السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ.
أُرَحِّبُ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ
مِنْ بُودْكَاسْتِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ نَتَوَقَّفُ الْيَوْمَ عِنْدَ
وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَنْجَبَهَا الأَدَبُ
الْإِنْسَانِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «الإِخْوَةُ كَارَامَازُوف» لِلْكَاتِبِ الرُّوسِيِّ الْعَظِيمِ فِيودُور دُوسْتُويِفْسْكِي.
صَدَرَتْ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1880، وَكَانَتْ آخِرَ عَمَلٍ رِوَائِيٍّ أَنْجَزَهُ الْكَاتِبُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ. وَلِهٰذَا يَعْتَبِرُهَا النُّقَّادُ وَصِيَّتَهُ الْفِكْرِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ، وَخُلَاصَةَ تَجْرِبَتِهِ الْإِبْدَاعِيَّةِ الطَّوِيلَةِ.
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ
عَائِلَةِ كَارَامَازُوف، وَبِالتَّحْدِيدِ حَوْلَ الأَبِ فْيُودُور
بَافْلُوفِيتْش، الرَّجُلِ الْفَاسِدِ وَالْمُسْتَهْتِرِ، وَأَبْنَائِهِ
الثَّلَاثَةِ: دِيمِيتْرِي، وَإِيفَان، وَأَلْيُوشَا. يَخْتَلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمْ فِي طَبِيعَتِهِ وَنَظْرَتِهِ إِلَى الْحَيَاةِ. فَدِيمِيتْرِي يُجَسِّدُ
الْعَاطِفَةَ الْجَيَّاشَةَ وَالانْدِفَاعَ، وَإِيفَان يُمَثِّلُ الْعَقْلَ
الشَّكَّاكَ وَالتَّسَاؤُلَ الْفَلْسَفِيَّ، أَمَّا أَلْيُوشَا فَهُوَ صُورَةُ
الْإِيمَانِ وَالتَّسَامُحِ وَالنُّبْلِ.
تَبْدَأُ الْأَزْمَةُ الْكُبْرَى عِنْدَمَا
يُقْتَلُ الأَبُ فِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ، فَيُتَّهَمُ دِيمِيتْرِي بِالْجَرِيمَةِ.
وَمِنْ هُنَا تَتَشَعَّبُ الْأَحْدَاثُ فِي مَسَارٍ دَرَامِيٍّ مُشَوِّقٍ،
يَمْزِجُ بَيْنَ التَّحْقِيقِ الْجِنَائِيِّ وَالصِّرَاعِ النَّفْسِيِّ
وَالْجَدَلِ الْفَلْسَفِيِّ.
لَيْسَتِ الرِّوَايَةُ قِصَّةَ جَرِيمَةٍ
فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ عَمِيقَةٌ فِي أَسْئِلَةِ الْوُجُودِ. فَهِيَ
تَطْرَحُ سُؤَالَ الْحُرِّيَّةِ، وَسُؤَالَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَسُؤَالَ
الْإِيمَانِ وَالْإِلْحَادِ، وَمَعْنَى الْمَسْؤُولِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي
حَيَاةِ الْإِنْسَانِ.
وُلِدَتْ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْرَةٍ
كَانَتْ فِيهَا رُوسْيَا تَعِيشُ تَحَوُّلَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً وَفِكْرِيَّةً
عَمِيقَةً. فَقَدْ انْتَشَرَتِ الْأَفْكَارُ الْمَادِّيَّةُ وَالثَّوْرِيَّةُ،
وَبَدَأَ الْكَثِيرُونَ يُشَكِّكُونَ فِي الدِّينِ وَالسُّلْطَةِ وَالتَّقَالِيدِ.
وَكَانَ دُوسْتُويِفْسْكِي يَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَقَدَ بُعْدَهُ
الرُّوحِيَّ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ فِي الْعَدَمِيَّةِ وَالْفَوْضَى.
وَمِنْ أَشْهَرِ أَجْزَاءِ الرِّوَايَةِ
قِصَّةُ «الْمُفَتِّشِ الْكَبِيرِ»، وَهِيَ حِكَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ يُقَدِّمُهَا
إِيفَان لِأَخِيهِ أَلْيُوشَا. وَتُعَدُّ هٰذِهِ الْحِكَايَةُ مِنْ أَعْظَمِ
النُّصُوصِ الْفَلْسَفِيَّةِ فِي تَارِيخِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِأَنَّهَا
تُنَاقِشُ الْحُرِّيَّةَ وَالسُّلْطَةَ وَعَلَاقَةَ الْإِنْسَانِ بِالْحَقِيقَةِ.
وَقَدِ اعْتُبِرَتْ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ
خَالِدَةً لِأَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ. أَوَّلُهَا عُمْقُهَا النَّفْسِيُّ النَّادِرُ؛
فَشَخْصِيَّاتُهَا تَبْدُو حَيَّةً وَمُعَقَّدَةً كَأَنَّهَا أُنَاسٌ نَعْرِفُهُمْ
فِي وَاقِعِنَا. وَثَانِيهَا قُدْرَتُهَا عَلَى مُلَامَسَةِ أَسْئِلَةٍ لَا
تَشِيخُ مَعَ الزَّمَنِ. وَثَالِثُهَا أُسْلُوبُهَا الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ
الْحِكَايَةِ الْمُمْتِعَةِ وَالتَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ الْعَمِيقِ.
لَمْ يَقْتَصِرْ أَثَرُ الرِّوَايَةِ عَلَى
الأَدَبِ فَقَطْ، بَلْ وَصَلَ إِلَى الْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ
وَالسِّينِمَا. فَقَدْ أَعْجَبَتْ فَلَاسِفَةً كِبَارًا مِثْلَ جان بول سارتر
وَألبرت كامو، كَمَا اسْتَلْهَمَتْ مِنْهَا أَعْمَالٌ سِينِمَائِيَّةٌ وَمَسْرَحِيَّةٌ
عَدِيدَةٌ فِي مُخْتَلِفِ بُلْدَانِ الْعَالَمِ.
أَمَّا الِاقْتِبَاسُ الْأَشْهَرُ الَّذِي
يُنْسَبُ إِلَى الرِّوَايَةِ فَهُوَ:
«إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا مَسْؤُولٌ عَنْ كُلِّ النَّاسِ أَمَامَ
الْجَمِيعِ.»
وَهُوَ قَوْلٌ يُلَخِّصُ فِكْرَةَ
التَّضَامُنِ الْإِنْسَانِيِّ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الَّتِي
تَسْرِي فِي أَوْصَالِ الرِّوَايَةِ كُلِّهَا.
أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ،
فَإِنَّ «الإِخْوَةَ كَارَامَازُوف» لَيْسَتْ رِوَايَةً تُقْرَأُ فَقَطْ، بَلْ
تَجْرِبَةٌ رُوحِيَّةٌ وَفِكْرِيَّةٌ تُعَاشُ. كُلَّمَا عُدْتُ إِلَيْهَا
اكْتَشَفْتُ فِيهَا أَسْئِلَةً جَدِيدَةً وَمَعَانِيَ أَعْمَقَ. إِنَّهَا مِنَ
الْكُتُبِ الَّتِي تُغَيِّرُ نَظْرَتَنَا إِلَى الْإِنْسَانِ وَإِلَى الْحَيَاةِ
نَفْسِهَا.
أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، أَشْكُرُ
لَكُمْ مُتَابَعَتَكُمْ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى مُرَافَقَتِي فِي الْحَلْقَةِ
الْمُقْبِلَةِ، حَيْثُ سَنَرْتَحِلُ مَعًا إِلَى عَالَمِ رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ
رَوَائِعِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ أَسْرَارَهَا وَأَصْوَاتَ
شَخْصِيَّاتِهَا وَمَا تُخْفِيهِ بَيْنَ صَفَحَاتِهَا مِنْ حِكَمٍ وَأَحْلَامٍ.
إِلَى اللِّقَاءِ في رواية جديدة إذا بحول
الله
مع تحيات الكاتب
المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق