الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 20، 2026

المغرب يربح معركة التوازن في عالم مرتبك: عبده حقي

 


بدا المغرب وكأنه يرسل إشارات متتالية إلى العالم بأنه لم يعد مجرد بلد يبحث عن موقع داخل التحولات الدولية، بل أصبح فاعلاً يصوغ جزءاً من هذه التحولات بهدوء وثقة. وأنا أتابع ما نشرته عدة مواقع إخبارية شعرت أن المغرب يعيش لحظة خاصة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالثقافة، في مشهد يشبه ورشة كبرى لإعادة تشكيل صورة الدولة الحديثة في شمال إفريقيا.

سياسياً، كان واضحاً أن المغرب يواصل ترسيخ موقعه الإقليمي والدولي بمنطق التوازن الذكي. فالأخبار الواردة من الصحافة الفرنسية والإسبانية والأمريكية خلال الأسبوع الماضي كشفت أن الرباط أصبحت رقماً ثابتاً في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتعاون الإفريقي. لم يعد الحديث عن المغرب مرتبطاً فقط بقضية الصحراء، بل أصبح يشمل دوره في استقرار الساحل الإفريقي، وفي إدارة العلاقات بين إفريقيا وأوروبا، وحتى في قضايا الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية.

ومن بين أكثر المواضيع التي استوقفتني ذلك الاهتمام المتزايد بموقع المغرب داخل إفريقيا. فقد تحدثت تقارير اقتصادية نقلتها Le360 Afrique عن تحول الدار البيضاء إلى مركز مالي إفريقي متصاعد النفوذ، مع بروزها كمنصة تجمع الاستثمارات الدولية المتجهة نحو القارة. وأشارت تحليلات مستوحاة من مجلة Jeune Afrique إلى أن المغرب استطاع الحفاظ على استقراره المالي في وقت اهتزت فيه اقتصادات أوروبية كبرى بسبب التضخم وأزمات الطاقة.

لقد بدا لي الأمر أشبه بتحول هادئ في الجغرافيا الاقتصادية للقارة. فقبل سنوات قليلة، كان يُنظر إلى المغرب باعتباره اقتصاداً سياحياً وفلاحياً فقط، أما اليوم فقد أصبح الحديث يدور عن الدار البيضاء باعتبارها “عاصمة مالية إفريقية” قادرة على جذب البنوك وشركات الاستثمار ورؤوس الأموال العابرة للقارات. وهذا ليس تفصيلاً صغيراً، لأن النفوذ الاقتصادي أصبح في زمننا الحالي شكلاً جديداً من أشكال القوة السياسية.

اقتصادياً، حمل الأسبوع الماضي مؤشرات إيجابية كثيرة. فقد أشارت معطيات تداولتها وسائل إعلام مغربية إلى أن الاقتصاد المغربي دخل سنة 2026 بإيقاع قوي، مع توقع نمو وصل إلى حوالي خمسة في المائة خلال الفصل الأول من السنة وفق تقديرات المندوبية السامية للتخطيط.

وأنا أقرأ هذه الأرقام، تذكرت حجم الضغوط التي واجهها المغرب خلال السنوات الأخيرة: الجفاف، تداعيات جائحة كورونا، ارتفاع الأسعار العالمية، والحروب التي أربكت التجارة الدولية. ومع ذلك، يبدو أن المغرب استطاع الحفاظ على توازن اقتصادي نسبي بفضل تنويع مصادر النمو. فالصناعة المغربية، خصوصاً صناعة السيارات والطيران والفوسفاط، أصبحت اليوم أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، بينما واصل القطاع السياحي استعادة قوته تدريجياً.

كما استوقفتني الأخبار المتعلقة بمشاريع مونديال 2030، خصوصاً الاهتمام الفرنسي المتزايد بالمشاركة في الأوراش الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية المغربية. لقد أصبح تنظيم كأس العالم بالنسبة للمغرب أكثر من حدث رياضي؛ إنه مشروع اقتصادي واستراتيجي ضخم يعيد تشكيل المدن والطرق والمطارات وشبكات النقل.

وفي المجال التكنولوجي، شعرت أن المغرب يحاول الدخول بقوة إلى زمن الاقتصاد الرقمي. فقد ركزت تقارير كثيرة على نجاح معرض “GITEX Africa” بمراكش، الذي تحول إلى أكبر تظاهرة رقمية في القارة الإفريقية. وكانت الرسالة الأساسية التي خرجت من هذا الحدث هي أن المغرب لا يريد فقط استهلاك التكنولوجيا، بل يريد أن يكون شريكاً في إنتاجها وتطويرها.

ما أثار انتباهي فعلاً هو الحديث المتكرر عن “السيادة الرقمية المغربية”. لم يعد الأمر مجرد استعمال للحواسيب أو الإنترنت، بل أصبح مشروع دولة يسعى إلى بناء بنية رقمية مستقلة وقادرة على حماية المعطيات الوطنية وتطوير الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. وقد بدا واضحاً أن المغرب يحاول رسم “طريق ثالث” في التكنولوجيا، بعيداً عن الهيمنة المطلقة للقوى الكبرى.

وفي هذا السياق، جاء الحديث عن استراتيجية “Maroc Digital 2030” ليؤكد أن الدولة تراهن على تكوين مئات الآلاف من الكفاءات الرقمية، وتطوير الشركات الناشئة، وتحويل المغرب إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والخدمات الرقمية.

أما ثقافياً، فقد كان الأسبوع الماضي مليئاً بالحيوية. فقد تابعت أخبار المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي تحول إلى حدث ثقافي إفريقي وعربي ودولي، ولم يعد مجرد سوق للكتب. ما شدني هو التصريحات التي تحدثت عن ضرورة أن يروي الأفارقة قصصهم بأنفسهم، بدل أن تبقى إفريقيا مجرد موضوع يُكتب عنه من الخارج.

شعرت أن المغرب يحاول اليوم أن يلعب دوراً ثقافياً يتجاوز حدوده الجغرافية، عبر الانفتاح على الأدب الإفريقي والفنون العالمية والسينما والموسيقى والذكاء الاصطناعي الثقافي. وفي نظري، هذه واحدة من أهم نقاط قوة المغرب الحديثة: الجمع بين الأصالة والانفتاح.

فالرباط، ومراكش، والدار البيضاء، وطنجة، لم تعد فقط مدناً تاريخية أو سياحية، بل أصبحت فضاءات للإبداع والتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة. وهذا ما يجعل صورة المغرب مختلفة عن كثير من الصور النمطية القديمة التي كانت تختزل البلد في الفلكلور أو السياحة التقليدية.

كما لفت انتباهي الحضور المغربي المتزايد في النقاشات الإفريقية حول الذكاء الاصطناعي والأمن الرقمي والتنمية المستدامة. فقد دعا المغرب، وفق ما نشرته وسائل إعلام رسمية، إلى بناء ذكاء اصطناعي إفريقي “أخلاقي وسيادي”، وهو طرح يحمل بعداً سياسياً عميقاً، لأن المعركة الرقمية أصبحت اليوم جزءاً من معركة النفوذ العالمي.

وفي المجال الاجتماعي، ورغم استمرار التحديات المرتبطة بالبطالة والفوارق الاجتماعية وغلاء المعيشة، شعرت أن المغرب يحاول الحفاظ على نوع من التوازن الداخلي عبر استمرار مشاريع الحماية الاجتماعية والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة. ربما لا تزال النتائج دون طموحات الكثيرين، لكن الفارق أن البلاد تتحرك باستمرار، ولا تبدو غارقة في الشلل أو الانهيار الذي يضرب عدداً من دول المنطقة.

وأنا أتابع الصحافة الفرنسية والإسبانية خلال الأسبوع الماضي، لاحظت شيئاً مهماً: المغرب أصبح يُنظر إليه باعتباره شريكاً استراتيجياً مستقراً أكثر من كونه مجرد بلد جنوب متوسطي. وهذا التحول في الصورة ليس سهلاً، لأنه نتاج سنوات من العمل الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي.

لقد خرجتُ من قراءة أخبار الأسبوع الماضي بانطباع واضح: المغرب يبني بهدوء نموذجاً خاصاً به، نموذجاً لا يعتمد على الصراخ الإيديولوجي ولا على المغامرات السياسية، بل على التراكم البطيء والبراغماتية والانفتاح المدروس على العالم.

أحياناً أشعر أن المغرب يشبه مدينة قديمة تُرمَّم حجراً حجراً دون أن تفقد روحها الأصلية. فهناك تحديث اقتصادي ورقمي واضح، لكن هناك أيضاً حفاظ على العمق الثقافي والهوية التاريخية. وهذا التوازن بالذات هو ما يمنح التجربة المغربية خصوصيتها.

وفي النهاية، لا يمكن لأي متابع منصف أن ينكر أن المغرب خلال الأسبوع الماضي ظهر كبلد يتحرك بثقة داخل عالم مضطرب، بلد يراهن على الاقتصاد والمعرفة والثقافة والدبلوماسية الذكية، لا على الضجيج. وربما لهذا السبب تحديداً، أصبح المغرب يلفت انتباه إفريقيا وأوروبا والعالم العربي بوصفه تجربة تستحق المتابعة والتأمل.


0 التعليقات: