الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يوليو 21، 2026

«الصَّفْحَةُ الْأَخِيرَةُ»: الْقَارِئُ يَخْتَارُ مَصِيرَ الْحِكَايَةِ وَالْكَوْكَبِ: عبده حقي


تَفْتَحُ رِوَايَةُ «الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ» أَبْوَابَهَا أَمَامَ قَارِئٍ لَا يَكْتَفِي بِتَتَبُّعِ الْأَحْدَاثِ، بَلْ يَدْخُلُ إِلَيْهَا بصفته شَرِيكًا فِي صِيَاغَةِ مَسَارِهَا وَتَحْدِيدِ نِهَايَتِهَا. إنَّهَا تَجْرِبَةٌ سَرْدِيَّةٌ تَفَاعُلِيَّةٌ تَضَعُ الْإِنْسَانَ أَمَامَ مَسْؤُولِيَّتِهِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْبِيئِيَّةِ، وَتَجْعَلُ مِنْ كُلِّ اخْتِيَارٍ صَغِيرٍ خُطْوَةً نَحْوَ إِنْقَاذِ الْأَرْضِ أَوْ دَفْعِهَا إِلَى حَافَّةِ الْهَاوِيَةِ.

تبدأ الحكاية في مدينة ساحلية كانت شرفاتها تطل على البحر، قبل أن تتحول أمواجه إلى قوة غاضبة تبتلع الأزقة والمنازل والذكريات. ترتفع درجات الحرارة، تجف الحقول، تهاجر الطيور، ويغادر السكان بيوتهم حاملين حقائب صغيرة وصورًا عائلية فقدت الأمكنة التي التُقطت فيها. وسط هذا المشهد، تظهر بطلة الرواية، وهي عالمة مناخ شابة تدعى «ليان»، تعثر في أرشيف والدها على تقرير سري يتضمن معلومات قادرة على تغيير السياسات البيئية في العالم.

لا تسير الحكاية وفق خط مستقيم يقود إلى خاتمة واحدة. بعد كل فصل، يجد القارئ أمامه مجموعة من القرارات: هل تنشر ليان التقرير كاملًا، رغم التهديدات التي تصلها؟ هل تتعاون مع المؤسسة الصناعية المتهمة بتلويث الساحل؟ هل تقود السكان إلى العصيان المدني؟ هل تثق في نظام ذكي يدّعي امتلاك خطة لإنقاذ المدينة؟ كل قرار يفتح طريقًا جديدًا، ويغلق طرقًا أخرى، ويعيد تشكيل الشخصيات والأماكن والنتائج.

بهذا البناء، تتحول القراءة من فعل تلقٍّ إلى ممارسة للمسؤولية. فالقارئ الذي يطالب البطلة بالمواجهة قد يكتشف أن قراره تسبب في فوضى اجتماعية، والقارئ الذي يختار التفاوض قد يجد نفسه أمام تسوية تُنقذ الاقتصاد وتُبقي التلوث مستمرًا. لا تمنح الرواية حلولًا مريحة، لأنها تنطلق من حقيقة أساسية مفادها أن أزمة المناخ لا تواجهنا بأسئلة بسيطة، ولا تستجيب لقرارات منفصلة عن الاقتصاد والسياسة والعدالة الاجتماعية.

يمثل عنوان «الصفحة الأخيرة» استعارة مزدوجة. فهو يشير أولًا إلى الصفحة التي ينتظر القارئ الوصول إليها لمعرفة مصير الشخصيات، ويشير أيضًا إلى الصفحة الأخيرة من تاريخ بيئي طويل كتبه الإنسان فوق جسد الطبيعة. يصبح السؤال الذي يلاحق القارئ هو: هل وصلت البشرية فعلًا إلى آخر صفحات علاقتها المتوازنة بالأرض، أم ما زالت قادرة على كتابة فصل آخر أكثر عدلًا وحكمة؟

تقوم قوة هذه التجربة على هدم الحدود التقليدية بين المؤلف والمتلقي. فالمؤلف يضع العالم والشخصيات والاحتمالات، لكنه يتنازل عن سلطته المطلقة في تحديد المصير. أما القارئ فيغادر موقع المشاهد، ويكتسب سلطة لا تخلو من القلق. إنه يقرر، ثم يتحمل النتائج الرمزية لقراره، كأن العمل الأدبي يريد أن يقول له إن الاختيارات اليومية في الواقع لا تختلف كثيرًا عن النقر على أحد المسارات داخل الرواية.

قد يختار القارئ، على سبيل المثال، أن تدعم ليان مشروعًا ضخمًا لبناء جدار بحري يحمي المدينة. يبدو القرار منطقيًا في البداية، غير أن الفصول اللاحقة تكشف أن الجدار حوّل المياه نحو قرى فقيرة مجاورة فغرقت بالكامل. هنا ينتقل النقاش من حماية البيئة إلى العدالة المناخية. من يستحق النجاة؟ من يملك الموارد لبناء الحواجز؟ ومن يدفع ثمن القرارات التي تتخذها المدن الغنية؟

وفي مسار آخر، يختار القارئ إجلاء السكان وترك المدينة للبحر. تنجو الأرواح، لكن المجتمع يتفكك، وتضيع الذاكرة المحلية، ويتحول الأهالي إلى لاجئين مناخيين داخل وطنهم. تنشأ أجيال جديدة لا تعرف الأزقة ولا رائحة الميناء ولا أسماء الأشجار التي كانت تحيط بالبيوت. وهكذا تبيّن الرواية أن الكارثة المناخية لا تدمر الحجر وحده، بل تمحو اللغة والهوية والعادات والصلة العاطفية بالمكان.

أما المسار الأكثر إثارة، فيرتبط بنظام للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «غايا»، جرى تصميمه لتحليل ملايين البيانات المناخية واقتراح الحلول المثلى. يقدم النظام خطة صارمة تقوم على إغلاق المصانع، وتقنين استهلاك الماء، ومنع التنقل الفردي، وإعادة توزيع السكان. تبدو الخطة فعالة من الناحية العلمية، لكنها تثير سؤالًا أخلاقيًا عميقًا: هل يحق لخوارزمية أن تفرض على البشر شكل حياتهم باسم حماية الكوكب؟ وهل يمكن إنقاذ الطبيعة بوسائل تسلب الإنسان حريته؟

تمنح هذه الحبكة للرواية بعدًا يتجاوز الخطاب البيئي المباشر، لأنها تربط تغير المناخ بتحولات التكنولوجيا والسلطة وصناعة القرار. فالمستقبل لا يتحدد فقط بنسبة انبعاثات الكربون، بل يتحدد أيضًا بمن يمتلك البيانات، ومن يصمم الخوارزميات، ومن يقرر معنى التضحية المقبولة، ومن يُستبعد من طاولة النقاش.

لا يقرأ القارئ أرقامًا وتقارير علمية جافة، بل يرى آثار الأزمة في حياة أشخاص عاديين. صياد مسن يفقد قاربه، وطفلة ترسم منزلًا غارقًا، ومزارعة تحتفظ في صندوق صغير ببذور لم تعد التربة قادرة على إنباتها، وشاب يحاول بيع الهواء النقي في عبوات للسياح الأثرياء. يتحول المناخ من مفهوم علمي بعيد إلى ألم يومي يسكن الطعام والبيت والذاكرة والجسد.

وتتعدد نهايات العمل بحسب المسارات المختارة. توجد نهاية تنتصر فيها المدينة بعد تحالف السكان والعلماء والفنانين. وهناك نهاية يتحول فيها الساحل إلى منطقة مهجورة لا تسكنها إلا الطائرات الآلية. ونهاية أخرى تنجح فيها الشركات في إخفاء التقرير، فتستمر الحياة بصورة طبيعية لسنوات قليلة قبل الانهيار الكبير. كما توجد نهاية مفتوحة تظهر فيها صفحة بيضاء، ويُطلب من القارئ أن يكتب بنفسه الفقرة الختامية.

تلك الصفحة البيضاء هي أكثر النهايات قوة، لأنها تنقل الرواية من الشاشة إلى الواقع. لا يعود القارئ مطالبًا باختيار زر جاهز، بل يصبح مدعوًا إلى التفكير في السلوك الذي يمكنه اتخاذه خارج النص. ماذا يستهلك؟ ماذا يهدر؟ أي سياسات يدعم؟ وأي عالم يريد تركه للأجيال القادمة؟

لا تدّعي «الصفحة الأخيرة» أن الأدب يستطيع بمفرده إيقاف الاحتباس الحراري أو إنقاذ الغابات والبحار، لكنه يستطيع إعادة تشكيل وعينا بالخطر. يستطيع أن يحول المعلومة إلى إحساس، والإحصاء إلى وجه إنساني، والتحذير إلى تجربة شخصية. فالناس قد ينسون الأرقام، لكنهم يتذكرون شخصية أحبوها، ومدينة خافوا عليها، وقرارًا اتخذوه داخل قصة ثم ندموا على عواقبه.

إن الرواية التفاعلية في هذا المشروع لا تقدم لعبة إلكترونية مغلفة بلغة أدبية، بل تقترح شكلًا جديدًا للكتابة يجعل القارئ مختبرًا داخل النص. تتغير الحكاية تحت أصابعه، غير أن السؤال الحقيقي يبقى معلقًا فوق حياته: إذا كان قادرًا على اختيار نهاية القصة، فهل يملك الشجاعة للمشاركة في اختيار نهاية مختلفة لأزمة المناخ؟

ليست الصفحة الأخيرة مكانًا ثابتًا في نهاية الكتاب، بل احتمالًا يتشكل مع كل قرار بشري. قد تكون إعلانًا عن سقوط عالم أنهكته الأنانية، وقد تصبح بداية جديدة لمصالحة الإنسان مع الأرض. وبين الاحتمالين يقف القارئ، لا بوصفه شاهدًا بريئًا، بل بصفته أحد الذين يكتبون النهاية.



0 التعليقات: