الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 28، 2026

ملامسة الحواس وإعادة تشكيل التجربة الإنسانية في الأدب الرقمي: عبده حقي

 


في الأفق الثقافي المعاصر، لم يعد الأدب مجرد نص يُقرأ، بل أصبح تجربة تُعاش، تتقاطع فيها اللغة مع التقنية، ويتداخل فيها الحسّي مع الرقمي، في لحظة تبدو فيها الحدود بين الإنسان والآلة أكثر هشاشة من أي وقت مضى. ضمن هذا التحول، يبرز مفهومان متوازيان يعكسان عمق هذا التغير: السرد الخوارزمي، والرواية اللمسية، وكلاهما يعيد طرح سؤال جوهري حول ماهية الحكاية، ومصدرها، ووجهتها في زمن البيانات الضخمة.

لقد أصبح ما يُعرف بـ “السرد الخوارزمي” مجالاً بحثياً متنامياً، حيث تعتمد الأنظمة الذكية على تحليل كميات هائلة من البيانات النصية، من الروايات الكلاسيكية إلى السيناريوهات الحديثة، لتوليد بنى سردية جديدة، وشخصيات متخيلة، بل وحتى عوالم كاملة تتشكل وفق أنماط إحصائية مستخرجة من هذه البيانات. هذا التحول لا يمكن فصله عن التطورات التي شهدها الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تناولتها أعمال مثل كتاب “Superintelligence” لنيك بوستروم، حيث يشير إلى إمكانية تجاوز الآلة للقدرات البشرية في مجالات الإبداع، إذا ما توفرت لها البيانات الكافية والخوارزميات المناسبة.

غير أن هذا السرد الجديد لا يُكتب بالحبر، بل يُنسج بالخوارزميات، وكأن النص لم يعد وليد تجربة ذاتية خالصة، بل نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والنظام الرقمي. هنا، يتحول الكاتب إلى مُنسّق للمعنى، أو موجّه للآلة، بينما تتكفل الخوارزمية بملء الفراغات، واقتراح المسارات، وربما اتخاذ قرارات سردية لم تكن لتخطر على بال الكاتب نفسه. وفي هذا السياق، يمكن استحضار أفكار هنري جنكنز في “Convergence Culture”، حيث يؤكد أن الإنتاج الثقافي في العصر الرقمي لم يعد فردياً، بل جماعياً وتفاعلياً، وهو ما ينطبق بشكل واضح على السرد الخوارزمي.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يمر دون إثارة تساؤلات فلسفية عميقة. فإذا كانت الخوارزمية قادرة على توليد قصة، فمن هو المؤلف الحقيقي؟ وهل يمكن اعتبار النص الناتج عملاً أدبياً بالمعنى التقليدي؟ أم أنه مجرد محاكاة إحصائية لما كُتب من قبل؟ إن هذه الأسئلة تعيدنا إلى أطروحات رولان بارت حول “موت المؤلف”، حيث يصبح النص مفتوحاً على تأويلات متعددة، غير أن الجديد هنا هو أن المؤلف نفسه قد يكون غير بشري.

في موازاة هذا التحول السردي، تظهر “الرواية اللمسية” بوصفها امتداداً حسياً للأدب الرقمي، حيث لا يقتصر التفاعل مع النص على البصر أو السمع، بل يمتد إلى حاسة اللمس، عبر تقنيات “Haptic Technology” التي تتيح للقارئ الشعور بالاهتزازات أو الضغط أو الحرارة، بما يتناسب مع أحداث القصة. تخيل قارئاً يمرر يده على شاشة جهازه، فيشعر بنبضات قلب شخصية خائفة، أو ببرودة جدار في مشهد مظلم، أو حتى بارتجاف الأرض في لحظة انهيار. هنا، لا يعود النص مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل يصبح وسيطاً لنقل الإحساس.

وقد تناولت دراسات حديثة في مجال الإعلام الرقمي، مثل أبحاث كاثرين هايلز في “How We Became Posthuman”، هذا التحول من الإنسان القارئ إلى الإنسان المتفاعل، حيث يصبح الجسد جزءاً من عملية التلقي، وليس مجرد وسيط سلبي. إن الرواية اللمسية تعيد الاعتبار للجسد في زمن هيمنت فيه الشاشة، وتمنح الأدب بعداً جديداً يتجاوز اللغة إلى التجربة الحسية المباشرة.

غير أن هذا التداخل بين السرد الخوارزمي والتجربة اللمسية يطرح تحديات جمالية وأخلاقية. فمن جهة، قد يؤدي الاعتماد المفرط على الخوارزميات إلى إنتاج نصوص نمطية، تفتقر إلى العمق الإنساني، رغم دقتها التقنية. ومن جهة أخرى، قد تتحول التجربة اللمسية إلى نوع من الإبهار الحسي، الذي يطغى على المحتوى، ويجعل القارئ أسير التأثيرات بدلاً من التأمل.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار الإمكانات الهائلة التي يفتحها هذا التلاقي بين الأدب والتكنولوجيا. فالسرد الخوارزمي يتيح إنتاج نصوص مخصصة لكل قارئ، تتكيف مع اهتماماته وخبراته، بينما تتيح الرواية اللمسية تعميق هذا التفاعل، وجعل القراءة تجربة متعددة الحواس. وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأدب يدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها النص كائناً حياً، يتغير ويتطور مع كل قراءة.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور في أدوات الكتابة، بل تحول في مفهوم الأدب ذاته، من كونه منتجاً نهائياً إلى كونه عملية مستمرة، ومن كونه خطاباً أحادياً إلى كونه حواراً مفتوحاً بين الإنسان والآلة. وكما قال زيغمونت باومان في “Liquid Modernity”، فإن الحداثة لم تعد صلبة، بل سائلة، وهو ما ينطبق على الأدب في عصره الرقمي، حيث تتلاشى الحدود، وتتشكل المعاني في حركة دائمة.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيظل الأدب مساحة للتعبير الإنساني، أم أنه سيتحول إلى منتج خوارزمي يُصمم حسب الطلب؟ ربما تكمن الإجابة في قدرة الإنسان على التكيف، وعلى إعادة تعريف ذاته داخل هذا العالم الجديد، حيث لا يكون الصراع بين الإنسان والآلة، بل بين الجمود والتجدد، بين التكرار والإبداع.

وهكذا، لا يعود الأدب مجرد نص يُكتب، بل تجربة تُصاغ، تُلمس، وتُعاش، في زمن أصبحت فيه الحكاية أكثر تعقيداً، وأكثر إثارة، وأكثر قرباً من الإنسان، حتى وإن كُتبت بيدٍ غير بشرية.


0 التعليقات: