الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 20، 2026

موجة انتهاكات عابرة للقارات تعيد العالم إلى زمن الرعب: إعداد عبده حقي


يبدو المشهد الحقوقي في أكثر من منطقة محكوماً بثلاثة عناوين كبرى: تضييق متزايد على حرية التعبير والتنظيم، عسكرة قضايا الهجرة واللجوء، واستمرار الإفلات من العقاب في مناطق النزاع. في الجزائر، ركزت منظمة العفو الدولية يوم 13 ماي على ملف الصحافيين المعتقلين، مطالبة بالإفراج عن عبد الوكيل بلام، حسن بوراس، وكريستوف غليز، ومعتبرة أن استعمال تهم الإرهاب ضد أصوات إعلامية مستقلة يعكس توظيفاً سياسياً للقضاء ضد حرية الصحافة. وتأتي محاكمة عبد الوكيل بلام، حسب المنظمة، في سياق أوسع من ملاحقة الصحافيين والنشطاء بسبب التعبير السلمي عن آرائهم.

في تونس، كان الأسبوع أكثر كثافة. فقد حذرت منظمة العفو الدولية من أن عشرات الجمعيات مهددة بالحل أو الملاحقة، معتبرة أن المدافعين عن الحقوق والعاملين في المنظمات غير الحكومية أصبحوا يواجهون اتهامات جنائية بسبب نشاطهم المشروع. كما نبهت هيومن رايتس ووتش إلى محاكمة خمسة موظفين من المجلس التونسي للاجئين يوم 13 ماي، بسبب عملهم في مساعدة طالبي اللجوء واللاجئين، ومن بينهم مصطفى الجمالي وعبد الرزاق الكريمي. هذه الحالة تكشف كيف تحولت المساعدة الإنسانية إلى شبهة جنائية في مناخ سياسي يضيّق على المجتمع المدني.

وتعزز هذا المناخ باحتجاجات شهدتها تونس يوم 16 ماي، حيث خرج مئات المواطنين ضد سياسات الرئيس قيس سعيد، رافعين شعارات تنتقد امتلاء السجون وتدهور الأوضاع الاجتماعية. وذكرت رويترز أن المحتجين نددوا باعتقال سياسيين وصحافيين ونشطاء، في ظل اتهامات للسلطة باستعمال القضاء والشرطة لإسكات المعارضين.

أما في إفريقيا جنوب الصحراء، فقد برزت جمهورية الكونغو الديمقراطية كأحد أخطر الأمثلة. يوم 14 ماي، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً اتهمت فيه حركة M23 والقوات الرواندية بارتكاب انتهاكات خطيرة في مدينة أوفيرا، شملت إعدامات ميدانية لأكثر من خمسين شخصاً، واغتصاب ثماني نساء على الأقل، واختفاء قسرياً لاثني عشر شخصاً. هذه ليست مجرد أرقام، بل صورة عن مدينة تحولت إلى فضاء خوف، حيث يصبح المدني هدفاً بسبب موقعه أو هويته أو عجزه عن الفرار.

وفي السودان، كشفت رويترز يوم 18 ماي عن عودة قائد في قوات الدعم السريع، معروف بلقب أبو لولو، إلى القتال رغم ظهوره سابقاً في مقاطع مصورة وهو يقتل مدنيين عزل. وتحدثت شهادات عن إعدام أطفال ونساء حوامل، وعن إفلات شبه كامل من العقاب وسط حرب أهلية مدمرة. وفي جنوب السودان، اتهمت منظمة أطباء بلا حدود أطراف النزاع باستغلال المساعدات لأغراض عسكرية ومنع الوصول الإنساني إلى مناطق معارضة، ما حرم مئات الآلاف من الرعاية الصحية.

في الاتحاد الأوروبي، لم تكن الانتهاكات دائماً مباشرة، لكنها ظهرت في السياسات. يوم 15 ماي، اعتمد وزراء أوروبيون إعلاناً جديداً حول تفسير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا الهجرة، بما قد يسهل ترحيل المهاجرين إلى بلدان ثالثة أو “مراكز عودة”. ورغم أن الإعلان غير ملزم قانونياً، فقد حذرت منظمات حقوقية من أنه قد يضعف الحماية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية.

كما حذرت منظمات حقوقية يوم 13 ماي بولندا من تسهيل رحلات ترحيل أمريكية لأوكرانيين عبر أراضيها، معتبرة أن إعادة أشخاص إلى منطقة حرب قد تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية. وفي 12 ماي، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً حول فشل الاتحاد الأوروبي في منع تصدير تقنيات مراقبة إلى أنظمة قد تستعملها لقمع المعارضين، وهو ملف يربط بين التجارة والتجسس وانتهاك الخصوصية.

خلاصة الأسبوع أن حقوق الإنسان لم تتراجع فقط عبر الاعتقال والسجن، بل أيضاً عبر القوانين المرنة، والتهم الفضفاضة، والسياسات الحدودية، وصمت المؤسسات أمام الانتهاكات. من صحافي جزائري يُحاكم بتهم ثقيلة، إلى عامل إغاثة تونسي يعاقب لأنه ساعد لاجئاً، إلى امرأة كونغولية تُغتصب في مدينة محتلة، إلى مهاجر قد يُرحّل باسم “تنظيم الحدود”، تتكرر الحقيقة نفسها: الإنسان ما زال أضعف حلقة أمام السلطة حين تنفصل عن المحاسبة.


0 التعليقات: