الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 11، 2026

خوارزميات الحقيقة في ساحات الحرب الرقمية: ترجمة عبده حقي

 


في زمن الحروب المعاصرة لم تعد الحقيقة تسير ببطء عبر تقارير الدبلوماسيين أو مراسلات الصحف الكبرى، بل أصبحت تتدفق بسرعة الضوء عبر الهواتف المحمولة. يكفي أن يرفع أحدهم مقطع فيديو قصيراً من شارع مدمر أو ينشر صورة لسماء تشتعل بالقذائف حتى تتحول تلك اللحظة الفردية إلى وثيقة عالمية تتناقلها الشبكات الاجتماعية. لقد دخل العالم مرحلة جديدة من توثيق النزاعات، مرحلة يصنع فيها المواطن العادي مادة الخبر قبل أن تصل إليها غرف التحرير. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً معرفياً وأخلاقياً بالغ التعقيد: كيف يمكن التحقق من صدق المحتوى الذي ينتجه المستخدمون في مناطق الحرب؟

لقد شهد العقد الأخير انفجاراً هائلاً في ما يسمى بالمحتوى الذي ينتجه المستخدمون (User-Generated Content)، وهو مفهوم يشير إلى الصور ومقاطع الفيديو والشهادات التي ينشرها الأفراد عبر منصات مثل يوتيوب وإكس وفيسبوك وتلغرام. في الحروب الحديثة، من سوريا إلى أوكرانيا، ومن غزة إلى السودان، أصبح هذا المحتوى مصدراً أساسياً للمعلومات الأولية. ففي الأيام الأولى للحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 مثلاً، اعتمدت وسائل إعلام دولية كبرى مثل BBC وThe New York Times على مقاطع مصورة نشرها مواطنون أوكرانيون لتوثيق القصف الأولي على كييف وخاركيف. لكن هذا الاعتماد لم يكن ممكناً إلا بفضل أدوات تقنية معقدة تحاول فرز الحقيقة من الضجيج الرقمي.

الواقع أن هذا التحدي ليس جديداً بالكامل. فقد تناول الباحث الأمريكي مانويل كاستلز في كتابه Networks of Outrage and Hope فكرة أن الشبكات الرقمية أصبحت فضاءً مركزياً لإنتاج المعرفة السياسية، حيث تتحول الهواتف المحمولة إلى ما يشبه "مراسلين صغار" يحملون الكاميرا في جيوبهم. غير أن كاستلز نفسه حذر من أن وفرة المعلومات قد تتحول إلى فوضى معرفية ما لم تُطوَّر آليات تحقق دقيقة. وهنا يبدأ دور البرمجيات والخوارزميات في إعادة بناء الحقيقة من شظايا البيانات.

تعتمد عمليات التحقق الرقمية اليوم على ما يمكن تسميته بعلم "التحقيق الخوارزمي". هذا المجال يجمع بين الصحافة الاستقصائية وعلوم البيانات وتحليل الصور. أحد أبرز النماذج في هذا المجال هو موقع Bellingcat، الذي أسسه الصحفي البريطاني إليوت هيغنز، والذي اشتهر بتحقيقاته المعتمدة على المصادر المفتوحة. ففي تحقيقه حول إسقاط الطائرة الماليزية MH17 فوق شرق أوكرانيا عام 2014، استخدم فريق Bellingcat صوراً منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد مسار منظومة صواريخ روسية يُعتقد أنها كانت وراء الحادث. لم تكن الأدلة عبارة عن وثائق سرية، بل مجرد صور التقطها مواطنون عاديون. غير أن تحليل الظلال في الصور، ومطابقة المباني مع خرائط غوغل، وتتبع بيانات الموقع الجغرافي، سمح بإعادة تركيب القصة بدقة لافتة.

هذه الممارسات التقنية تمثل ما يمكن تسميته بـ"التحقيق عبر الكود". فخلف كل صورة منشورة على الإنترنت تختبئ بيانات وصفية (Metadata) مثل وقت الالتقاط ونوع الكاميرا وإحداثيات المكان. يمكن لهذه البيانات أن تكون خيطاً يقود إلى الحقيقة، لكنها قد تكون أيضاً فخاً إذا تم التلاعب بها. لذلك يستخدم المحققون الرقميون أدوات متعددة لفحص الصور، مثل تحليل البكسلات لاكتشاف التعديل الرقمي، أو مقارنة التضاريس الظاهرة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية. في هذا السياق، أصبحت منصات مثل Google Earth وPlanet Labs جزءاً من أدوات الصحافة الحديثة.

لكن التكنولوجيا ليست وحدها من يقرر مصير الحقيقة. فالحروب المعاصرة تشهد أيضاً حرباً موازية من التضليل الرقمي. لقد أظهرت تقارير صادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة أن النزاعات المسلحة أصبحت بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة. ففي الحرب السورية مثلاً، انتشرت آلاف المقاطع المفبركة التي حاولت نسب هجمات إلى أطراف مختلفة، بينما كشفت دراسات لاحقة أن بعضها صُوّر في أماكن أخرى أو في أوقات مختلفة. هذه الظاهرة تجعل من التحقق عملية أشبه بالتنقيب في منجم مليء بالحجارة اللامعة، حيث يجب التمييز بين الذهب الحقيقي واللمعان الخادع.

يذهب الباحث الأمريكي كلاي شيركي في كتابه Here Comes Everybody إلى أن الإنترنت منح الأفراد قدرة غير مسبوقة على إنتاج المعلومات، لكنه في الوقت نفسه ألغى الحواجز التقليدية التي كانت تفصل بين الخبر والرأي والدعاية. ومن هنا يظهر الدور المتزايد للصحافة المتخصصة في التحقق الرقمي، مثل منصة Verify التابعة لوكالة الأنباء الفرنسية، أو وحدة BBC Verify التي أُطلقت في السنوات الأخيرة لتعزيز تحليل البيانات المفتوحة.

إن التحقق من المحتوى في مناطق الحرب يشبه إلى حد بعيد عمل علماء الآثار الذين يعيدون بناء حضارة من قطع فخار متناثرة. فكل صورة أو فيديو يمثل قطعة صغيرة من فسيفساء كبيرة. وإذا تم تجميع هذه القطع بطريقة صحيحة، فإنها ترسم مشهداً كاملاً لما حدث بالفعل. أما إذا أسيء تفسيرها، فقد تتحول إلى سردية مضللة تكتب تاريخاً موازياً للأحداث.

من الأمثلة البارزة على قوة هذا المنهج ما حدث خلال الحرب في غزة عام 2023، حيث استخدم صحفيون مستقلون صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو التي نشرها السكان المحليون لتحديد مواقع الانفجارات بدقة. وقد نشرت صحيفة The Washington Post تحقيقاً مفصلاً اعتمد على هذه التقنيات لإعادة بناء مسار قذيفة سقطت بالقرب من مستشفى في القطاع. لم يكن التحقيق قائماً على شهادة شاهد واحد، بل على شبكة معقدة من البيانات الرقمية.

غير أن هذا التطور يطرح إشكالية أخلاقية أيضاً. فالمحتوى الذي ينشره المدنيون في مناطق النزاع غالباً ما يتضمن مشاهد صادمة أو معلومات قد تعرض أصحابها للخطر. لذلك أصبح من الضروري تطوير معايير مهنية لحماية المصادر الرقمية، تماماً كما تحمي الصحافة التقليدية مصادرها البشرية. وقد ناقش الباحث فيليب هاورد في دراساته حول "الحوسبة السياسية" هذه المسألة، مؤكداً أن التكنولوجيا قد تكون سلاحاً ذا حدين: أداة لكشف الحقيقة أو وسيلة لتعريض الأفراد للخطر.

في ضوء كل ذلك يمكن القول إن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالمدافع والطائرات، بل أيضاً بالخوارزميات والبيانات. لقد تحولت الشفرة البرمجية إلى ما يشبه عدسة جديدة يرى العالم من خلالها النزاعات. وإذا كانت الصحافة التقليدية تعتمد على المراسلين الميدانيين، فإن الصحافة الرقمية تعتمد اليوم على "محققي البيانات" الذين يجلسون أمام الشاشات ويعيدون بناء الأحداث من خلال ملايين الإشارات الرقمية.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة في مناطق الحرب كنجمة بعيدة تلمع في سماء مليئة بالدخان. قد تساعد الخوارزميات على الاقتراب منها، لكنها لا تضمن الوصول إليها بالكامل. فالواقع الميداني أكثر تعقيداً من أي نموذج حسابي. لذلك يظل التحقق عملية مستمرة، تتطلب الجمع بين الحس الصحفي والمهارة التقنية والوعي الأخلاقي.

في نهاية المطاف، يكشف صعود المحتوى الذي ينتجه المستخدمون عن تحول عميق في بنية المعرفة الإعلامية. لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للأخبار، بل أصبح مشاركاً في صناعتها. وبينما تتطور أدوات التحقق عبر الكود، تتشكل ملامح صحافة جديدة تقوم على التعاون بين الجمهور والخوارزميات. إنها صحافة تحاول أن تنتزع الحقيقة من قلب الفوضى الرقمية، مثل غواص يبحث عن لؤلؤة في بحر مضطرب.


0 التعليقات: