الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 20، 2026

القمع الرقمي يبتلع آخر نوافذ الحرية: إعداد عبده حقي

 


شهد الأسبوع الماضي تصاعداً لافتاً في تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، حيث كشفت البيانات الصادرة عن مؤسسات مثل Amnesty International (منظمة العفو الدولية)، وHuman Rights Watch (هيومن رايتس ووتش – المرصد الدولي لحقوق الإنسان)، وInternational Federation for Human Rights (الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان)، عن اتساع رقعة الانتهاكات المرتبطة بحرية التعبير والاعتقال التعسفي والعنف ضد المدنيين. وقد بدا واضحاً أن العالم يعيش مرحلة شديدة الاضطراب، تتراجع فيها الضمانات القانونية لصالح منطق القوة الأمنية والسياسية.

في الجزائر، واصلت المنظمات الحقوقية دق ناقوس الخطر بشأن أوضاع الصحافيين والنشطاء. فقد نددت منظمة العفو الدولية بمحاكمة عدد من الإعلاميين بتهم مرتبطة بالإرهاب بسبب آرائهم السياسية أو تغطياتهم الإعلامية. واعتبرت المنظمة أن استعمال قوانين مكافحة الإرهاب ضد الصحافة المستقلة يمثل تهديداً مباشراً لحرية التعبير. كما حذرت Front Line Defenders (المدافعون في الخط الأمامي) من تصاعد الضغوط على المدافعين عن حقوق الإنسان، مشيرة إلى حملات مراقبة واستدعاءات أمنية تستهدف الأصوات الناقدة. هذه الحالات تعكس تحول المجال العام إلى فضاء مغلق، حيث تصبح الكلمة الحرة تهمة، ويتحول الصحافي إلى متهم بدل أن يكون شاهداً على الحقيقة.

وفي تونس، بدا المشهد أكثر توتراً. فقد تحدثت هيومن رايتس ووتش عن محاكمات طالت موظفين في منظمات تُعنى باللاجئين، معتبرة أن تقديم المساعدة الإنسانية أصبح يُعامل باعتباره نشاطاً مشبوهاً. كما أشارت International Service for Human Rights (الخدمة الدولية لحقوق الإنسان) إلى تضييق متزايد على الجمعيات المدنية، مع تزايد القيود الإدارية والقضائية المفروضة على النشطاء. وشهدت العاصمة تونس احتجاجات رفعت شعارات تنتقد الاعتقالات السياسية وتدهور الحريات العامة، بينما وثقت منظمات حقوقية شهادات عن استنطاقات أمنية مطولة ومراقبة للمعارضين والصحافيين.

وفي إفريقيا جنوب الصحراء، واصلت الحروب والنزاعات المسلحة إنتاج مآسٍ إنسانية متجددة. فقد نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً صادماً حول الانتهاكات المرتكبة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تحدثت عن إعدامات ميدانية وعمليات اغتصاب واختفاء قسري ارتكبتها جماعات مسلحة بحق مدنيين. كما أكدت International Committee of the Red Cross (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) أن الوضع الإنساني في المنطقة بلغ مستويات خطيرة، مع نزوح آلاف الأسر وفقدان السكان إمكانية الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية.

وفي السودان، استمرت التقارير حول المجازر والانتهاكات ضد المدنيين في ظل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأشارت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، Office of the High Commissioner for Human Rights، إلى وجود أدلة متزايدة على ارتكاب جرائم قد ترقى إلى جرائم حرب، خصوصاً في المناطق التي شهدت قصفاً عشوائياً وقتلاً خارج القانون. كما تحدثت تقارير عن استخدام التجويع كسلاح ضد السكان المدنيين، وهو ما اعتبرته منظمات إنسانية شكلاً من أشكال العقاب الجماعي.

أما في أوروبا، فقد ركزت المنظمات الحقوقية على قضايا الهجرة واللجوء. فقد حذرت Open Democracy (الديمقراطية المفتوحة) من أن عدداً من الحكومات الأوروبية بات يعتمد سياسات أكثر تشدداً تجاه المهاجرين، تشمل الاحتجاز والترحيل السريع وتقليص ضمانات اللجوء. كما أثارت منظمات حقوقية مخاوف من خطط أوروبية لنقل طالبي اللجوء إلى “مراكز معالجة” خارج الحدود الأوروبية، معتبرة أن هذه السياسات قد تؤدي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وفي ما يتعلق بحقوق النساء، سلطت UN Women (هيئة الأمم المتحدة للمرأة) الضوء على استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي في مناطق النزاع، مشيرة إلى أن النساء في السودان والكونغو وقطاع غزة يتعرضن لأشكال متعددة من الانتهاكات، تشمل العنف الجنسي والحرمان من الخدمات الأساسية. كما دعت Global Fund for Women (الصندوق العالمي للنساء) إلى حماية المدافعات عن حقوق الإنسان اللواتي يتعرضن للتهديد والملاحقة بسبب نشاطهن الحقوقي والسياسي.

وفي ملف الطفولة، أصدرت UNICEF (منظمة الأمم المتحدة للطفولة – اليونيسف) تقارير مقلقة حول أوضاع الأطفال في مناطق الحروب، مؤكدة أن ملايين الأطفال باتوا مهددين بسوء التغذية والحرمان من التعليم. كما تحدثت Save the Children (أنقذوا الأطفال) عن ارتفاع أعداد الأطفال الذين يعيشون تحت القصف أو داخل مخيمات النزوح. أما Defence for Children International (الدفاع عن الأطفال دولياً) فقد وثقت حالات اعتقال وتعذيب لأطفال في بعض مناطق النزاع، معتبرة أن الطفولة أصبحت أولى ضحايا الانهيار السياسي والأمني.

وعلى المستوى الأممي، دعا United Nations Human Rights Council (مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة) إلى إجراء تحقيقات مستقلة في عدد من الانتهاكات الموثقة خلال الأسابيع الأخيرة، خاصة في مناطق النزاعات المسلحة. غير أن الانتقادات الموجهة للمجلس تزايدت بسبب عجزه عن فرض آليات تنفيذية حقيقية توقف الجرائم أو تحاسب المسؤولين عنها.

كما حذرت Freedom House (بيت الحرية) من التراجع العالمي في مؤشرات الديمقراطية، معتبرة أن الحكومات في عدة مناطق من العالم أصبحت تستخدم التكنولوجيا والرقابة الرقمية لتقييد الحريات العامة. وقد أشارت المنظمة إلى تنامي ظاهرة حجب المواقع الإلكترونية ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي واعتقال المدونين والصحافيين بتهم مرتبطة بالأمن القومي أو نشر الأخبار الكاذبة.

وفي العالم العربي، أكدت Arab Organization for Human Rights (المنظمة العربية لحقوق الإنسان) أن المنطقة تشهد تدهوراً مستمراً في حرية التعبير واستقلال القضاء. بينما ركزت Arab Network for Human Rights Information (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان) على أوضاع المعتقلين السياسيين والمدونين، مشيرة إلى أن العديد من الأنظمة العربية باتت تعتبر الرأي المعارض تهديداً أمنياً.

ومن بين الأمثلة الصادمة التي تداولتها المواقع الحقوقية خلال الأسبوع الماضي، قصة صحافي إفريقي تعرض للاعتقال بعد كشفه ملفات فساد مرتبطة بمسؤولين حكوميين، وحالة ناشطة نسوية تلقت تهديدات بالقتل بسبب دفاعها عن ضحايا العنف الجنسي، إضافة إلى شهادات لاجئين تحدثوا عن تعرضهم للضرب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز. هذه القصص لم تعد استثناءات، بل أصبحت جزءاً من مشهد عالمي تتراجع فيه قيمة الإنسان أمام الحسابات السياسية والأمنية.

إن المتابع لتقارير الأسبوع الماضي يخرج بخلاصة مؤلمة مفادها أن العالم يعيش أزمة أخلاقية وحقوقية عميقة. فالقمع لم يعد يقتصر على الأنظمة السلطوية التقليدية، بل امتد إلى فضاءات كانت تقدم نفسها بوصفها حامية للديمقراطية والحريات. وبينما تتزايد البيانات الدولية والإدانات الحقوقية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: من يحمي الإنسان عندما تتحول السلطة نفسها إلى مصدر للخوف والرعب؟



0 التعليقات: