الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 27، 2026

الثقافة العالمية بين جمالية الاحتجاج وقلق المؤسسات في زمن التحولات الكبرى

 


في عالمٍ يتسارع فيه إيقاع السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، لم تعد الثقافة والفنون مجرد فضاء للزينة الرمزية أو الترف الجمالي، بل تحولت إلى مرآة عميقة تعكس توترات العصر، وإلى أداة ناعمة تُعيد تشكيل المعنى في قلب الصراعات العالمية. خلال الأسبوع الماضي، كشفت أبرز الأحداث الثقافية الدولية عن هذا التحول العميق، حيث تداخل الجمالي مع السياسي، والمؤسساتي مع الإبداعي، في مشهد يبدو وكأنه يعيد تعريف دور الثقافة نفسها في القرن الحادي والعشرين.

في بينالي البندقية، أحد أهم التظاهرات الفنية العالمية، لم يكن افتتاح معرض “The Only True Protest Is Beauty” مجرد حدث فني عابر، بل بدا وكأنه بيان فلسفي يعلن أن الجمال ذاته أصبح شكلاً من أشكال المقاومة. في هذا المعرض الذي أشرف عليه دريس فان نوتن، تتجاور الأزياء مع الأعمال الفنية في حوار صامت، يطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن للجمال أن يكون بديلاً عن الخطاب السياسي المباشر؟ أم أنه مجرد قناع أنيق يخفي خلفه عجز الإنسان المعاصر عن المواجهة الصريحة؟
غير أن هذا البعد الجمالي لم يمر دون أن يتقاطع مع السياسة، إذ أثارت عودة الجناح الروسي إلى البينالي جدلاً واسعاً، حيث رأى بعض النقاد أن الفن لم يعد بريئاً، بل أصبح امتداداً لما يسمى بـ“القوة الناعمة”، تُستعمل فيه اللوحة والمنحوتة كما تُستعمل اللغة الدبلوماسية، في إعادة صياغة الصورة الدولية للدول المتصارعة.

وإذا كانت البندقية قد قدمت هذا المشهد المركب، فإن مدينة ميلانو بدورها احتضنت نقاشاً لا يقل عمقاً، من خلال “النادي الأدبي” الذي نظمته علامة Miu Miu. هناك، لم يعد الأدب مجرد سرد للحكايات، بل تحول إلى مختبر فكري يناقش “سياسات الرغبة”، في زمن باتت فيه الرغبات نفسها خاضعة لإعادة التشكيل عبر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. لقد بدا واضحاً أن الأدب المعاصر لم يعد يطرح سؤال “من نحن؟” بقدر ما يسأل: “من يعيد تشكيلنا؟”
هذا التحول في وظيفة الأدب يكشف عن قلق وجودي عميق، حيث يشعر الإنسان بأن ذاته لم تعد ملكاً خالصاً له، بل أصبحت قابلة لإعادة البرمجة ضمن أنظمة رقمية تتجاوز إرادته.

وفي سياق آخر، برزت المؤسسات الثقافية الكبرى بوصفها مسرحاً لصراعات من نوع مختلف. فقد تلقت المعرض الوطني للفنون بواشنطن دعماً مالياً ضخماً يهدف إلى “دمقرطة الفن”، أي نقله من النخب إلى الجمهور الواسع. غير أن هذا الطموح، رغم نبله الظاهري، يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الفن والجمهور: هل يكفي نقل الأعمال الفنية إلى الفضاء العام لجعلها مفهومة ومؤثرة؟ أم أن المشكلة أعمق، وتتعلق ببنية التلقي الثقافي نفسها؟
في المقابل، تعيش مؤسسة تيت البريطانية حالة من القلق المؤسسي، حيث تواجه تحديات مالية وإدارية تعكس أزمة أوسع في تمويل الثقافة داخل أوروبا. هنا، يتجلى التناقض الصارخ: في الوقت الذي تُضخ فيه ملايين الدولارات لدعم الفن في بعض الدول، تعاني مؤسسات عريقة من خطر التراجع أو فقدان هويتها.

أما في لندن، فقد جاء افتتاح متحف V&A East كمحاولة لإعادة ربط الثقافة بالمجتمع المحلي، عبر خلق فضاء مفتوح يشارك فيه الشباب في إنتاج المعنى الثقافي. غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، يطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن فعلاً إعادة دمج الثقافة في النسيج الاجتماعي، أم أن الهوة بين النخبة والجمهور أصبحت أعمق من أن تُردم بسهولة؟

وفي زاوية أخرى من العالم، تعكس المهرجانات الفنية مثل “Afrekete Festival” روحاً مختلفة، حيث تعود الثقافة إلى جذورها الاحتفالية، في الموسيقى والرقص والتعبير الجماعي. هنا، يبدو الفن أكثر قرباً من الحياة اليومية، وأكثر قدرة على خلق لحظات من الفرح المشترك، بعيداً عن تعقيدات المؤسسات والنظريات. ومع ذلك، فإن هذه المهرجانات نفسها لا تنفصل عن السياق العالمي، إذ تحمل في طياتها أسئلة الهوية والانتماء، خاصة في عالم يشهد تزايداً في الهجرات والتداخل الثقافي.

وفي الهند، قدمت المعارض الطلابية مثالاً آخر على هذا التحول، حيث عبّر الفنانون الشباب عن قضايا مثل الذاكرة والهجرة والهوية، في أعمال تحمل طابعاً نقدياً واضحاً. هذا الجيل الجديد لا يرى الفن كترف، بل كأداة للتعبير عن القلق الاجتماعي والسياسي، مما يعكس تحولاً عميقاً في وظيفة الإبداع ذاته.

إن القاسم المشترك بين كل هذه الأحداث هو أن الثقافة لم تعد محايدة. لقد أصبحت جزءاً من معادلة معقدة، تتداخل فيها السلطة مع الإبداع، والاقتصاد مع الجمال، والسياسة مع الخيال. لم يعد الفنان مجرد مبدع، بل أصبح شاهداً ومشاركاً في آن واحد، يكتب بلغة الرموز ما تعجز السياسة عن قوله بلغة مباشرة.

في هذا السياق، يمكن القول إننا نعيش لحظة تاريخية تُعاد فيها صياغة مفهوم الثقافة نفسها. لم تعد الثقافة مجرد إنتاج رمزي، بل أصبحت مجالاً للصراع والتفاوض وإعادة التشكيل. إنها لم تعد تعكس الواقع فقط، بل تساهم في صنعه، وفي توجيه مساراته المستقبلية.

وهكذا، بين البندقية وميلانو ولندن وواشنطن، تتشكل خريطة ثقافية جديدة، لا تقوم على الحدود الجغرافية، بل على خطوط التوتر بين الجمال والسلطة، بين الإبداع والمؤسسة، وبين الفرد والجماعة. إنها خريطة مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث يمكن للجمال أن يكون احتجاجاً، وللفن أن يكون سلاحاً، وللثقافة أن تكون آخر ملاذ للمعنى في عالم يزداد اضطراباً.

في النهاية، لا يبدو أن الثقافة في طريقها إلى الاستقرار، بل إلى مزيد من التحول. وربما في هذا القلق نفسه تكمن قوتها، لأنها تظل المجال الوحيد الذي يستطيع أن يعيد طرح الأسئلة الكبرى، حتى في أكثر الأزمنة ارتباكاً.


0 التعليقات: