الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أبريل 23، 2026

كتب جديدة في المهجر تكشف تحولات عميقة في معنى الكتابة العربية المعاصرة: إعداد عبده حقي

 


يبدوالأدب العربي في المهجر كأنه يكتب نفسه من جديد، لا بوصفه امتداداً باهتاً لذاكرة بعيدة، بل كجغرافيا لغوية نابضة تتشكل خارج حدود الوطن، وتعيد تعريف معنى الانتماء في زمن تتقاطع فيه الهويات مثل خطوط الطيران الطويلة التي لا تهبط إلا لتواصل الرحلة. لم يعد السؤال الذي يحكم هذا الأدب هو: من أين نكتب؟ بل: بأي ذاكرة نكتب، ولأي قارئ نعيد اختراع الحكاية؟

في إحدى زوايا كندا، وتحديداً في فعاليات المعرض العربي للكتاب، ظهرت كتب جديدة إلى الوجود كما لو أنها خرجت من رحم المنفى ذاته. هناك، قُدّمت رواية "من فوق سبع سماوات" للكاتب أشرف الزغل، إلى جانب كتاب "معلق، المسافة بين اسمين" لعبد الله الخطيب، وكأن العنوانين معاً يشكلان بياناً أدبياً غير معلن: السماء كرمز للاتساع، والمسافة كقدر وجودي للكاتب المهاجر.

هذا الحدث، وإن بدا عادياً في تقويم المعارض، إلا أنه يكشف عن تحول عميق: لم تعد العواصم العربية وحدها مراكز ولادة النص، بل صار المهجر نفسه مطبعة رمزية، يكتب فيها العرب سيرهم بلغة مزدوجة، لغة الأم ولغة العالم.

وفي سياق متصل، تكشف قوائم الإصدارات العالمية عن حضور لافت لكتاب من أصول عربية يكتبون بلغات أجنبية، دون أن يتخلوا عن جذورهم السردية. من بين هذه الأعمال كتاب “Turbulence” للكاتبة حفصة لودي، وهو نص يعكس اضطراب الهوية في فضاء متعدد الثقافات، حيث لا يكون المنفى مكاناً فقط، بل حالة ذهنية مستمرة.

هذا النوع من الكتابة يطرح مفارقة عميقة: هل ما يزال الأدب عربياً إذا كُتب بلغة أخرى؟ أم أن العروبة هنا تتحول إلى حساسية سردية لا إلى لغة؟ سؤال لا يجيب عنه النقد بسهولة، لكنه يتجلى بوضوح في هذه الإصدارات الجديدة التي تعبر الحدود دون أن تستأذن.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن فهم دينامية الأدب المهجري دون التوقف عند حركة الترجمة، التي أصبحت بمثابة جسر خفي بين النص العربي وقارئه العالمي. تشير تحليلات حديثة إلى تزايد ترجمة الأعمال التي تتناول تجارب الهجرة، خاصة تلك التي يكتبها الجيل الثاني من المهاجرين، حيث تتداخل الذاكرة الموروثة مع الواقع الغربي اليومي.

الترجمة هنا لا تنقل النص فقط، بل تعيد خلقه، وتمنحه حياة أخرى في سياق ثقافي مختلف، وكأن الرواية الواحدة تعيش أكثر من عمر وأكثر من هوية.

ولا يمكن إغفال دور الجوائز الأدبية في تسليط الضوء على هذه التحولات. فالقائمة القصيرة لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية” لعام 2026 تعكس تنوعاً جغرافياً وثقافياً، حيث تضم أعمالاً لكتاب يعيش بعضهم خارج بلدانهم الأصلية، ما يؤكد أن الأدب العربي لم يعد محكوماً بالجغرافيا، بل بالتجربة الإنسانية ذاتها.

كما أورد تقرير ثقافي أن القائمة تضم روايات من الجزائر والعراق ولبنان ومصر، في مشهد يعكس تعددية الصوت العربي المعاصر.

وفي خلفية هذا المشهد، تظهر أيضاً كتب تحليلية توثق لتجربة الهجرة وتغذي الخيال الروائي بمواد واقعية، مثل كتاب "أوروبا وتحولات الهجرة" للصحفي أسامة نصحي، الذي يقرأ الهجرة ليس كحدث عابر، بل كتحول بنيوي يعيد تشكيل المجتمعات.

هنا يتقاطع الأدب مع السوسيولوجيا، وتتحول الرواية إلى وثيقة، والوثيقة إلى سرد، في تداخل يكاد يذيب الحدود بين الخيال والواقع.

أما على مستوى الرصد العام، فتؤكد قواعد بيانات القراءة العربية أن سنة 2026 تعرف زخماً في الإصدارات، بما في ذلك أعمال مرتبطة بثيمة الهجرة والهوية، ما يعكس اتساع هذا التيار الأدبي.

غير أن ما يميز هذه اللحظة ليس الكم، بل التحول النوعي. لقد خرج الأدب العربي في المهجر من عباءة الحنين، ودخل منطقة أكثر تعقيداً، حيث يصبح المنفى مادة للتفكير لا مجرد موضوع للبكاء، وتتحول الهوية إلى سؤال مفتوح لا إلى إجابة جاهزة.

إن الكاتب العربي في المهجر اليوم لا يكتب من هامش العالم، بل من مركزه المتعدد، حيث تتقاطع اللغات والثقافات والذكريات. يكتب كما لو أنه يعيد رسم خريطة غير مرئية، خريطة لا تُحدَّد بالحدود السياسية، بل بتجارب البشر في عبورهم الدائم.

هكذا، خلال أسبوع واحد فقط، تتكثف إشارات كثيرة: كتب تُطلق في كندا، نصوص تُكتب بالإنجليزية بروح عربية، ترجمات تعبر المحيطات، وجوائز تعيد ترتيب المشهد. كل ذلك يؤكد أن الأدب العربي في المهجر لم يعد مجرد ظاهرة، بل أصبح أحد أكثر أشكال التعبير العربي حيوية وقدرة على التجدد.

إنه أدب يكتب ذاته وهو في الطريق، لا يصل أبداً… لكنه لا يتوقف عن الحكي.


0 التعليقات: