الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مايو 28، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رواية ( البحث عن الزمن المفقود) لجيمس جويس


البَحْثُ عَنِ الزَّمَنِ الْمَفْقُودِ»… الرِّوَايَةُ الَّتِي جَعَلَتِ الذَّاكِرَةَ بَطَلَةَ الْأَدَبِ

تُعَدُّ رِوَايَةُ «الْبَحْثُ عَنِ الزَّمَنِ الْمَفْقُودِ» لِلْكَاتِبِ الْفَرَنْسِيِّ مَارْسِيلِ بْرُوسْتَ وَاحِدَةً مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لَيْسَ فَقَطْ بِسَبَبِ حَجْمِهَا الضَّخْمِ الَّذِي يَمْتَدُّ عَبْرَ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ، بَلْ لِأَنَّهَا أَعَادَتْ تَعْرِيفَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا، وَحَوَّلَتِ الذَّاكِرَةَ وَالزَّمَنَ وَالْمَشَاعِرَ الْإِنْسَانِيَّةَ إِلَى مَادَّةٍ سَرْدِيَّةٍ نَابِضَةٍ بِالْحَيَاةِ وَالتَّأَمُّلِ.

وُلِدَ مَارْسِيلُ بْرُوسْتَ سَنَةَ 1871 فِي فَرَنْسَا، وَعَاشَ حَيَاةً اتَّسَمَتْ بِالْعُزْلَةِ وَالْمَرَضِ وَالتَّأَمُّلِ الْعَمِيقِ. وَقَدِ انْعَكَسَتْ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ الشَّخْصِيَّةُ عَلَى أَعْمَالِهِ الْأَدَبِيَّةِ، خَاصَّةً هَذِهِ الرِّوَايَةَ الَّتِي اسْتَغْرَقَ فِي كِتَابَتِهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، حَتَّى أَصْبَحَتْ مَشْرُوعَ حَيَاتِهِ الْكَامِلَ. صَدَرَتِ الْأَجْزَاءُ الْأُولَى مِنْهَا بِدَايَةَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، بَيْنَمَا نُشِرَ بَعْضُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ سَنَةَ 1922.

تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ مِنْ لَحْظَةٍ تَبْدُو عَادِيَّةً جِدًّا: الرَّاوِي يَتَذَوَّقُ قِطْعَةَ حَلْوَى صَغِيرَةً مَغْمُوسَةً فِي الشَّايِ، فَتَتَفَجَّرُ دَاخِلَهُ ذِكْرَيَاتُ الطُّفُولَةِ الْقَدِيمَةُ. مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْبَسِيطَةِ يَنْفَتِحُ عَالَمٌ كَامِلٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ وَالْعَلَاقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْمَشَاعِرِ. يَتَحَوَّلُ الزَّمَنُ إِلَى بَطَلٍ خَفِيٍّ، وَتُصْبِحُ الذَّاكِرَةُ وَسِيلَةً لِاسْتِعَادَةِ الْحَيَاةِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الدَّقِيقَةِ.

لَا تَعْتَمِدُ الرِّوَايَةُ عَلَى الْأَحْدَاثِ الصَّاخِبَةِ أَوِ الْحُبَكَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ، بَلْ تَقُومُ عَلَى التَّدَفُّقِ الدَّاخِلِيِّ لِلْأَفْكَارِ وَالِانْفِعَالَاتِ. يُرَافِقُ الْقَارِئُ الرَّاوِيَ فِي رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ الْفَرَنْسِيِّ، بَيْنَ الْأَرِسْتُقْرَاطِيِّينَ وَالْفَنَّانِينَ وَالْعُشَّاقِ وَالْكُتَّابِ، فِي زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ أُورُوبَّا تَعِيشُ تَحَوُّلَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً وَفِكْرِيَّةً كُبْرَى قَبْلَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الْأُولَى وَبَعْدَهَا.

الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلرِّوَايَةِ تَرْتَبِطُ بِمَرْحَلَةٍ دَقِيقَةٍ مِنْ تَارِيخِ فَرَنْسَا وَأُورُوبَّا، حَيْثُ كَانَتِ الطَّبَقَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ الْقَدِيمَةُ تَتَصَدَّعُ، بَيْنَمَا كَانَتِ الْحَدَاثَةُ الْفِكْرِيَّةُ وَالْفَنِّيَّةُ تَفْرِضُ نَفْسَهَا بِقُوَّةٍ. وَقَدْ تَأَثَّرَ بْرُوسْتُ بِالْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ وَالْفُنُونِ التَّشْكِيلِيَّةِ وَالْمُوسِيقَى، فَظَهَرَتْ رِوَايَتُهُ وَكَأَنَّهَا لَوْحَةٌ أَدَبِيَّةٌ ضَخْمَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ وَالدِّقَّةِ النَّفْسِيَّةِ وَالشَّاعِرِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ.

اعْتُبِرَتْ «الْبَحْثُ عَنِ الزَّمَنِ الْمَفْقُودِ» رِوَايَةً خَالِدَةً لِأَنَّهَا اسْتَطَاعَتِ النُّفُوذَ إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ. لَقَدْ كَشَفَ بْرُوسْتُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ دَاخِلَ شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ وَالرَّغَبَاتِ وَالْهَوَاجِسِ، وَأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَخْتَفِي تَمَامًا، بَلْ يَظَلُّ مُخْتَبِئًا دَاخِلَ الرَّوَائِحِ وَالْأَصْوَاتِ وَالتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ. كَمَا أَنَّ أُسْلُوبَهُ الطَّوِيلَ وَالْمُتَدَفِّقَ مَنَحَ اللُّغَةَ الْأَدَبِيَّةَ طَاقَةً جَدِيدَةً، وَأَثَّرَ فِي أَجْيَالٍ كَامِلَةٍ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ عَبْرَ الْعَالَمِ.

امْتَدَّ تَأْثِيرُ الرِّوَايَةِ إِلَى الْأَدَبِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالسِّينَمَا. فَقَدْ أَلْهَمَتْ كِبَارَ الْكُتَّابِ وَالْمُفَكِّرِينَ، وَأَسْهَمَتْ فِي تَطْوِيرِ الرِّوَايَةِ النَّفْسِيَّةِ الْحَدِيثَةِ وَتِقْنِيَّاتِ تَيَّارِ الْوَعْيِ. كَمَا حَاوَلَ عَدَدٌ مِنَ الْمُخْرِجِينَ تَحْوِيلَ بَعْضِ أَجْزَائِهَا إِلَى أَعْمَالٍ سِينَمَائِيَّةٍ، رَغْمَ صُعُوبَةِ نَقْلِ عَالَمِهَا الدَّاخِلِيِّ إِلَى الشَّاشَةِ. وَتَأَثَّرَ بِهَا أَيْضًا فَلَاسِفَةٌ اهْتَمُّوا بِمَفْهُومِ الزَّمَنِ وَالذَّاكِرَةِ وَالْهُوِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ بْرُوسْتَ:

«الرِّحْلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلِاكْتِشَافِ لَا تَكْمُنُ فِي الْبَحْثِ عَنْ أَرَاضٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ فِي امْتِلَاكِ عُيُونٍ جَدِيدَةٍ

هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَخْتَصِرُ جَوْهَرَ الرِّوَايَةِ كُلَّهَا، لِأَنَّهَا تَدْعُو الْإِنْسَانَ إِلَى إِعَادَةِ اكْتِشَافِ الْعَالَمِ مِنْ خِلَالِ حَسَّاسِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَنَظْرَةٍ أَعْمَقَ لِلْحَيَاةِ.

وَبِوَصْفِي كَاتِبًا، أَرَى أَنَّ «الْبَحْثُ عَنِ الزَّمَنِ الْمَفْقُودِ» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ تُقْرَأُ، بَلْ تَجْرِبَةٌ رُوحِيَّةٌ وَفِكْرِيَّةٌ طَوِيلَةٌ. إِنَّهَا عَمَلٌ يَجْعَلُ الْقَارِئَ يُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي مَعْنَى الزَّمَنِ وَفِي عَلَاقَتِهِ بِذِكْرَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. قَدْ تَبْدُو الرِّوَايَةُ صَعْبَةً فِي بَدَايَتِهَا بِسَبَبِ أُسْلُوبِهَا التَّأَمُّلِيِّ الطَّوِيلِ، لَكِنَّهَا تَمْنَحُ قَارِئَهَا مُتْعَةً نَادِرَةً لَا تُشْبِهُ أَيَّ تَجْرِبَةٍ أَدَبِيَّةٍ أُخْرَى.

فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ مِنْ هَذَا الْبُودْكَاسْتِ الْأَدَبِيِّ، سَنُسَافِرُ إِلَى عَالَمِ رِوَايَةٍ أُخْرَى غَيَّرَتْ تَارِيخَ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ سَنَكْتَشِفُ أَسْرَارَ الْكِتَابِ الَّذِي جَعَلَ الْعُزْلَةَ وَالْخَيَالَ وَالْوَاقِعَ يَمْتَزِجُونَ د

َاخِلَ مُتَاهَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُدْهِشَةٍ

مع تحيات الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: