الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 20، 2026

المغرب يربح رهانه على الاستقرار الذكي: عبده حقي

 


كنت أتابع المشهد المغربي بشعور مختلف، شعور يشبه ذلك الإحساس الداخلي الذي ينتاب الكاتب وهو يرى بلده يتحرك بثقة داخل عالم مضطرب ومليء بالتحولات. لم يكن الأمر مجرد أخبار عابرة تتناثر على المواقع الإلكترونية أو نشرات التلفزيون، بل بدا المغرب وكأنه يكتب فصلاً جديداً من حضوره السياسي والاقتصادي والثقافي، بهدوء لا يخلو من الذكاء، وبطموح لا يرفع صوته كثيراً لكنه يترك أثره في التفاصيل.

سياسياً، بدا المغرب خلال الأيام الماضية أكثر حضوراً في محيطه الإفريقي والدولي. فقد تابع المغاربة مشاركة رئيس الحكومة عزيز أخنوش في العاصمة الكينية نيروبي ممثلاً للملك محمد السادس في القمة الإفريقية الفرنسية، وهو حدث لم يكن بروتوكولياً فقط، بل يحمل دلالات عميقة حول مكانة المغرب داخل إفريقيا الجديدة. لقد شعرت وأنا أقرأ الخبر أن الرباط لم تعد مجرد عاصمة مغاربية، بل تحولت إلى مركز دبلوماسي يحاول إعادة رسم علاقاته مع القارة بمنطق الشراكة الاقتصادية والاستقرار السياسي.

وفي السياق نفسه، استوقفتني أخبار تجديد التأكيد على الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد بين المغرب وألمانيا. لم يعد المغرب يتحرك بمنطق العلاقات التقليدية، بل بمنطق بناء توازنات دولية دقيقة تجمع بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي. وهذا ما يجعل الدبلوماسية المغربية تبدو اليوم أكثر نضجاً وقدرة على إدارة الملفات الحساسة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تضرب المنطقة المتوسطية.

كما لفت انتباهي خلال الأسبوع الماضي استمرار الدينامية السياسية الداخلية، خصوصاً مع التحالفات الجديدة داخل بعض مكونات اليسار المغربي استعداداً للاستحقاقات المقبلة. قد يبدو الأمر للبعض مجرد تفصيل حزبي، لكنه بالنسبة لي مؤشر على أن الحياة السياسية المغربية ما تزال قادرة على إنتاج النقاش وإعادة تشكيل التوازنات بدل الوقوع في الجمود الكامل الذي تعيشه عدة دول عربية.

اقتصادياً، شعرت بأن المغرب يواصل بناء اقتصاده الحديث بطريقة هادئة لكنها فعالة. ما يثير الإعجاب ليس فقط الأرقام، بل تنوع القطاعات التي يتحرك داخلها الاقتصاد المغربي. في طنجة هناك الموانئ والصناعة والسيارات، وفي الدار البيضاء المال والأعمال، وفي الجنوب مشاريع الطاقة المتجددة، بينما تتحول الرباط شيئاً فشيئاً إلى فضاء إداري وثقافي عالمي.

ومن الأخبار التي شدت انتباهي خلال الأسبوع الماضي استمرار الحديث عن تطوير الإدارة المالية والاقتصادية، مع دينامية واضحة داخل وزارة الاقتصاد والمالية. مثل هذه التحركات قد تبدو تقنية، لكنها في العمق تعكس إرادة تحديث المؤسسات المالية للدولة وجعلها أكثر قدرة على مواكبة التحولات العالمية.

وأنا أتابع أخبار الاقتصاد المغربي، شعرت أن المملكة بدأت فعلاً تخرج من صورة الاقتصاد التقليدي المعتمد فقط على الفلاحة والسياحة، لتتحول إلى اقتصاد متعدد الأبعاد، يراهن على الصناعة والتكنولوجيا والخدمات والطاقات النظيفة. وربما لهذا السبب أصبح المغرب يحظى باهتمام متزايد من المؤسسات الدولية والشركات العالمية التي ترى فيه منصة مستقرة داخل إفريقيا.

حتى الرياضة، التي أصبحت اليوم جزءاً من القوة الناعمة للدول، كشفت عن حيوية مغربية لافتة خلال الأسبوع الماضي. فقد تابعت باهتمام الأخبار المتعلقة بتأهل المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة إلى الأدوار المتقدمة وضمانه بطاقة العبور إلى مونديال قطر 2026. مثل هذه الإنجازات لا تبدو مجرد نتائج رياضية، بل تعكس استثماراً طويلاً في البنيات التحتية والتكوين الرياضي وصورة المغرب كبلد قادر على تنظيم واستضافة الأحداث الكبرى.

ثقافياً، كان الأسبوع الماضي غنياً بصورة خاصة. لقد شعرت بالفخر وأنا أقرأ عن النجاح الكبير الذي حققه المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، والذي استقطب أكثر من نصف مليون زائر. هذا الرقم ليس عادياً في العالم العربي، لأنه يكشف أن المغرب ما يزال يحتفظ بعلاقة خاصة مع الكتاب والثقافة والفكر. في زمن يقال فيه إن القراءة ماتت، يأتي معرض الرباط ليؤكد أن الثقافة ما تزال قادرة على جذب الناس وصناعة الحياة.

كما أثارت إعجابي الفعاليات الثقافية التي جعلت من الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026، وهو حدث يحمل رمزية قوية. لقد بدا المغرب خلال هذا الأسبوع وكأنه يوجه رسالة واضحة: الثقافة ليست ترفاً، بل جزء من الهوية الوطنية ومن صورة الدولة الحديثة.

وأنا أقرأ عن الروايات الجديدة والمعارض الفنية والندوات الفكرية، تذكرت دائماً أن المغرب يمتلك تلك القدرة النادرة على الجمع بين الأصالة والحداثة. ففي البلد نفسه الذي يحتفي بالموسيقى الأندلسية والملحون وأحيدوس، هناك أيضاً شباب يكتبون الرواية الرقمية ويشتغلون على الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الثقافي الحديث.

حتى النقاشات الفكرية التي ظهرت خلال الأسبوع الماضي بدت عميقة ومختلفة. فقد استوقفتني مثلاً المذكرات السياسية لفتح الله ولعلو بعنوان “زمن مغربي”، لأنها تعكس حاجة المغرب إلى كتابة ذاكرته السياسية الحديثة بلغة النقد والتأمل بدل لغة الشعارات الجافة.

وفي الجانب المجتمعي، شعرت أن المغرب يواصل تقديم صورة بلد متنوع ومتسامح. النقاشات المرتبطة بحقوق اليهود المغاربة وأحفادهم، والانفتاح المتواصل على الذاكرة المغربية بكل مكوناتها، تعكس أن الهوية المغربية ليست هوية مغلقة، بل فضاء متعدد الروافد والثقافات.

كل هذه التفاصيل جعلتني أخرج بانطباع واضح: المغرب خلال الأسبوع الماضي لم يكن مجرد بلد يستهلك الأخبار، بل بلد يصنع جزءاً من الحدث الإقليمي والثقافي والاقتصادي. صحيح أن هناك تحديات اجتماعية واقتصادية حقيقية، مثل البطالة وغلاء المعيشة والفوارق الاجتماعية، لكن ما يمنحني قدراً من التفاؤل هو أن البلاد تبدو وكأنها تتحرك باستمرار، لا تركن إلى الجمود ولا تستسلم للقلق.

أحياناً أشعر أن المغرب يشبه سفينة قديمة لكنها ذكية؛ تعرف جيداً تضاريس البحر، وتعرف أيضاً أن النجاة لا تأتي بالصخب بل بحسن إدارة العواصف. وربما لهذا السبب يواصل المغرب ترسيخ صورته كبلد استقرار نسبي داخل منطقة تتغير بعنف.

وفي النهاية، لا أرى في المغرب مجرد جغرافيا أو مؤسسات أو أرقام اقتصادية، بل أراه تجربة إنسانية وثقافية وسياسية تحاول أن تجد مكانها الخاص داخل عالم مرتبك. وهذا وحده كافٍ لكي يشعر المغربي، ولو للحظة قصيرة، بأن المستقبل ما يزال ممكناً.


0 التعليقات: