الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مايو 29، 2026

الكتب العربية الجديدة تفتح نوافذ أخرى على الذاكرة والعالم: عبده حقي


بدا الأسبوع الثقافي العربي الأخير وكأنه مساحة واسعة تتقاطع فيها الرواية مع التاريخ، ويتجاور فيها النقد مع الفلسفة، بينما تواصل دور النشر العربية الكبرى اقتراح عناوين جديدة تحاول فهم الإنسان العربي وهو يعبر مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخه المعاصر. ولم تكن الإصدارات الجديدة مجرد أخبار عابرة في الصفحات الثقافية، بل بدت وكأنها إشارات متفرقة إلى الأسئلة الكبرى التي تشغل الكتاب والمفكرين والقراء في آن واحد: سؤال الهوية، وسؤال الذاكرة، وسؤال المصير في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

في موقع «القدس العربي»، الذي ما يزال يحتفظ بمكانته كواحد من أبرز المنابر العربية المتابعة لحركة النشر، برزت مجموعة من العناوين الجديدة التي توزعت بين الرواية والنقد والشعر والسياسة. ومن بين هذه الإصدارات رواية «البوابة صفر» للكاتبة السعودية فاطمة عبد الله الدوسري، وهي عمل سردي ينفتح على عوالم الاحتمال والتخييل، ويعيد مساءلة العلاقة بين الإنسان وحدوده النفسية والوجودية. كما استوقف القراء كتاب جديد يتناول التجربة الروائية للكاتب العراقي فاتح عبد السلام، محاولاً تفكيك بنيتها الفنية والكشف عن خصوصية مشروعها السردي في سياق الرواية العربية الحديثة.

وفي الحقل النقدي، ظهر كتاب «سرديات أنثروبولوجيا الرواية» للناقد المغربي أحمد بن شريف، وهو عمل يجمع بين السرديات الحديثة والدراسات الأنثروبولوجية في محاولة لفهم النص الروائي باعتباره وثيقة ثقافية واجتماعية بقدر ما هو عمل جمالي. ويعكس هذا التوجه اتساع اهتمام النقد العربي بالمناهج العابرة للتخصصات، حيث لم يعد النص الأدبي يُقرأ بمعزل عن بيئته الثقافية والرمزية.

كما لفت الانتباه صدور المجموعة القصصية «ساق تُحدّق» للكاتب العراقي جمال العتابي، وهي مجموعة تنبش في التفاصيل اليومية الصغيرة وتمنحها بعداً إنسانياً عميقاً. ففي هذه القصص لا يظهر العراق بوصفه عنواناً سياسياً فحسب، بل باعتباره حياة يومية مليئة بالهشاشة والحنين والانتظار.

ومن الكتب التي أثارت اهتمام المتابعين أيضاً كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب اللبناني منير الربيع، وهو عمل سياسي يحاول قراءة التحولات السورية الأخيرة من خلال شهادات ومتابعات ميدانية ورؤية تحليلية ترصد تفكك السلطة وتحولات المجتمع السوري خلال السنوات الماضية.

أما موقع «الضفة الثالثة»، فقد واصل اهتمامه بالإصدارات الفكرية والنقدية والترجمات النوعية. ومن بين الكتب التي حظيت بتغطية واسعة كتاب «نقد التسامح المحض»، وهو عمل فكري يضم نصوصاً لعدد من المفكرين الغربيين الذين يعيدون مساءلة مفهوم التسامح حين يتحول من قيمة إنسانية إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية والثقافية. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يضع القارئ العربي أمام نقاشات فلسفية معاصرة ترتبط بقضايا الحرية والسلطة والاختلاف.

كما عرض الموقع كتاب «الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره» للباحثة غزة عبد الرزاق، وهو من الكتب العربية النادرة التي تحاول تقديم صورة شاملة عن تطور الذكاء الاصطناعي ومفاهيمه الأساسية وتطبيقاته المستقبلية. ويعكس هذا الاهتمام المتزايد حضور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل المشهد الثقافي العربي بعد أن أصبحا جزءاً من النقاش الفكري العالمي.

وفي «ميدل إيست أونلاين» برز كتاب الباحث المغربي إبراهيم البوعبدلاوي «فن العمارة في المغرب: دراسة سيميائية ـ تاريخية»، وهو عمل يتجاوز القراءة التقليدية للمعمار المغربي ليقدمه باعتباره لغة بصرية كاملة تحمل دلالات ثقافية وتاريخية عميقة. فالمدينة المغربية في هذا الكتاب لا تُقرأ من خلال الحجر والزخرفة فقط، بل من خلال الرموز والذاكرة الجماعية والتحولات الحضارية التي مرت بها عبر القرون.

أما على مستوى دور النشر العربية، فقد واصلت «دار الآداب» اللبنانية تقديم مجموعة من العناوين الجديدة التي تجمع بين الرواية العربية والأدب العالمي. ومن أبرز هذه الإصدارات رواية «بائع التذاكر» للأسير الفلسطيني وليد دقة، والتي تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى ظروف كتابتها وما تحمله من أبعاد إنسانية وسياسية. كما أصدرت الدار رواية «ليلة اختفاء صاحب المعالي» للروائي المغربي عبد الإله بن عرفة، الذي يواصل مشروعه الروائي القائم على استعادة التاريخ وإعادة بنائه داخل فضاءات تخييلية غنية بالرموز والدلالات.

وشهدت الدار أيضاً صدور رواية «أهل الماء والنار» لطارق العريس، وكتاب «مشقة العادي» لساري موسى، إلى جانب الترجمة العربية لرواية «الريح تعرف اسمي» للكاتبة التشيلية العالمية إيزابيل ألليندي. كما برزت عناوين أخرى مثل «خلوة النقص» لعالية ممدوح، و«غزة الناجية الوحيدة» لغادة الخوري، و«حائكات الأزل» لبسمة الخطيب، وهي أعمال تؤكد استمرار الحضور النسائي القوي داخل المشهد الروائي العربي المعاصر.

وفي المقابل، واصلت «دار الساقي» البيروتية إصدار أعمال فكرية وأدبية تعكس خطها الثقافي المعروف بالانفتاح على الأسئلة السياسية والفلسفية المعاصرة. ومن بين الكتب الحديثة التي تروج لها الدار كتاب «قرن من الاشتراكية» لحازم صاغية، وكتاب «الإقطاع التكنولوجي» للاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس، وهو من الكتب التي تناقش التحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية في بنية الاقتصاد العالمي. كما تواصل الدار نشر أعمال مرتبطة بالتاريخ والسياسة والفكر العربي المعاصر، محافظة على حضورها كواحدة من أهم دور النشر الفكرية في العالم العربي.

وفي المغرب، ما تزال «دار طوبقال» تحافظ على مشروعها الثقافي القائم على الترجمة ونشر الفكر الفلسفي والإنساني، رغم أن الإصدارات التي برزت خلال الأسبوع الأخير لم تكن كثيرة مقارنة بدور النشر الأخرى. ومع ذلك يظل حضور الدار مهماً بالنظر إلى دورها التاريخي في تعريف القارئ العربي بأعمال فلسفية وفكرية كبرى ساهمت في تشكيل الوعي الثقافي الحديث.

أما «دار التوحيدي»، فقد واصلت نشر الكتب التي تجمع بين الفكر والسيرة والتأمل الحضاري، ومن بين العناوين التي أثارت الانتباه كتاب «مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس: مذكرات وشهادات» لجمال أغماني، وهو عمل يجمع بين التجربة الشخصية والرؤية السياسية في قراءة للتحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

إن المتأمل في هذه الحصيلة الأسبوعية يلاحظ أن الثقافة العربية ما تزال تبحث عن ذاتها عبر مسارات متعددة. فالرواية تعود إلى الذاكرة والجراح الجماعية، والنقد ينفتح على العلوم الإنسانية الحديثة، والفكر يواجه أسئلة التكنولوجيا والسياسة والهوية، بينما تواصل الترجمة فتح النوافذ أمام التجارب العالمية المختلفة.

وربما أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الإصدارات الجديدة أنها تكشف عن رغبة واضحة في تجاوز القراءة السطحية للعالم. فمعظم هذه الكتب لا تكتفي بوصف الواقع، بل تحاول تفسيره وتأويله ومساءلته. ولهذا تبدو حركة النشر العربية، رغم أزماتها الاقتصادية وتراجع معدلات القراءة، وكأنها ترفض الاستسلام، وتواصل إنتاج أسئلة جديدة في زمن يزداد فيه الضجيج ويقل فيه التأمل.

وأنا أتابع هذه العناوين الجديدة، أشعر دائماً أن الكتب تشبه رسائل طويلة يبعثها الكتّاب من عزلتهم إلى العالم. بعضها يصل سريعاً، وبعضها يحتاج سنوات كي يُكتشف، لكن جميعها يترك أثراً ما في الذاكرة. وربما لهذا السبب يظل الكتاب، رغم هيمنة الشاشات والذكاء الاصطناعي والسرعة الرقمية، واحداً من آخر الأماكن التي ما يزال الإنسان يلتقي فيها بنفسه بهدوء وصدق وعمق.


0 التعليقات: