هذه، لم تكن مجرد محطة سفر، بل كانت مرآة لأسئلة أكبر: ما معنى أن تبني مدينة في زمن الحروب؟ كيف يمكن الحفاظ على جمالية العمران في محيط مضطرب؟ وهل تستطيع الرؤية الاقتصادية والثقافية أن تصمد أمام عواصف الجغرافيا السياسية؟

أغادر دبي وصورها لا تزال عالقة في ذاكرتي: الأبراج المتلألئة، الطرق الواسعة، البحر الهادئ، والناس الذين يمضون في حياتهم رغم كل شيء. أقول في نفسي إن حماية جمالية دبي ليست مسؤولية دولة واحدة فحسب، بل مسؤولية إقليم بأكمله. فحين تُستهدف مدينة بهذا الحجم الرمزي، فإن الرسالة تتجاوز حدودها الجغرافية.

أكتب هذه السطور وقلبي معلق بتلك السماء الزرقاء التي انعكست على زجاج الأبراج. أتمنى أن تظل سماء دبي صافية، وأن تبقى ناطحاتها شامخة، وأن ينتصر صوت العقل على هدير المدافع. فالجمال، في نهاية المطاف، ليس ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل هو ضرورة إنسانية، ودبي واحدة من أجمل تجلياته في عالم عربي يتوق إلى الاستقرار والسلام.




0 التعليقات: