الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أغسطس 12، 2026

حقوق الإنسان بين الاعتقال والتضييق والهجرة والنزاعات من شمال إفريقيا إلى أوروبا: إعداد عبده حقي


تكشف متابعة التقارير الحقوقية والأخبار المنشورة خلال الفترة الممتدة تقريبًا من أواخر يوليو إلى 12 أغسطس 2026 أن أوضاع حقوق الإنسان في عدد من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا ما تزال محكومة بتوتر واضح بين ضرورات الأمن، كما تقدمها الحكومات، وبين الالتزامات الدولية المتعلقة بحرية التعبير والمحاكمة العادلة وحرية المعتقد وحماية المدنيين والمهاجرين. وتتباين الوقائع من بلد إلى آخر، لكن خيطًا مشتركًا يربط بينها: اتساع استخدام أدوات قانونية وأمنية استثنائية في مواجهة الصحافيين والنشطاء والمعارضين والمهاجرين، إلى جانب استمرار تأثير النزاعات المسلحة في الحقوق الأساسية للمدنيين.

الجزائر: قضية حسن بوراس تعيد الاعتقال التعسفي إلى الواجهة

في الجزائر، بقي ملف الصحافي والمدافع عن حقوق الإنسان حسن بوراس واحدًا من أبرز الملفات التي تثير اهتمام الهيئات الحقوقية الدولية. فقد كان خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة قد أعربوا في 10 يوليو 2026 عن قلقهم العميق بشأن استمرار احتجازه، ووصفوه بأنه احتجاز تعسفي، وطالبوا بالإفراج عنه، خصوصًا في ضوء المخاطر التي يمكن أن تترتب عن إضرابه عن الطعام وحالته الصحية

وتجدد الملف مطلع أغسطس، إذ نشرت منظمة «شعاع لحقوق الإنسان» في 4 أغسطس تحليلًا لرد الحكومة الجزائرية على المراسلات المتعلقة بقضيته، معتبرة أن الرد، من وجهة نظرها، لم يفند المعطيات المتعلقة بالانتهاكات التي أثيرت بشأن اعتقاله. وتبقى هذه الخلاصات موقفًا للمنظمة الحقوقية ينبغي نسبته إليها، لكنها تعكس استمرار الجدل حول الضمانات القانونية للمحاكمة وحرية الصحافة في الجزائر

وكانت منظمة العفو الدولية قد أشارت قبل ذلك إلى أن بوراس دخل في إضراب مفتوح عن الطعام منذ 3 مايو 2026 احتجاجًا على اعتقاله، وطالبت بتمكينه من الرعاية الصحية الملائمة والإفراج عنه. وتعيد هذه القضية طرح إشكالية أوسع تتعلق باستخدام قوانين الأمن والإرهاب ونشر «الأخبار الكاذبة» في قضايا ذات صلة بالتعبير السياسي أو الصحافي.

تونس: الصحافة والمجتمع المدني تحت ضغط متزايد

أما تونس، فتواصل منظمات حقوقية محلية ودولية التحذير من تقلص المجال المتاح للصحافة المستقلة والمجتمع المدني. وفي 30 يوليو 2026 أصدرت منظمات حقوقية نداء يتعلق بسجن صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، مستحضرة خصوصًا قضية الصحافي زياد الهاني، أحد مؤسسي النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين. وكان قد حُكم عليه في 7 مايو 2026 بالسجن سنة بسبب منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي تنتقد السلطات، ثم أيدت محكمة الاستئناف الحكم في 26 يونيو

وترى المنظمات المدافعة عن حرية الصحافة أن إحدى المشكلات الأساسية تكمن في ملاحقة صحافيين بمقتضى تشريعات جنائية خارج الإطار القانوني الخاص بحرية الصحافة، إضافة إلى الاستخدام المتزايد للمرسوم 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. وتندرج هذه الحالات ضمن سياق أوسع قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2026 إنه شهد تقلصًا مستمرًا للمجال المدني وملاحقات لناشطين وصحافيين ومعارضين

وكانت تطورات يونيو قد شملت أيضًا أحكامًا ثقيلة بحق شخصيات حقوقية، من بينها الناشطة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح، والحقوقية ورئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سابقًا سهام بن سدرين، وهو ما اعتبرته منظمات ونشطاء جزءًا من أزمة أوسع تمس استقلال القضاء والحريات السياسية

ليبيا: القتل والتعذيب والإخفاء القسري وطرق الهجرة

تكشف ليبيا خلال الأيام الأخيرة صورة مختلفة وأكثر ارتباطًا بتعدد الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة وضعف آليات المحاسبة. فقد أصدرت منظمة رصد الجرائم في ليبيا في 5 أغسطس تقريرها عن انتهاكات يوليو 2026، وقالت إنها وثقت حالات قتل خارج نطاق القانون وتعذيب واعتقال تعسفي وإخفاء قسري في مناطق شرقية وغربية من البلاد

ووفق التقرير، وثقت المنظمة مقتل رجلين بعد تعرضهما، بحسب تحقيقاتها، للتعذيب عقب اعتقالهما تعسفيًا في طرابلس، فضلًا عن حالات اعتقال واختفاء قسري في طرابلس وبنغازي وسرت والخمس. كما استمرت قضية النائبة سهام سرقيوة، المختفية منذ سبع سنوات، في تمثيل أحد أبرز رموز ملف الاختفاء القسري في البلاد

وتتقاطع أزمة حقوق الإنسان الليبية بقوة مع ملف المهاجرين. فقد وثق التقرير نفسه العثور خلال يوليو على سبع جثث مجهولة الهوية يُعتقد أنها لمهاجرين على سواحل الزاوية وصبراتة. وتأتي هذه المعطيات في سياق انتقادات حقوقية متواصلة لاحتجاز المهاجرين وللتعاون الأوروبي مع أجهزة ليبية تتهمها منظمات دولية بالتورط في انتهاكات. وكانت 31 منظمة، من بينها هيومن رايتس ووتش، قد طالبت الاتحاد الأوروبي في يوليو بمراجعة تعاونه مع السلطات الليبية في مجال ضبط الهجرة.2026

مصر: الاعتقال بسبب النشاط الرقمي ومخاوف تتعلق بحرية المعتقد

في مصر، تبرز خلال الأسابيع الأخيرة بوضوح العلاقة بين الحقوق الرقمية والسياسة الأمنية. فقد قالت منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته في 21 يوليو إن أجهزة الأمن ألقت القبض منذ أواخر مايو على ما لا يقل عن خمسين شخصًا، بينهم تسع نساء، بسبب صلتهم بمجموعة «Gen Z002» على منصة ديسكورد، وهي مجموعة كانت تناقش قضايا سياسية واجتماعية وتنتقد الحكومة

وقالت المنظمة إنها حققت في حالات ستة رجال اعتُقلوا من منازلهم أو أماكن عملهم وتعرضوا للاختفاء القسري لمدة تراوحت، بحسبها، بين ستة وأربعين يومًا، بينما أفادت بأن شخصًا واحدًا على الأقل تعرض للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة. وفتحت نيابة أمن الدولة العليا تحقيقات بحق المعتقلين في قضايا تضمنت اتهامات مرتبطة بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة.

وفي تطور أحدث بتاريخ 11 أغسطس 2026، أصدرت مجموعة من المنظمات الحقوقية بيانًا طالبت فيه بالإفراج عن أشخاص قالت إنهم اعتُقلوا على خلفية انتمائهم إلى المذهب الشيعي، ومن بينهم الصحافي محمد حيدر قنديل. ووفق البيان، تعرض 36 شخصًا للتحقيق بين 14 و20 يوليو، وأُبقي معظمهم رهن الاحتجاز، بينما أثار تركيز التحقيقات، بحسب المنظمات الموقعة، على معتقداتهم الدينية ومشاركتهم في تجمعات مرتبطة بعاشوراء مخاوف بشأن حرية الدين والمعتقد.

وهذه حالة ينبغي التعامل معها بدقة: فالبيانات المتعلقة بالدافع الديني للاعتقالات صادرة عن منظمات حقوقية وليست حكمًا قضائيًا مستقلاً، لكنها تمثل اتهامًا جديًا يتطلب تحقيقًا شفافًا وإتاحة ضمانات المحاكمة العادلة.

الشرق الأوسط العربي: المدنيون والصحافيون والرعاية الطبية في قلب الانتهاكات

في المشرق العربي تبقى النزاعات المسلحة المصدر الأخطر للانتهاكات. وفي 6 أغسطس نشرت هيومن رايتس ووتش نتائج تحقيقها في الهجوم الإسرائيلي الذي وقع في بلدة الطيري بجنوب لبنان في 22 أبريل 2026 وأدى إلى مقتل الصحافية أمل خليل وإصابة المصورة الصحافية زينب فرج إصابة بالغة. وقالت المنظمة إن الأدلة التي راجعتها تشير إلى أن الهجمات تضمنت استهدافًا متعمدًا على ما يبدو لمدنيين، وهو ما قد يشكل جريمة حرب.

واستند التحقيق، بحسب المنظمة، إلى صور ومقاطع فيديو وشهادات وطلب «عدم الاشتباك» الذي أرسله الصليب الأحمر اللبناني عبر اليونيفيل، وقالت إن هذه المعطيات تشير إلى أن القوات الإسرائيلية كانت تعلم أو كان ينبغي أن تعلم بوجود صحافيتين مدنيتين في الموقع. وذكرت كذلك أن جهود الإنقاذ تعرضت للعراقلة. إسرائيل، من جهتها، تقول إنها لا تستهدف الصحافيين عمدًا، ما يجعل التحقيق المستقل والمحاسبة عنصرين أساسيين في حسم المسؤوليات القانونية

وفي الضفة الغربية كشفت هيومن رايتس ووتش في 5 أغسطس عن حالة أخرى ترتبط بالحق في الصحة. فقد قالت إن إغلاق الطرق والحواجز الإسرائيلية أخّر في 27 يوليو سيارة إسعاف كانت تنقل امرأة فلسطينية حاملًا في حالة خطرة إلى مستشفى في نابلس. ولم ينجُ الجنين بعد عملية ولادة طارئة، كما قالت المنظمة إن الجنود أرغموا طاقم الإسعاف على إيقاف المعدات الطبية لمدة عشرين دقيقة على الأقل. وأشارت إلى أن منظمة الصحة العالمية سجلت خمسين حالة تأخير للرعاية الصحية في الضفة الغربية بين يناير ويونيو 2026

وفي اليمن يستمر ملف الصحافيين والمختفين والمحتجزين في ظل أطراف النزاع المختلفة. وكانت هيومن رايتس ووتش قد جددت في 26 يوليو الدعوة إلى إنهاء الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، مشيرة إلى توثيق حالات قتل واختفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة نُسبت إلى أطراف متعددة، بينها الحوثيون والمجلس الانتقالي الجنوبي وسلطات الحكومة اليمنية

ومع ذلك، شهدت المنطقة أيضًا تطورًا إيجابيًا لافتًا في 11 أغسطس 2026، إذ أقر لبنان إلغاء عقوبة الإعدام واستبدال أحكامها بعقوبات السجن المؤبد، بعد أكثر من عقدين من وقف التنفيذ فعليًا. وقد رحبت منظمات حقوقية والاتحاد الأوروبي بهذه الخطوة باعتبارها تعزيزًا قانونيًا للحق في الحياة.

أوروبا: الهجرة وحق اللجوء وحرية التظاهر

تحولت أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة إلى واحد من أكبر اختبارات حقوق الإنسان على الحدود الأوروبية خلال مطلع أغسطس. ففي 3 أغسطس طالبت منظمة العفو الدولية الدول الأوروبية بالتعامل الإنساني مع الأزمة، محذرة من استخدام لغة تصف المهاجرين باعتبارهم «غزاة» ومن تحويل الأزمة إلى مبرر لتوسيع سياسات الطرد وإغلاق الحدود

وقالت المنظمة إن ما لا يقل عن 72 شخصًا فقدوا حياتهم خلال محاولة الوصول إلى الأراضي الأوروبية، وإن آلاف الأشخاص وجدوا أنفسهم في ظروف إنسانية صعبة. كما شددت على واجب السلطات الإسبانية والمغربية ضمان إمكانية طلب اللجوء، والامتناع عن عمليات الطرد الجماعية، وتوفير المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

أما في بريطانيا، فعادت حرية التظاهر إلى قلب الجدل الحقوقي. ففي تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش في 5 أغسطس، انتقدت المنظمة تصنيف حركة «Palestine Action» منظمة إرهابية، وقالت إن أكثر من ثلاثة آلاف متظاهر سلمي اعتُقلوا منذ تطبيق التصنيف بسبب إظهار الدعم للحركة. وكانت الحركة قد حصلت في 30 يوليو على إذن بالطعن أمام المحكمة العليا البريطانية في قرار تصنيفها

وترى المنظمة أن القانون ينبغي أن يميز بوضوح بين الأفعال الإجرامية المحددة، التي يمكن ملاحقة مرتكبيها جنائيًا، وبين التعبير السياسي السلمي أو الاحتجاج، محذرة من أن توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل أنشطة احتجاجية يمكن أن يؤدي إلى تقليص خطير للحق في التجمع والتعبير

خلاصة: الجغرافيا تتغير وأدوات التضييق تتشابه

تكشف حصيلة هذه الأيام أن الانتهاكات لا تتخذ صورة واحدة. ففي الجزائر وتونس ومصر يتركز جانب كبير من المخاوف الحقوقية حول حرية التعبير والاعتقال والمحاكمة والفضاء الرقمي والمجتمع المدني. وفي ليبيا تتشابك الاعتقالات والإخفاء القسري والتعذيب مع سلطة الجماعات المسلحة ومأساة المهاجرين. وفي فلسطين ولبنان واليمن تصبح قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والصحافيين والطواقم الطبية في صميم النقاش. أما أوروبا، فتجد نفسها أمام اختبار متزايد الصعوبة يتعلق بالتوفيق بين إدارة الحدود والهجرة والأمن من جهة، وحماية حق اللجوء والتظاهر وعدم التمييز من جهة أخرى

والمهم في قراءة هذه الوقائع ألا تتحول حقوق الإنسان إلى أداة انتقائية تُستخدم لإدانة خصم سياسي أو دولة بعينها ثم تُهمَل في مكان آخر. المعيار الحقوقي يفقد معناه متى تغير بتغير الجغرافيا أو التحالفات. حماية الصحافي في الجزائر أو تونس يجب أن تستند إلى المبدأ نفسه الذي يحميه في لبنان؛ ورفض التعذيب والإخفاء القسري في ليبيا ومصر ينبغي أن يوازي رفض الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين أو عرقلة سيارات الإسعاف؛ كما أن حماية حدود أوروبا لا تلغي التزاماتها المتعلقة باللجوء وعدم الإعادة القسرية.

إن حصيلة الأيام الأخيرة تؤكد، مرة أخرى، أن التحدي الأكبر ليس نقص المواثيق الدولية، بل الفجوة المستمرة بين النص القانوني وممارسة السلطة. وقياس تقدم الدول في مجال حقوق الإنسان لا يبدأ من الخطابات الرسمية وحدها، وإنما من سؤال أكثر بساطة وصرامة: ما مقدار الحماية التي يحصل عليها الإنسان عندما يكون صحافيًا ينتقد، أو متظاهرًا يعترض، أو معتقلًا بلا نفوذ، أو مهاجرًا بلا أوراق، أو مدنيًا عالقًا تحت نيران الحرب؟


 

0 التعليقات: