في السياسة الدولية، كما في لعبة الشطرنج، لا تتحرك القطع دائماً وفق منطق المبادئ بقدر ما تتحرك وفق حسابات المصلحة والنجاة. وما يجري في الجزائر في الأسابيع الأخيرة يقدم مثالاً صارخاً على هذا النوع من البراغماتية المتقلبة التي تحكم سلوك الأنظمة السياسية في لحظات التوتر الجيوسياسي. فالتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، ألقت بظلالها الثقيلة على مواقف العديد من الدول، ومنها الجزائر التي وجدت نفسها فجأة أمام اختبار صعب بين خطابها التقليدي المناهض للغرب وبين ضرورات التموضع في عالم تحكمه الطاقة والتحالفات.
لقد تداولت عدة منصات إعلامية خلال الأيام الأخيرة تحليلات تتحدث عن تحول لافت في الخطاب السياسي الجزائري تجاه إيران، وهو تحول يبدو ــ في نظر بعض المراقبين ــ أقرب إلى إعادة تموضع براغماتي منه إلى مراجعة مبدئية. فمنذ عقود ظلت الجزائر تحرص على تقديم نفسها كقوة دبلوماسية مستقلة في العالم العربي والإفريقي، تدافع عن فكرة “عدم الانحياز” وتتبنى خطاباً سيادياً يضعها خارج الاصطفافات الكبرى. غير أن الواقع الجيوسياسي المعاصر أصبح أكثر تعقيداً، بحيث لم يعد يسمح بسهولة بمثل هذه المساحات الرمادية.
ففي ظل تصاعد المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أصبح من الصعب على كثير من الدول أن تحافظ على توازن دقيق بين الطرفين. ويبدو أن القيادة الجزائرية، في هذه اللحظة الحساسة، اختارت أن تميل تدريجياً نحو المعسكر الغربي، أو على الأقل أن تبعث بإشارات تطمين إلى واشنطن والعواصم الغربية. ويقرأ بعض المحللين هذا التحول على أنه محاولة لإعادة فتح قنوات التواصل مع الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل التغيرات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت واشنطن تنظر إلى شمال إفريقيا باعتباره فضاءً استراتيجياً مهماً في سياق التنافس العالمي على الطاقة والنفوذ.
غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن العامل الاقتصادي، وبالخصوص عن التطورات المتسارعة في سوق النفط العالمية. فارتفاع سعر برميل النفط إلى مستويات تتجاوز مائة دولار أعاد إلى الواجهة النقاش القديم حول ما يعرف في الاقتصاد السياسي بـ “المرض الهولندي”، وهو المفهوم الذي استخدمه الاقتصاديون لوصف الحالة التي تصبح فيها الاقتصادات الريعية رهينة لتقلبات أسعار الموارد الطبيعية، مما يؤدي إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى.
في الحالة الجزائرية، يكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة. فالاقتصاد الجزائري يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز، حيث تشكل المحروقات العمود الفقري للمالية العامة وللاحتياطي النقدي للدولة. وقد حذر العديد من الخبراء الاقتصاديين، منذ سنوات، من أن الاعتماد المفرط على النفط يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لصدمات السوق الدولية. وقد ناقش الباحث الأمريكي جيفري ساكس هذه الظاهرة في كتابه الشهير The End of Poverty، حيث أشار إلى أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية كثيراً ما تواجه مفارقة غريبة: الثروة التي يفترض أن تكون مصدر ازدهار تتحول أحياناً إلى عامل هشاشة اقتصادية.
وفي هذا السياق، يبدو ارتفاع أسعار النفط اليوم سيفاً ذا حدين بالنسبة للجزائر. فمن جهة يوفر هذا الارتفاع مداخيل مالية مهمة يمكن أن تساعد الحكومة على تخفيف الضغوط الاجتماعية وتمويل الإنفاق العمومي. لكن من جهة أخرى، فإن هذه الطفرة قد تعيد إنتاج نفس الحلقة المفرغة التي عاشتها البلاد في العقود الماضية: اقتصاد يعتمد على الريع بدل الإنتاج، وسياسة مالية مرتبطة بتقلبات السوق العالمية.
لقد شهدت الجزائر تجربة مشابهة في السبعينيات ثم في العقد الأول من الألفية الجديدة، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تدفق عائدات ضخمة على الخزينة العامة. غير أن تلك الفترات لم تؤدِّ إلى تنويع حقيقي للاقتصاد الوطني. وعندما انهارت الأسعار لاحقاً، وجدت الدولة نفسها مرة أخرى أمام عجز مالي وضغوط اجتماعية متزايدة.
هذا ما يجعل بعض الاقتصاديين يتحدثون اليوم عن “فخ النفط” الذي قد يهدد مستقبل الدينار الجزائري. فارتفاع أسعار الطاقة لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي على المدى الطويل، بل قد يؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية إذا لم يرافقه إصلاح اقتصادي عميق. وقد ناقش الصحفي البريطاني مارتن وولف في مقالاته بصحيفة فايننشال تايمز هذه الإشكالية، مشيراً إلى أن الاقتصادات الريعية غالباً ما تجد صعوبة في بناء نموذج تنموي مستدام خارج قطاع الطاقة.
أما على المستوى السياسي، فإن هذه التحولات الاقتصادية قد تدفع الجزائر إلى إعادة صياغة علاقاتها الدولية. فالبلدان المصدرة للطاقة تدرك جيداً أن سوق النفط ليس مجرد سوق اقتصادية، بل هو أيضاً فضاء للصراع الجيوسياسي. ويكفي أن نتذكر ما كتبه الباحث الأمريكي دانييل يرغن في كتابه المرجعي The Prize حول التاريخ السياسي للنفط، حيث يبين أن الذهب الأسود كان دائماً عنصراً حاسماً في تشكيل التحالفات الدولية.
من هذا المنظور، يمكن فهم الإشارات التي تبعثها الجزائر اليوم نحو واشنطن والعواصم الغربية. فالتقارب مع الولايات المتحدة قد يمنح الجزائر هامشاً أكبر للمناورة في سوق الطاقة العالمية، كما قد يساعدها على استقطاب استثمارات أجنبية تحتاجها بشدة في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية.
غير أن هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر. فالتحول المفاجئ في الاصطفافات الدولية قد يثير تساؤلات داخلية حول مصداقية الخطاب السياسي الرسمي، خاصة في بلد اعتاد منذ عقود على خطاب ثوري معادٍ لما يسميه “الهيمنة الغربية”. كما أن أي تقارب مع المعسكر الأمريكي قد يضع الجزائر في مواجهة مع بعض حلفائها التقليديين في المنطقة.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام صناع القرار في الجزائر: كيف يمكن تحقيق توازن دقيق بين ضرورات الاقتصاد ومقتضيات الخطاب السياسي؟ وكيف يمكن الانتقال من اقتصاد يعتمد على تقلبات النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستقراراً؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتوقف فقط على أسعار النفط أو على التحالفات الدولية، بل تتعلق أيضاً بقدرة الدولة على إجراء إصلاحات هيكلية عميقة في الاقتصاد والمؤسسات. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الدول التي نجحت في تجاوز لعنة الموارد الطبيعية هي تلك التي استثمرت عائداتها في التعليم والابتكار والبنية التحتية، بدل الاعتماد الدائم على الريع.
وفي النهاية، قد يكون المشهد الحالي مجرد فصل جديد في قصة طويلة من الترددات السياسية والاقتصادية التي عاشتها الجزائر منذ الاستقلال. فبين تقلبات السوق النفطية وضغوط الجغرافيا السياسية، تبدو البلاد وكأنها تسير على حبل مشدود بين الماضي والمستقبل. وفي عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لن يكون السؤال الحقيقي هو مع أي معسكر ستقف الجزائر، بل أي نموذج اقتصادي وسياسي ستختار لبناء مستقبلها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق