الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، مايو 21، 2026

قوارب المنفى تعبر بحار الخوف الأوروبية: إعداد عبده حقي

 


اعتمادا على تقارير ومتابعات الهيئات الدولية المعنية بالهجرة بدا واضحاً أن ملف الهجرة عاد ليتصدر واجهة النقاش السياسي والإنساني في أوروبا والعالم العربي وإفريقيا، وسط تصاعد أعداد المهاجرين واللاجئين، وتشدد السياسات الحدودية الأوروبية، واستمرار الحروب والأزمات الاقتصادية والجفاف في دفع آلاف الشباب المغاربة والعرب والأفارقة نحو طرق عبور محفوفة بالموت والمجهول.

وأكدت المنظمة الدولية للهجرة أن منطقة البحر الأبيض المتوسط ما تزال واحدة من أخطر مسارات الهجرة في العالم، بعدما سجلت الأشهر الأخيرة ارتفاعاً في أعداد الضحايا والمفقودين أثناء محاولات العبور نحو السواحل الأوروبية. وأشارت المنظمة إلى أن المهاجرين القادمين من دول الساحل الإفريقي وغرب إفريقيا يواصلون التدفق نحو شمال المغرب وتونس وليبيا، أملاً في الوصول إلى إسبانيا وإيطاليا واليونان.

وفي تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برزت خلال الأيام الماضية تحذيرات جديدة من تفاقم أوضاع اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، حيث أصبحت مصر وتشاد وليبيا وتونس نقاط استقبال رئيسية لموجات النزوح الجديدة. كما أشارت المفوضية إلى تزايد أعداد المهاجرين الأفارقة الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر الأراضي المغربية، خصوصاً بعد تشديد الرقابة في المسارات الليبية التقليدية.

أما بوابة بيانات الهجرة العالمية فقد كشفت في تحديثاتها الأخيرة أن التحولات المناخية أصبحت عاملاً مركزياً في دفع الهجرة داخل إفريقيا. فالجفاف والتصحر ونقص المياه في بعض المناطق الإفريقية باتت تدفع آلاف الأسر إلى مغادرة القرى والأرياف نحو المدن الكبرى أو نحو طرق الهجرة الدولية. وأصبح مصطلح “الهجرة المناخية” يتكرر بكثافة في التقارير الدولية، خاصة في ما يتعلق بدول الساحل الإفريقي.

وفي متابعة نشرتها الأمم المتحدة خلال الأسبوع الماضي، تم التأكيد على أن عدد النازحين قسرياً في العالم تجاوز مستويات غير مسبوقة بسبب الحروب والفقر والتغيرات المناخية، مع تسجيل ارتفاع واضح في أعداد الأطفال والنساء ضمن موجات الهجرة الحديثة. كما حذرت الأمم المتحدة من تحول بعض طرق الهجرة إلى شبكات منظمة للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي والعمل القسري.

ومن جهتها، دقت منظمة لاجئون دوليون ناقوس الخطر بشأن أوضاع المهاجرين واللاجئين العالقين في شمال إفريقيا، خاصة في مراكز الاحتجاز غير الرسمية بليبيا وبعض المناطق الحدودية. وأشارت المنظمة إلى أن العديد من المهاجرين الأفارقة يتعرضون للعنف والابتزاز والتمييز العنصري أثناء محاولاتهم الوصول إلى أوروبا.

وخلال الأسبوع الماضي أيضاً، ركزت تقارير “شبكة الهجرة المختلطة” المعروفة باسم “مركز الهجرة المختلطة” على تنامي ظاهرة الهجرة متعددة المسارات، حيث لم تعد الهجرة مرتبطة فقط بالفقر أو الحرب، بل أصبحت ناتجة عن تداخل معقد بين البطالة والعنف المناخي والاضطرابات السياسية وتراجع فرص التعليم والعمل في عدة دول عربية وإفريقية. وأكدت الشبكة أن الشباب المغاربي، خصوصاً في المغرب وتونس والجزائر، بات أكثر ميلاً إلى التفكير في الهجرة الرقمية والعمل عن بعد كبديل عن الهجرة السرية التقليدية.

كما واصل القسم العربي للمنظمة الدولية للهجرة نشر تقارير توعوية حول مخاطر الهجرة غير النظامية، خاصة بعد تسجيل حوادث غرق جديدة في البحر الأبيض المتوسط خلال الأيام الأخيرة. وركزت المنظمة على ضرورة توفير قنوات قانونية للهجرة والعمل، عوض الاكتفاء بالمقاربات الأمنية.

أما منصة إنفو مهاجرون فقد تابعت أخبار المهاجرين المغاربة والعرب في أوروبا، مشيرة إلى تزايد عمليات الترحيل من بعض الدول الأوروبية بحق مهاجرين غير نظاميين، مقابل ارتفاع الطلب على اليد العاملة الأجنبية في قطاعات الفلاحة والبناء والرعاية الصحية. وأبرزت المنصة أن عدداً متزايداً من الشباب المغاربة يحاولون الوصول إلى جزر الكناري الإسبانية عبر قوارب صغيرة انطلاقاً من السواحل الجنوبية للمغرب وموريتانيا.

وفي بروكسيل، واصلت منظمة منصة التعاون الدولي للمهاجرين غير النظاميين انتقاد السياسات الأوروبية الجديدة المتعلقة بتشديد الحدود وإقامة مراكز احتجاز خارج أوروبا. وأكدت المنظمة أن الحلول الأمنية وحدها لن توقف الهجرة، بل قد تدفع المهاجرين إلى سلوك طرق أكثر خطورة.

ومن جهتها، أعلنت وكالة فرونتكس الأوروبية لحماية الحدود عن تسجيل ارتفاع جديد في محاولات العبور غير النظامي نحو أوروبا خلال النصف الأول من السنة الحالية، خاصة عبر المسار الغربي للبحر المتوسط. وأشارت الوكالة إلى أن المغاربة والسنغاليين والماليين ما يزالون ضمن الجنسيات الأكثر حضوراً في محاولات العبور نحو إسبانيا.

كما نشر “محور الهجرة المختلطة” خلال الأسبوع الماضي تحليلات جديدة حول العلاقة بين شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود، مؤكداً أن العديد من المهاجرين الأفارقة يقعون ضحايا لعصابات تستغل حاجتهم إلى الهجرة، سواء عبر الابتزاز المالي أو الاستغلال الجنسي أو العمل القسري.

أما معهد سياسات الهجرة فقد خصص تحليلات حديثة لأوضاع الجاليات العربية والإفريقية في أوروبا وأمريكا الشمالية، مشيراً إلى أن المهاجرين العرب باتوا يشكلون قوة اقتصادية وثقافية مهمة داخل المجتمعات الغربية، رغم استمرار تصاعد خطابات اليمين المتطرف المعادية للمهاجرين.

وفي أحدث نسخة من التقرير العالمي للهجرة تم التأكيد على أن التحويلات المالية التي يرسلها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية أصبحت تشكل شرياناً اقتصادياً حيوياً لعدد من الدول العربية والإفريقية، ومن بينها المغرب ومصر وتونس والسنغال. كما أشار التقرير إلى أن الهجرة لم تعد مجرد أزمة إنسانية، بل تحولت إلى عنصر بنيوي داخل الاقتصاد العالمي الحديث.

وفي السياق الأوروبي، واصل المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين انتقاد بعض القوانين الأوروبية الجديدة التي تسمح بتسريع إجراءات الترحيل وتقليص فرص طلب اللجوء. واعتبر المجلس أن أوروبا تتجه نحو بناء “حصن حدودي” أكثر صرامة، على حساب المبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان.

وتكشف هذه المتابعات الدولية أن الهجرة لم تعد مجرد حركة انتقال بشرية من الجنوب إلى الشمال، بل أصبحت مرآة تعكس اختلالات العالم المعاصر بأكمله، من الحروب إلى التفاوت الاقتصادي، ومن التغير المناخي إلى صعود الشعبوية والعنصرية. كما يظهر بوضوح أن المهاجر المغربي والعربي والإفريقي لم يعد فقط ضحية للهشاشة، بل تحول أيضاً إلى فاعل اقتصادي وثقافي وإنساني يعيد تشكيل المجتمعات التي يصل إليها.

وفي ظل هذه التحولات الكبرى، تبدو قضية الهجرة مرشحة لمزيد من التعقيد خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار النزاعات المسلحة وتدهور الأوضاع المناخية والاقتصادية في مناطق واسعة من إفريقيا والعالم العربي، وهو ما يجعل البحر الأبيض المتوسط يواصل لعب دوره المأساوي بوصفه أكبر مقبرة مفتوحة للمهاجرين في العصر الحديث.


0 التعليقات: