الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يونيو 01، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رِوَايَةِ «دُونْ كِيخُوتِه» لِلْكَاتِبِ الإِسْبَانِيِّ مِيغِيلْ دِي ثِيرْبَانْتِسْ


فِي هَذِهِ الحَلْقَةِ مِنْ بُودكاستِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ، نَفْتَحُ أَبْوَابَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَنْجَبَهَا التَّارِيخُ الإِنْسَانِيُّ، رِوَايَةِ «دُونْ كِيخُوتِه» لِلْكَاتِبِ الإِسْبَانِيِّ مِيغِيلْ دِي ثِيرْبَانْتِسْ، ذَلِكَ العَمَلِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ حَبِيسَ زَمَنِهِ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى مِرْآةٍ كُبْرَى تَعْكِسُ أَحْلَامَ الإِنْسَانِ وَأَوْهَامَهُ وَصِرَاعَهُ الدَّائِمَ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالخَيَالِ.

صَدَرَ الجُزْءُ الأَوَّلُ مِنَ الرِّوَايَةِ سَنَةَ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ الجُزْءُ الثَّانِي سَنَةَ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَيُجْمِعُ النُّقَّادُ وَالبَاحِثُونَ عَلَى أَنَّهَا تُعَدُّ مِنَ البَوَاكِيرِ الأُولَى لِلرِّوَايَةِ الحَدِيثَةِ فِي الأَدَبِ الغَرْبِيِّ.

وُلِدَ مِيغِيلْ دِي ثِيرْبَانْتِسْ فِي إِسْبَانِيَا فِي القَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ، وَعَرَفَ حَيَاةً حَافِلَةً بِالمُعَانَاةِ وَالتَّنَقُّلِ وَالأَسْرِ وَالفَقْرِ. وَرُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ التَّجَارِبُ القَاسِيَةُ هِيَ الَّتِي مَنَحَتْهُ القُدْرَةَ عَلَى رَسْمِ شَخْصِيَّاتٍ تَبْدُو مُضْحِكَةً مِنَ الظَّاهِرِ، لَكِنَّهَا تُخْفِي فِي أَعْمَاقِهَا أَسْئِلَةً وُجُودِيَّةً عَمِيقَةً. وَقَدْ أَصْبَحَ ثِيرْبَانْتِسْ اليَوْمَ الرَّمْزَ الأَكْبَرَ فِي الأَدَبِ الإِسْبَانِيِّ، وَتُرْجِمَتْ أَعْمَالُهُ إِلَى عَشَرَاتِ اللُّغَاتِ فِي العَالَمِ. 

تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ رَجُلٍ يُدْعَى أَلُونْسُو كِيخَانُو، يُفْرِطُ فِي قِرَاءَةِ كُتُبِ الفُرْسَانِ وَالمُغَامَرَاتِ حَتَّى يَفْقِدَ القُدْرَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالخَيَالِ. يَقْتَنِعُ بِأَنَّهُ فَارِسٌ جَوَّالٌ مُكَلَّفٌ بِإِصْلَاحِ العَالَمِ وَنُصْرَةِ المَظْلُومِينَ، فَيُطْلِقُ عَلَى نَفْسِهِ اسْمَ «دُونْ كِيخُوتِه»، وَيَمْتَطِي جَوَادَهُ الهَزِيلَ، وَيَخْرُجُ فِي رِحْلَةٍ مَجْنُونَةٍ يَرَافِقُهُ فِيهَا خَادِمُهُ الوَفِيُّ سَانْشُو بَانْثَا.

وَمِنْ أَشْهَرِ مَشَاهِدِ الرِّوَايَةِ تِلْكَ المَعْرَكَةُ الشَّهِيرَةُ ضِدَّ طَوَاحِينِ الهَوَاءِ، حَيْثُ يَتَوَهَّمُ دُونْ كِيخُوتِه أَنَّهَا عُمَلَاقَاتٌ شِرِّيرَةٌ يَجِبُ القَضَاءُ عَلَيْهَا. وَهُنَا يَبْلُغُ السَّرْدُ ذِرْوَةَ المُفَارَقَةِ، فَالقَارِئُ يَرَى الحَقِيقَةَ، أَمَّا البَطَلُ فَيَرَى حُلْمَهُ الخَاصَّ، وَبَيْنَ الرُّؤْيَتَيْنِ تَتَوَلَّدُ الكُومِيدِيَا وَالمَأْسَاةُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْرَةٍ كَانَتْ إِسْبَانِيَا تَعِيشُ فِيهَا تَحَوُّلَاتٍ كُبْرَى. فَقَدْ بَدَأَ عَالَمُ الفُرُوسِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ فِي الأُفُولِ، وَظَهَرَتْ مُجْتَمَعَاتٌ جَدِيدَةٌ تُؤْمِنُ بِالعَقْلِ وَالتِّجَارَةِ وَالوَاقِعِ اليَوْمِيِّ. لِذَلِكَ جَاءَتْ «دُونْ كِيخُوتِه» فِي الأَصْلِ سُخْرِيَةً مِنْ رِوَايَاتِ الفُرْسَانِ الَّتِي سَادَتْ فِي ذَلِكَ العَصْرِ، لَكِنَّهَا تَحَوَّلَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى تَأَمُّلٍ فَلْسَفِيٍّ فِي مَعْنَى الحُلْمِ وَالحُرِّيَّةِ وَالهُوِيَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ. 

لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ خَالِدَةً؟

لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِكَايَةَ فَارِسٍ وَاهِمٍ فَقَطْ، بَلْ أَصْبَحَتْ رَمْزًا لِلإِنْسَانِ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يُغَيِّرَ العَالَمَ وَإِنْ بَدَا ذَلِكَ مُسْتَحِيلًا. وَفِي كُلِّ زَمَانٍ يَظْهَرُ دُونْ كِيخُوتِه بِوَجْهٍ جَدِيدٍ؛ مَرَّةً فِي صُورَةِ مُفَكِّرٍ يُقَاوِمُ السَّائِدَ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ فَنَّانٍ يُدَافِعُ عَنِ الجَمَالِ، وَمَرَّةً فِي صُورَةِ حَالِمٍ يَرْفُضُ الاِسْتِسْلَامَ لِقَسْوَةِ الوَاقِعِ. لِذَلِكَ وُصِفَتِ الرِّوَايَةُ بِأَنَّهَا مِنْ أَكْثَرِ الكُتُبِ تَأْثِيرًا فِي تَارِيخِ الأَدَبِ العَالَمِيِّ. 

وَقَدْ تَرَكَتْ «دُونْ كِيخُوتِه» بَصْمَةً عَمِيقَةً فِي الرِّوَايَةِ وَالمَسْرَحِ وَالسِّينَمَا وَالفَلْسَفَةِ. فَكَثِيرٌ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ الكِبَارِ اسْتَلْهَمُوا بِنَاءَهَا السَّرْدِيَّ، وَاسْتَعَارَ الفَلَاسِفَةُ شَخْصِيَّتَهَا لِلتَّعْبِيرِ عَنْ صِرَاعِ الإِنْسَانِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالوَهْمِ. أَمَّا السِّينَمَا العَالَمِيَّةُ فَقَدْ قَدَّمَتْ عَشَرَاتِ الاقْتِبَاسَاتِ وَالأَعْمَالِ المُسْتَوْحَاةِ مِنْهَا عَلَى مَدَى أَرْبَعَةِ قُرُونٍ.

وَمِنْ أَشْهَرِ الاقْتِبَاسَاتِ المَنْسُوبَةِ إِلَى الرِّوَايَةِ قَوْلُ دُونْ كِيخُوتِه:

«إِنَّ الحُرِّيَّةَ يَا سَانْشُو مِنْ أَثْمَنِ النِّعَمِ الَّتِي مَنَحَهَا اللهُ لِلإِنْسَانِ.»

هِيَ جُمْلَةٌ تَبْدُو بَسِيطَةً، لَكِنَّهَا تَخْتَزِلُ الرُّوحَ العَمِيقَةَ لِلرِّوَايَةِ كُلِّهَا.

أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنِّي أَرَى أَنَّ «دُونْ كِيخُوتِه» لَيْسَتْ رِوَايَةً عَنِ الجُنُونِ، بَلْ رِوَايَةٌ عَنِ الشَّجَاعَةِ. فَفِي عَالَمٍ يَتَشَابَهُ فِيهِ النَّاسُ وَيَسِيرُونَ فِي الاِتِّجَاهِ نَفْسِهِ، يَظْهَرُ بَطَلٌ يَجْرُؤُ عَلَى الحُلْمِ، وَإِنْ سَخِرَ مِنْهُ الجَمِيعُ. وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ بَقِيَ حَيًّا فِي ذَاكِرَةِ البَشَرِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ.

وَفِي الحَلْقَةِ المُقْبِلَةِ سَنَرْحَلُ إِلَى عَالَمٍ رِوَائِيٍّ آخَرَ لا يَقِلُّ سِحْرًا وَتَأْثِيرًا، لِنَكْتَشِفَ كَيْفَ تَسْتَطِيعُ الكَلِمَاتُ أَنْ تُغَيِّرَ مَصَائِرَ الأَفْرَادِ وَالشُّعُوبِ، وَأَنْ تَحُولَ الحِكَايَاتِ إِلَى جُسُورٍ بَيْنَ الأَزْمِنَةِ وَالثَّقَافَاتِ.



0 التعليقات: