الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أغسطس 10، 2026

مرافعة بين كاتبين: الذاكرة في مواجهة الخوارزمية: إعداد عبده حقي


جلس الكاتبان متقابلين، لا يفصل بينهما سوى طاولة صغيرة، فوقها أوراق بيضاء، وحاسوب مفتوح يضيء شاشته مثل عين ثالثة دخلت فجأة إلى تاريخ الكتابة.

قال الكاتب التقليدي:

ــ أنا لا أخشى الآلة، لكنني أخشى أن تتحول الكتابة على يديها إلى صناعة بلا جرح. أكتب بما حفظته ذاكرتي من طفولة ووجوه وروائح وأصوات وخيبات. كل جملة عندي تمر أولًا عبر حياتي، وكل استعارة تدفع ثمنها من سنواتي. لا أستدعي نصي بضغطة زر، بل أطارده أحيانًا أيامًا، وربما شهورًا. أترك العبارة تنضج في رأسي حتى تصبح جزءًا مني، ثم أكتبها.

رفع الكاتب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي عينيه عن الشاشة وقال:

ــ وأنت تفترض أن المعاناة شرط للجودة، وأن البطء فضيلة في ذاته. لماذا يجب أن يظل الكاتب أسير ذاكرته المحدودة؟ أليست الكتب نفسها امتدادًا صناعيًا لذاكرة الإنسان؟ أليست القواميس والموسوعات ومحركات البحث أدوات خارجية استعملها الكتّاب قبلي وقبلك؟ أنا فقط أعيش مرحلة جديدة من تاريخ الأدوات.

قال التقليدي:

ــ هناك فرق بين أن تبحث عن معلومة وأن تطلب من آلة أن تقترح عليك جملة، أو صورة، أو حبكة، أو حتى نصًا كاملًا. في الحالة الأولى تظل أنت الكاتب، أما في الثانية فإن الحدود تصبح مضطربة: من كتب فعلًا؟ أنت أم الخوارزمية؟

ابتسم الآخر:

ــ سؤال المؤلف أقدم من الذكاء الاصطناعي. من يكتب الرواية؟ الكاتب وحده؟ أم الكتب التي قرأها؟ أم اللغة التي ورثها؟ أم المدينة؟ أم الحب؟ أم الصدمات؟ نحن جميعًا نكتب بواسطة أشياء كثيرة لا نملكها بالكامل. الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليّ ليس مؤلفًا، بل ورشة احتمالات. هو يقترح، وأنا أختار. هو ينتج عشرين طريقًا، وأنا أحدد أيها يليق بصوتي.

قال التقليدي:

ــ ولكن الخطر يبدأ من هذه العبارة نفسها: "هو يقترح". في الكتابة التقليدية، الاقتراح ينبثق من الداخل، من ذاكرة الكاتب وخياله ولغته الخاصة. أما أنت فتسمح لجهاز مدرَّب على ملايين النصوص أن يتسلل إلى منطقة كانت تسمى يومًا "الصوت الشخصي". أخشى أن نصوص المستقبل ستصبح شديدة الصقل، كثيرة البلاغة، لكنها متشابهة مثل واجهات الفنادق الدولية.

أجابه الكاتب الهجين:

ــ والخطر المقابل أن تتحول "الأصالة" إلى أسطورة نرجسية. كم من كاتب تقليدي أعاد كتابة الكتب التي قرأها وهو يعتقد أنه يكتب ذاته؟ كم من استعارة نظنها خاصة بنا، بينما هي مستودعة في الذاكرة منذ قراءة بعيدة لا نتذكرها؟ الذكاء الاصطناعي على الأقل يجعلني واعيًا بأن النص يولد داخل شبكة من النصوص.

قال التقليدي:

ــ لكنه يسهّل عليك الطريق أكثر مما ينبغي.

ــ وهل يجب أن تكون الكتابة شاقة كي تصبح حقيقية؟

ــ ليس بالضرورة، لكن المقاومة جزء من اكتشاف الأسلوب. عندما أتردد بين كلمتين عشر دقائق، يحدث شيء في ذهني. أنا لا أبحث فقط عن كلمة، بل أتعلم من التردد من أكون. الأخطاء، الشطب، التلعثم، الفشل، كلها مختبرات يتكون فيها الكاتب. ماذا يحدث عندما توفر لك الآلة فورًا عشر صيغ سليمة؟

قال مستخدم الذكاء الاصطناعي:

ــ يحدث أن أتفرغ لطبقة أخرى من الكتابة. بدل أن أستهلك وقتي كله في إنتاج الاحتمالات، أستهلكه في نقدها. تغير دوري من صانع لكل حجر إلى مهندس للبناء كله.

هز التقليدي رأسه:

ــ هنا مكمن اعتراضي. أنت تنتقل من الكتابة إلى الإدارة.

قال الآخر:

ــ وربما تنتقل الكتابة نفسها من مفهوم قديم إلى مفهوم جديد.

ساد الصمت لحظة.

ثم قال الكاتب التقليدي:

ــ سأطرح عليك سؤالًا بسيطًا: إذا كتبت آلة لك قصة عن وفاة أم، فهل يمكن أن تكون القصة مساوية لنص كتبه شخص عاش الفقد؟

قال الكاتب الهجين:

ــ الآلة لا تفقد أمًّا، وهذا صحيح. لكنها قد تساعد الكاتب الذي فقد أمه على العثور على بناء لم يكن قادرًا على رؤيته وسط ألمه. التجربة إنسانية، أما الصياغة فيمكن أن تستفيد من أداة. لا أطلب من الآلة أن تحزن بدلًا مني، بل ربما أطلب منها أن تساعدني على ترتيب ما لا أستطيع ترتيبه.

قال التقليدي:

ــ لكن كثرة الاعتماد عليها قد تضعف عضلة اللغة نفسها. كما تضعف الذاكرة عندما نعتمد كليًا على الهاتف. الكاتب الذي لا يكتب جملة من تلقاء نفسه سيصبح بعد أعوام محررًا لنصوص الآلة، لا كاتبًا.

أجاب الآخر:

ــ أتفق معك هنا جزئيًا. الاستعمال الكسول خطر حقيقي. من يطلب نصًا ويأخذه كما هو قد يتنازل تدريجيًا عن صوته. لكن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في شكل استعماله. النار تطبخ وتحرق. الكاميرا صنعت فنًا عظيمًا وصورًا تافهة. الأمر نفسه سيحدث مع الذكاء الاصطناعي.

قال التقليدي:

ــ إذن أنت تقر بأن هناك كتابة آلية رديئة؟

ــ بالطبع. وأقر أيضًا بأن هناك كتابة بشرية رديئة عمرها آلاف السنين.

ضحك الاثنان.

قال التقليدي:

ــ لنعد إلى الأصالة. عندما أكتب جملة غريبة، أعرف أنها جاءت من تراكم حياتي. أما أنت فكيف تضمن أن اقتراح الآلة ليس مجرد تركيب جديد لعبارات آلاف الكتّاب؟

قال الآخر:

ــ وهل اللغة التي تكتب بها أنت ملكك؟ الكلمات كلها جاءت من السابقين. الأصالة ليست خلق الكلمات من عدم، بل الطريقة التي نضع بها الكلمات داخل تجربة جديدة. إذا استخدمت اقتراحًا آليًا من دون أن أمرره عبر حساسيتي النقدية، فأنا مجرد مستخدم. أما إذا فككته وغيّرته ورفضت نصفه وربطته بعالمي، فإنني أمارس فعلًا تأليفيًا.

قال التقليدي:

ــ ولكن ما اسم هذا المؤلف الجديد إذن؟

ــ الكاتب الهجين.

ــ تسمية مراوغة.

ــ بل دقيقة. إنه كاتب يعترف بأن الكتابة أصبحت تعاونًا بين الذاكرة البشرية والذاكرة الاصطناعية، بين التجربة والخوارزمية، بين الحدس والحساب.

قال التقليدي:

ــ وأنا أرى أن في هذا التعاون خللًا في ميزان القوة. أنت تجلس أمام نظام قادر على إنتاج آلاف الصفحات في دقائق. سرعته قد تسحق بطء الإنسان.

قال الهجين:

ــ لكنها لا تستطيع أن تقرر وحدها أي صفحة تستحق البقاء. السرعة ليست حكمًا جماليًا. يمكن لآلة أن تنتج ألف قصيدة في دقيقة، لكن هذا لا يعني أن واحدة منها ستصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية. القيمة لا تأتي من عدد الكلمات، بل من علاقتها بالإنسان الذي يقرأها.

قال التقليدي:

ــ وماذا عن القارئ؟ أليس من حقه أن يعرف إن كان النص مكتوبًا بذاكرة إنسان أم بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟

قال الآخر:

ــ في بعض السياقات نعم، خصوصًا عندما تكون مسألة التأليف جزءًا من التعاقد الأخلاقي مع القارئ: البحث العلمي، الصحافة، المسابقات، التعليم، وربما بعض الأشكال الأدبية. الشفافية ستصبح جزءًا من أخلاق الكتابة الجديدة.

قال التقليدي:

ــ إذن نحن أمام مشكلة أخلاقية، لا تقنية فقط.

ــ بالتأكيد. السؤال لم يعد: هل نستعمل الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستعمله من دون أن نمحو المسؤولية البشرية؟

قال التقليدي:

ــ أخشى عالمًا ينشر فيه الجميع روايات وكتبًا لأن الآلة جعلت الإنتاج سهلًا.

أجابه الآخر:

ــ وأنا أخشى عالمًا يمنع فيه حراس الأدب أدوات جديدة فقط لأنهم لم يتعلموا استعمالها. كثرة النصوص ستفرض نقدًا أكثر صرامة، لا حنينًا أكثر شراسة.

قال التقليدي:

ــ ستغرق المكتبات بالنصوص.

ــ وربما ستظهر أنظمة جديدة للفرز والنقد.

ــ وقد يصبح النقد نفسه آليًا.

ــ عندها سيصبح دور الإنسان أكثر صعوبة، لا أقل أهمية.

قال التقليدي:

ــ لماذا؟

ــ لأن قيمة الإنسان لن تبقى في قدرته على إنتاج اللغة فقط، فالآلة أصبحت تفعل ذلك. ستصبح قيمته في الاختيار، والمسؤولية، والموقف، والتجربة، والشك، والقدرة على قول: هذه الجملة صحيحة لغويًا، لكنها ليست أنا.

تأمل الكاتب التقليدي العبارة طويلًا.

ثم قال:

ــ ربما هذه أجمل جملة قلتها.

سأله الآخر مازحًا:

ــ أتظن أن الآلة اقترحتها عليّ؟

ــ لا أدري، وهذه هي المشكلة.

ضحكا مرة أخرى.

ثم أغلق الكاتب الهجين الحاسوب وقال:

ــ وهذه ربما هي المشكلة الجديدة للأدب كله: لن نستطيع دائمًا معرفة من أين جاءت الجملة.

رد التقليدي:

ــ بل ربما سيكون السؤال الأهم: من يتحمل مسؤوليتها؟

صمت الكاتب الهجين.

قال التقليدي:

ــ أنا لا أعارض أن تستعمل الذكاء الاصطناعي. أعارض فقط أن تتحول من كاتب يستخدم أداة إلى أداة تستخدم كاتبًا.

أجابه الآخر:

ــ وأنا لا أعارض أن تكتب بذاكرتك وحدها. أعارض أن تجعل من عزلتك معيارًا أخلاقيًا تحاكم به مستقبل الكتابة.

ثم أعاد فتح الحاسوب.

قال التقليدي:

ــ ماذا تفعل؟

ــ سأطلب من الذكاء الاصطناعي أن ينتقد حججي.

ضحك التقليدي وقال:

ــ وأنا سأعود إلى البيت وأترك ذاكرتي تنتقد حججي.

وقبل أن يفترقا، اتفقا على شيء واحد فقط:

إن المعركة الحقيقية ليست بين الكاتب والآلة، ولا بين الذاكرة والخوارزمية، وإنما بين كاتب يظل مسؤولًا عن نصه، وكاتب يتنازل شيئًا فشيئًا عن هذه المسؤولية.

فالذكاء الاصطناعي قد يوسع قدرة الكاتب، وقد يختصر زمن البحث، وقد يقترح مسالك لغوية وسردية لم تخطر له، لكنه لا يستطيع أن يمنحه سيرة عاشها، ولا موتًا بكاه، ولا وطنًا اشتاق إليه، ولا موقفًا أخلاقيًا دفع ثمنه.

وفي المقابل، لا تستطيع الذاكرة البشرية وحدها أن تظل تتصرف وكأن العالم لم يتغير.

ربما سيظل الكاتب التقليدي يحفر نصه ببطء في صخر التجربة.

وربما سيكتب الكاتب الهجين وهو محاط بآلاف الاحتمالات التي تفتحها الخوارزمية.

لكن القيمة الأدبية ستظل تُحسم في النهاية عند النقطة نفسها:

هل عبر إنسان من هذه الكلمات، أم مرّت الكلمات وحدها؟


0 التعليقات: