يا له من رد اعتبار لبيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، الذي وصل اليوم، العشرين من يوليو، إلى الجزائر، غداة الانتصار الكبير والرائع الذي حققته إسبانيا على الأرجنتين في نهائي كأس العالم.
فبيدرو سانشيز، الذي تعرّض للشيطنة والإهانة بصورة منتظمة، ووُصف بالخائن من طرف نظام تبون، واعتُبر واحدًا من أعداء الجزائر ما بين سنتي 2022 و2024، وتعرّض للتشهير والافتراء ليلًا ونهارًا في الصحافة الجزائرية ومنابر اللوبيات الإعلامية التابعة للنظام، يُفرش له اليوم السجاد الأحمر في الجزائر.
أصبحت السلطات الجزائرية ترحب بزيارته، وتسعى إلى
استمالته والتقرب منه. ويمكنني أن أؤكد لكم أن الجزائر ظلّت، منذ سنة 2025 وعلى
امتداد عام كامل، توجه إليه الدعوات وتكررها باستمرار. وفي نهاية المطاف، كادت
السلطات الجزائرية تتوسل إليه من أجل أن يزور الجزائر.
وقد حدث في السنة الماضية أن التقى رئيس الوزراء
الجزائري السابق، نذير العرباوي، بيدرو سانشيز في إسبانيا، خلال منتدى دولي نُظم
في مدينة إشبيلية، على ما أعتقد. وقد وثقت الكاميرات الإسبانية ذلك اللقاء، واقترب
نذير العرباوي من سانشيز قائلًا له:
«يجب أن تزور الجزائر. ينبغي أن تأتي. نحن ننتظرك في
الجزائر».
كان ذلك خلال المؤتمر الدولي الرابع لتمويل
التنمية، وهو لقاء نظمته الأمم المتحدة سنة 2025.
إن عبد المجيد تبون، الذي كثّف بين سنتي 2022 و2024
هجماته الشخصية على بيدرو سانشيز، وجد نفسه لاحقًا أمام تغير كامل في المواقف.
وفي شهر يوليو من السنة الماضية، حاول نذير
العرباوي إقناع سانشيز بضرورة زيارة الجزائر. وها هو بيدرو سانشيز يصل اليوم إلى
العاصمة الجزائرية، لكنه يصل إليها بصفته بطلًا.
لقد تغير الخطاب الإعلامي تجاهه تغيرًا كاملًا.
تأملوا نفاق الدكتاتوريات والأنظمة الهشة والمزيفة، والأنظمة التي تفتقر إلى
الانسجام والشرعية والشعبية. انظروا إلى الطريقة التي يُعامل بها بيدرو سانشيز
اليوم.
لقد أصبحت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية تتحدث
عن «علاقات جزائرية إسبانية عريقة»، وعن «إرادة قوية لتعزيز الشراكة متعددة
الأبعاد».
وفجأة تحولت إسبانيا إلى بلد صديق ومهم، وإلى شريك
أساسي للجزائر، بل كانت أخيرًا ضيف شرف الدورة السابعة والخمسين لمعرض الجزائر
الدولي.
وقد استقبل رئيس الوزراء الجزائري الحالي بيدرو
سانشيز بنفسه في المطار، حاملًا باقة من الزهور، وسط الابتسامات وعبارات الترحيب.
وبعد استقباله، توجه سانشيز إلى مقام الشهيد، حيث
وقف دقيقة صمت ووضع إكليلًا من الزهور أمام النصب التذكاري لشهداء حرب التحرير
الجزائرية.
وبصراحة، لا أستطيع منع نفسي من الضحك. فلماذا
أضحك؟ ولماذا ينبغي لنا أن نضحك؟
علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء، لنتذكر الطريقة
التي هاجمت بها الجزائر بيدرو سانشيز بين سنتي 2022 و2024.
ولم يكن ما حدث مجرد انتقاد أو هجوم سياسي، بل كان
شتمًا وتجريحًا وتشهيرًا وافتراءً. والغريب أن تبون يجرّم التشهير والإهانة داخل
الجزائر، ويضع معارضيه في السجن إن تجرؤوا على انتقاده، لكنه لا يتردد في استخدام
السلاح نفسه ضد القادة الأجانب عندما يختلف معهم.
فوكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، بوصفها الذراع
الإعلامية للدولة الجزائرية والناطق باسمها في الساحة الدولية، كتبت في يونيو 2022
أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز:
«تنكر لكل شيء، وارتكب خيانة تاريخية في حق الشعب
الصحراوي وفي حق شعبه الإسباني».
وجاء ذلك بعد الموقف الذي اتخذه سانشيز بشأن سيادة
المغرب على الصحراء المغربية .
وقد أدى ذلك الموقف إلى قطيعة عنيفة بين الجزائر
وإسبانيا، وتحول سانشيز إلى واحد من أكثر الشخصيات الأجنبية تعرضًا للكراهية
والرفض من طرف النظام الجزائري.
ووصفته وسائل إعلام جزائرية رسمية أخرى بأنه «حفّار
قبر الشرعية الدولية»، وبأنه «جبان سياسي».
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد وصفته وسائل
الإعلام العمومية والخاصة المرتبطة بلوبيات الدعاية التابعة لنظام تبون بأنه مهرج،
وسياسي هاوٍ، وسمسار.
وكتبت صحيفة «ليكسبريسيون» في يونيو 2022 أن رئيس
الحكومة الإسبانية:
«مغامر سياسي ضحّى بالمصالح الاقتصادية لإسبانيا من
أجل إنقاذ نفسه، وخضع لإملاءات الرباط».
أما الصحف الجزائرية الأخرى، التي لا تتمتع في
الواقع بأي استقلالية، وتؤدي دور أبواق الدعاية الرسمية، فقد نعتت بيدرو سانشيز
بالخائن، ومشعل الحرائق، والسمسار، والمهرج.
وذهبت القناة العمومية الجزائرية، إلى جانب قناة
«الجزائر الدولية أربع وعشرون»، إلى اتهام سانشيز بالخضوع للابتزاز.
وادعت هذه القنوات أن سانشيز أصبح رهينة أو دمية في
يد المخزن، وأن المغرب اخترق هاتفه بواسطة برنامج للتجسس، واكتشف معلومات خطيرة
تتعلق بحياته الخاصة، وبتورطه المزعوم في قضايا فساد أخلاقي وعلاقات جنسية وخيانات
زوجية.
نعم، صدرت هذه الاتهامات عن التلفزيون العمومي
الجزائري.
ولم تتوقف آلة الإهانة والافتراء عند هذا الحد، فقد
زعمت الصحافة الجزائرية الحكومية، الممولة من أموال الدولة، أن المغاربة سرقوا
أسرارًا من هاتف سانشيز، واستعملوها لإجباره على الاعتراف بمغربية الصحراء المغربية
.
يا لها من كارثة!
وفي سنة 2023، عندما كان سانشيز يواجه انتقادات
داخل البرلمان الإسباني ومن بعض أطراف ائتلافه الحكومي، احتفلت الصحافة الجزائرية،
ولا سيما الصحافة الحكومية والرسمية الخاضعة بالكامل لنظام تبون، بما اعتبرته
ضعفًا سياسيًا لرئيس الوزراء الإسباني.
ووصفته بأنه رجل معزول، ومرفوض من شعبه، ومحاصر
سياسيًا.
ومن العبارات التي تكررت في وصفه:
«رجل منبوذ من طبقته السياسية».
و«عبء على إسبانيا».
بل تحدثوا عن «عقاب إلهي» سيصيبه، وعن «عقاب الشعب
الإسباني» ضد غروره، ووصفوه بالخائن والمتعجرف والدمية والمهرج والخاضع للابتزاز.
لقد عمد نظام تبون، عبر أذرعه الإعلامية، إلى شخصنة
الأزمة بين الجزائر ومدريد، وجعل من بيدرو سانشيز المسؤول الوحيد عنها، وصوره
باعتباره خائنًا وفاسدًا، أو شخصًا يتحكم فيه المغرب.
واستمرت هذه الحملة خصوصًا خلال سنتي 2022 و2023.
لكن الحقيقة أن الجهة التي مارست الابتزاز لم تكن
بيدرو سانشيز، بل كان نظام تبون نفسه.
فالنظام الجزائري هو الذي حاول ابتزاز إسبانيا،
بتعطيل العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتجميد التعاون الأمني والدبلوماسي، وتعليق
معاهدة الصداقة مع مدريد.
كان تبون يعتقد أن سانشيز سيتراجع ويخضع، لكن رئيس
الحكومة الإسبانية لم يتراجع حتى أمام دونالد ترامب.
أما سبب محاولة تبون اليوم تدارك الموقف، فيعود إلى
اندلاع الأزمة مع فرنسا سنة 2024. فقد أدرك أنه لا يستطيع إدارة علاقات متوترة مع
فرنسا وإسبانيا في الوقت نفسه.
وبعد أن اعترفت فرنسا بمغربية الصحراء المغربية ،
قرر النظام الجزائري الدخول في مواجهة مع باريس، لكنه وجد نفسه مضطرًا، في
المقابل، إلى المصالحة مع مدريد.
وهكذا بدأ، منذ نهاية سنة 2024، في التقرب من
إسبانيا، والتراجع عن سياسة الابتزاز التي مارسها ضدها.
كان الخطاب الجزائري في السابق يقول للإسبان:
«لقد اخترتم دعم الخطة المغربية بشأن الصحراء المغربية
، ولذلك سنقطع العلاقات الاقتصادية، ونجمّد معاهدة الصداقة، ونوقف التعاون الأمني».
وظلت الجزائر مدة طويلة من دون سفير في مدريد، كما
جُمد التعاون الأمني المتعلق بمكافحة الهجرة غير النظامية.
وفي تلك الفترة، غادر آلاف المهاجرين الجزائريين
غير النظاميين، المعروفين باسم «الحراكة»، نحو إسبانيا، وتحولت السواحل الجزائرية
إلى نقاط عبور وانطلاق للقوارب المتجهة إلى الشواطئ الإسبانية.
لقد فعل نظام تبون كل ما في وسعه لإجبار إسبانيا
على التراجع، ومعاقبتها والانتقام منها لأنها اختارت الوقوف إلى جانب المغرب.
لكن الحرب في غزة، والعدوان الإسرائيلي، والأحداث
المأساوية التي يمكن وصفها بالإبادة الجماعية، كشفت موقفًا آخر لبيدرو سانشيز.
فقد كان سانشيز من أبرز القادة الغربيين الذين
أدانوا علنًا السياسة الإسرائيلية، ورفضوا المجازر المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني.
ومع وصول دونالد ترامب، رفضت إسبانيا تأييد سياساته
الحربية، كما رفضت الانحياز بصورة آلية إلى سياسته التوسعية والعسكرية والعدوانية.
وهكذا تحول بيدرو سانشيز، الذي صُوّر في الجزائر
باعتباره خائنًا، إلى واحد من أشهر الشخصيات السياسية وأكثرها احترامًا في العالم
العربي والقارة الإفريقية.
والأرقام، بحسب النص، تؤكد ذلك.
فإسبانيا أصبحت الدولة الأوروبية التي تحظى بأفضل
صورة لدى الرأي العام العربي، إذ إن ثلاثة وأربعين في المائة من العرب ينظرون
إليها نظرة إيجابية ويؤيدون سياستها الخارجية.
ويرى هؤلاء أن إسبانيا تتبنى موقفًا عادلًا تجاه
العالم العربي والقضية الفلسطينية، مقابل ثلاثة وعشرين في المائة لفرنسا، وثلاثة
وعشرين في المائة لألمانيا، وتسعة عشر في المائة فقط للمملكة المتحدة.
لقد أصبحت إسبانيا دولة تحظى بشعبية واسعة في
العالم العربي وفي دول الجنوب العالمي، ولا سيما بين الشعوب التي تعاني من الظلم
وهيمنة القوى الكبرى.
لقد أصبح بيدرو سانشيز بطلًا، سواء أعجبنا ذلك أم
لم يعجبنا.
يكفي أن نتأمل ما قاله عن فلسطين، عندما أكد أن
إسبانيا لا تمتلك أسلحة نووية لتحرير فلسطين، لكنها ستدعم نضال الشعب الفلسطيني من
أجل الحرية، ولن تؤيد أبدًا الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
لقد قطع سانشيز علاقته السياسية مع بنيامين
نتنياهو، وقاطع إسرائيل، وتحولت إسبانيا إلى مركز واسع للتضامن مع فلسطين.
فمن إسبانيا انطلقت سفن وأساطيل لكسر الحصار
المفروض على غزة، وفي مدنها نُظمت بعض أكبر المظاهرات المؤيدة لفلسطين، كما شهدت
أكبر التحركات المطالبة بإدانة إسرائيل ووقف جرائمها.
وفي المقابل، يتهم النص الجزائر بأنها وافقت على
قرار لدونالد ترامب يضع قطاع غزة تحت سلطة دولية، وينزع سلاح المقاومة الفلسطينية
وحركة حماس، ويعامل الحركة باعتبارها تنظيمًا إرهابيًا، ويمنح إسرائيل موقع
المنتصر.
ويشير النص إلى أن هذا القرار صدر في نهاية نوفمبر
2025، وأن الجزائر صوتت لمصلحته.
أما بيدرو سانشيز فلم يفعل ذلك.
وهكذا أصبح سانشيز بطلًا، بينما تحول تبون، وفق
رؤية صاحب النص، إلى الخائن الحقيقي.
لقد انقلبت الأوضاع تمامًا.
أصبح بيدرو سانشيز شخصية مشهورة ومحبوبة في العالم
العربي وإفريقيا، ويحظى باحترام واسع لدى شعوب البلدان المظلومة، كما أصبح فاعلًا
أساسيًا داخل المجتمع الدولي.
وأدرك نظام تبون أن عداءه لإسبانيا لم يعد له أي
مبرر، ولا يقوم على أي منطق أو أساس معقول.
لقد كانت السياسة التي اتبعها تجاه مدريد عبثية ولا
يمكن استمرارها.
واليوم يُفرش السجاد الأحمر لبيدرو سانشيز،
ويُقدَّم بوصفه صديقًا للجزائر، وتتحول إسبانيا إلى شريك متميز، ويصبح الخطاب
الرسمي:
«نريد تعميق علاقاتنا الثنائية، ونريد تطوير
التعاون، ونريد استعادة الصداقة مع إسبانيا».
لقد انتهت أزمة 2022-2024.
لكن يا له من نفاق!
إنه سلوك مشين صادر عن نظام يفتقر، بحسب صاحب النص،
إلى الأخلاق والمبادئ.
وقد فهم الجزائريون ذلك، وإن كانوا لا يستطيعون
التعبير عنه علنًا بسبب غياب حرية التعبير، وخوفهم من دخول السجن.
لقد أدرك الجزائريون، في ما يتعلق بالملف الإسباني،
ما يعتبره صاحب النص جبنًا ونفاقًا وكذبًا وتناقضًا مرضيًا في مواقف نظام تبون.
لقد افتعل تبون أزمة غير ضرورية مع إسبانيا، رغم أن
الإسبان لم يسيئوا إلى الجزائر.
ولم ترد السلطات الإسبانية على الإهانات
والافتراءات التي صدرت عن النظام الجزائري.
ففي الوقت الذي كانت فيه القنوات العمومية
والإذاعات الرسمية وبعض وسائل الإعلام الخاصة الجزائرية تصف بيدرو سانشيز بالخائن
والفاسد والخاضع للابتزاز، وتزعم أن المغاربة يمتلكون معلومات عن حياته الخاصة
وعلاقاته الجنسية، حافظ الإسبان على هدوئهم.
إنه لأمر مخجل.
واليوم يُفرش له السجاد الأحمر، وتُقدَّم له باقة
من الزهور، ويُقال له:
«أنت صديقنا».
ولماذا حدث هذا التحول؟
لأنه أصبح قائدًا كبيرًا يحظى بمحبة العرب، ولأن
إسبانيا صارت تتمتع بصورة إيجابية في العالم، وفازت بكأس العالم، وأصبحت محبوبة
لدى دول الجنوب العالمي بسبب مواقفها التي يصفها النص بالشجاعة والعادلة تجاه
القضية الفلسطينية وسياسة دونالد ترامب.
يريد النظام الجزائري اليوم الاستفادة من الشعبية
الإسبانية، والظهور كما لو أن الجزائر صديقة للدول والقادة الذين يحظون بصورة
إيجابية في العالم.
لكن الحقيقة، بحسب صاحب النص، أن الجزائر لم تكن
يومًا صديقة لبيدرو سانشيز.
ومن المؤكد أن سانشيز لم ينسَ ما حدث، لكنه يتصرف
بحكمة، ولا يتعامل مع الأزمات السياسية والدبلوماسية بطريقة شخصية وغير ناضجة.
إنه يدافع عن مصالح بلاده.
وقد رأى أن مصلحة إسبانيا تقتضي الاعتراف بمغربية
الصحراء المغربية ، وأن قيام دولة مستقلة في الصحراء المغربية لا يخدم، في رأيه، الأمن الإقليمي ولا أمن
إسبانيا نفسها.
لقد اتخذ قراراته انطلاقًا من مصالح بلده، ولم يرد
على الإهانات، ولم يسيء إلى الجزائر أو الجزائريين.
وخلال الفترة التي حاول فيها النظام الجزائري
ابتزاز إسبانيا ومهاجمتها، واصلت السلطات الإسبانية إنقاذ المهاجرين الجزائريين
غير النظاميين في البحر.
وظلت تقدم لهم المساعدة، وتحترم حقوقهم الأساسية،
وتوفر لهم إمكان الطعن القانوني والعلاج والغذاء، ولم تطردهم بعنف أو بصورة تعسفية.
وفي المقابل، لم تتعرض شخصية عبد المجيد تبون
للإهانة من طرف وسائل الإعلام الإسبانية الرسمية أو الخاصة أو المقربة من بيدرو
سانشيز.
ولم تُطلق ضده حملات تشهير أو احتقار مماثلة.
وللتذكير ببعض محطات الأزمة الجزائرية الإسبانية،
فإن يوم 18 مارس 2022 كان اليوم الذي أعلنت فيه إسبانيا موقفها الداعم للمغرب في
قضية الصحراء المغربية .
وجاء في الموقف الإسباني:
«نعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء المغربية
الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من
أجل حل هذا النزاع».
وردت الجزائر بغضب في 19 مارس 2022، فاستدعت سفيرها
في مدريد، سعيد موسي، للتشاور، قبل أن يُعيَّن لاحقًا سفيرًا في باريس.
كما نددت وزارة الخارجية الجزائرية بما وصفته بأنه
«خيانة تاريخية ثانية ارتكبتها إسبانيا في حق الشعب الصحراوي وفي حق الشعب
الإسباني نفسه».
وانتقد عبد المجيد تبون شخصيًا قرار بيدرو سانشيز،
ووصفه بأنه غير مقبول أخلاقيًا وتاريخيًا.
وعلى الرغم من ذلك، واصلت الجزائر تزويد إسبانيا
بالغاز، لكنها رفعت أسعاره بالنسبة إليها.
وتُعد إسبانيا ثاني أكبر زبون للغاز الجزائري بعد
إيطاليا، إذ تستورد في المتوسط ما بين عشرة وأحد عشر مليار متر مكعب من الغاز، مع
ارتفاع الكمية أو انخفاضها حسب السنوات.
وفي الثامن من يونيو 2022، علقت الجزائر من جانب
واحد معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا، وذلك بعد ساعات قليلة من
تدخل بيدرو سانشيز أمام البرلمان الإسباني، حيث جدد تمسكه بدعم مقترح الحكم الذاتي
المغربي.
وأوضح سانشيز أن موقفه ينسجم مع مصالح إسبانيا.
وفي التاسع من يونيو 2022، جمدت السلطات الجزائرية
بصورة كاملة عمليات التجارة الخارجية مع إسبانيا، فتوقفت الصادرات الإسبانية إلى
الجزائر بين عشية وضحاها.
ولم يعد الإسبان قادرين على بيع منتجاتهم للجزائر
أو شراء منتجات منها، باستثناء الغاز الذي استمرت صادراته، لأن الجزائر كانت في
حاجة إلى العائدات المالية الإسبانية.
كما أن المساس بعقود الغاز كان سيعرض الجزائر
لإجراءات تحكيم دولي ومشكلات كبيرة مع الاتحاد الأوروبي، ويكلفها مبالغ مالية ضخمة.
وقد تكبدت الشركات الإسبانية خسائر تُقدَّر بمئات
الملايين من اليوروهات.
وفي الوقت نفسه، حاول نظام تبون استبدال إسبانيا
بإيطاليا، وجعلها شريكه الاقتصادي والسياسي الأساسي في أوروبا.
وقاطعت الجزائر العديد من المنتجات الإسبانية، ومن
بينها اللحوم وبعض المواد الزراعية.
وأدت الأزمة إلى ارتفاع كبير في أسعار الدواجن داخل
الجزائر، لأن إسبانيا كانت من أهم موردي الكتاكيت والمواد المستخدمة في تغذية
الماشية، فضلًا عن بعض مواد البناء.
وبدأت مرحلة خفض التصعيد في نوفمبر 2023، بعدما
أدرك نظام تبون أن بيدرو سانشيز ما زال يحظى بشعبية داخل إسبانيا، وأنه سيبقى على
رأس الحكومة.
كما أدرك أن الحصار التجاري واستعمال الاقتصاد
وسيلة للضغط لم يحققا أي نتيجة.
لذلك بدأ يراجع موقفه بصورة تدريجية.
وبعد تسعة عشر شهرًا من شغور منصب السفير الجزائري
في مدريد، عيّن تبون سفيرًا جديدًا.
لقد ظلت الجزائر مدة تسعة عشر شهرًا من دون سفير في
إسبانيا، وهو أمر ينساه كثيرون.
وكان لا بد من انتظار يناير 2024 لبدء استئناف جزئي
للتجارة الدولية.
ولم تتحسن العلاقات تحسنًا حقيقيًا إلا في نهاية
سنة 2024، عندما دخلت الجزائر في أزمة مع فرنسا.
عندها أدرك تبون أنه من الضروري التصالح مع مدريد،
حتى لا يجد نفسه مضطرًا إلى إدارة نزاعين في الوقت نفسه مع دولتين أوروبيتين
كبيرتين.
فماذا ربحت الجزائر في نهاية المطاف؟
لا شيء.
وماذا ربح نظام تبون؟
لقد برهن، وفق صاحب النص، على أنه نظام يمارس
الابتزاز، وأنه نظام دكتاتوري لا يتحكم في انفعالاته، ويفتقر إلى النضج السياسي.
لم تحقق الجزائر شيئًا من هذه المواجهة مع إسبانيا،
بينما خرجت إسبانيا منها رابحة.
أما بيدرو سانشيز، فقد ظل محترمًا وثابتًا في
مواقفه، ولم يتراجع أو يساوم، ولم يسيء إلى الجزائر أو الجزائريين.
ولهذا يقول صاحب النص إنه يشكره شخصيًا، ويخاطبه
قائلًا:
«أحسنت يا بيدرو سانشيز. أحسنت على ما تقوم به،
وأحسنت على ما أنت عليه. وشكرًا لأنك أثبتَّ للجزائريين أن في السياسة رجالًا
يختلفون كثيرًا عن عبد المجيد تبون، وأن من يريد حقًا تطوير بلده وإنقاذه وحمايته،
فعليه أن يفعل كل شيء، باستثناء اتباع السياسة التي يمارسها عبد المجيد تبون في
الجزائر العزيزة والتعيسة».







0 التعليقات:
إرسال تعليق