الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أغسطس 11، 2026

المغرب وإسرائيل: اقتصاد المصالح بوصفه امتدادًا لسياسة السيادة: عبده حقي


تستحق العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسرائيل أن تُقرأ بعيدًا عن ثنائية الحماس والرفض التي كثيرًا ما تختزل العلاقات الدولية في المواقف الأيديولوجية. فالدول لا تبني استراتيجياتها الاقتصادية على العواطف وحدها، وإنما على سؤال أكثر واقعية: ماذا يمكن أن تضيف هذه العلاقة إلى الاقتصاد الوطني، وإلى قدرته التكنولوجية والصناعية، وإلى موقعه داخل شبكات التجارة والاستثمار الدولية؟

من هذه الزاوية تحديدًا تبدو المقاربة المغربية مختلفة. الرباط لم تتعامل مع استئناف العلاقات مع إسرائيل سنة 2020 باعتباره مجرد حدث دبلوماسي، بل بدأت تدريجيًا في تحويل القناة السياسية إلى بنية اقتصادية ومؤسساتية. وفي فبراير 2022 وقع البلدان اتفاقًا للتعاون الاقتصادي والتجاري استهدف تطوير المبادلات، وإزالة بعض العوائق التجارية، وتشجيع التعاون بين الفاعلين الاقتصاديين، مع طموح معلن آنذاك للوصول إلى نحو 500 مليون دولار من التجارة السنوية خلال خمس سنوات. 

الأرقام، وإن كانت لا تزال بعيدة عن ذلك السقف الطموح، تكشف أن المسار لم يبق حبرًا على ورق. فوفق بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي التي جمعها تقرير حديث حول اتفاقيات أبراهام، ارتفعت المبادلات السلعية بين المغرب وإسرائيل من نحو 22.6 مليون دولار سنة 2020 إلى 41.8 مليونًا في 2021، ثم 56.2 مليونًا في 2022، و78.7 مليونًا في 2023، و109.9 ملايين في 2024، قبل أن تصل إلى 128.2 مليون دولار سنة 2025. أي أن قيمة التجارة تضاعفت أكثر من خمس مرات مقارنة بعام 2020. وهذه الأرقام لا تشمل الخدمات والاستثمارات وبعض المبادلات الأخرى، وهو ما يعني أن الصورة الاقتصادية الفعلية أوسع من تجارة السلع وحدها.

والمثير للانتباه أن الزخم استمر إلى سنة 2026؛ إذ تشير البيانات المنشورة إلى بلوغ التجارة الثنائية نحو 70.6 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، بزيادة تقارب 58 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من 2025. (

هذه الأرقام مهمة، لكن الأهم في تقديري هو نوع السياسة التي أنتجتها.

المغرب لا يبحث فقط عن سوق إضافية لبعض المنتجات، بل يسعى إلى إدخال العلاقة مع إسرائيل ضمن هندسة أوسع لتنويع شركائه الاقتصاديين والتكنولوجيين. الاقتصاد المغربي مرتبط تاريخيًا بأوروبا، ومنفتح بقوة على إفريقيا، ويرتبط باتفاق للتبادل الحر مع الولايات المتحدة، ويعزز في الوقت ذاته علاقاته مع الصين ودول الخليج وبريطانيا وغيرها. إدخال إسرائيل إلى هذه الشبكة يعني إضافة اقتصاد يتميز بقوة خاصة في الابتكار والتكنولوجيا والزراعة المتقدمة وإدارة المياه والاقتصاد الرقمي إلى قائمة الشركاء المحتملين للمملكة. وقد أظهرت الدراسات المبكرة للعلاقات الاقتصادية بعد 2020 أن قطاعات التكنولوجيا والطاقات المتجددة والزراعة والسياحة كانت ضمن أبرز المجالات المرشحة للتعاون. 

لكن النجاعة المغربية تظهر كذلك في الانتقال من العلاقات الظرفية إلى المأسسة الاقتصادية.

ففي 2025 دخل ملف النقل البحري مرحلة جديدة بعد موافقة الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ اتفاق النقل البحري الموقع سابقًا في الرباط، كما عُيّن أول ملحق اقتصادي إسرائيلي دائم في الرباط بهدف دعم التجارة والاستثمار والعلاقات بين رجال الأعمال. وبغض النظر عن تقييم كل طرف لهذه الخطوات سياسيًا، فإنها تعني اقتصاديًا أن العلاقات تنتقل من مرحلة الاتصالات والمبادرات الفردية إلى مرحلة إنشاء قنوات مؤسساتية مستدامة.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في الدبلوماسية الاقتصادية المغربية: العلاقات الخارجية لا تُترك في مستوى البيانات السياسية، بل يجري البحث عن تحويلها إلى طرق بحرية، واستثمارات، وشركات، وتكنولوجيا، وفرص عمل وأسواق.

ومع ذلك، فإن الدفاع الجاد عن هذه السياسة يقتضي عدم تحويلها إلى خطاب انتصاري يتجاهل الاختلالات.

فالميزان التجاري ما زال يميل بوضوح إلى الجانب الإسرائيلي. ففي سنة 2025 بلغت الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب نحو 115.7 مليون دولار، مقابل حوالي 12.5 مليون دولار فقط من الواردات الإسرائيلية القادمة من المغرب. وهذه مفارقة ينبغي للمغرب أن يحولها إلى ورشة اقتصادية للمرحلة المقبلة.

فنجاح العلاقة الحقيقي لن يُقاس فقط بحجم ما يشتريه المغرب، وإنما بمقدار ما يستطيع تصديره، وبعدد الاستثمارات المنتجة التي يمكن استقطابها، وبمدى نقل التكنولوجيا إلى المقاولات المغربية، وبقدرة الجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة على الاستفادة من الشراكات، وبمدى توطين المعرفة الصناعية والتكنولوجية داخل المملكة.

بمعنى آخر، المطلوب مغربيًا هو الانتقال من اقتصاد المبادلات إلى اقتصاد القيمة المضافة.

وإذا استطاع المغرب جذب استثمارات في التكنولوجيا الزراعية، وتحلية المياه، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني المدني، والتقنيات الطبية، والصناعات المتقدمة، مع اشتراط الشراكة والتكوين ونقل الخبرة والتصنيع المحلي، فإن العلاقة ستصبح أكثر أهمية بكثير من أرقام الاستيراد والتصدير السنوية.

هناك أيضًا بعد آخر يجعل المقاربة المغربية أكثر تركيبًا من الصورة التي يقدمها أحيانًا خصومها. فالتعاون الاقتصادي مع إسرائيل لم يمنع الرباط من اتخاذ مواقف رسمية حادة تجاه العمليات الإسرائيلية في غزة. ففي مارس 2025 أعلنت وزارة الخارجية المغربية إدانتها لاستئناف الهجمات على المدنيين في غزة، كما ظلت الدبلوماسية المغربية تؤكد أن السلام خيار استراتيجي وأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى حل سياسي. 

هذه المسافة بين العلاقة الدولية والموقف من سياسات حكومة بعينها ليست تناقضًا بالضرورة؛ بل هي إحدى قواعد السياسة الخارجية الحديثة. العلاقات بين الدول لا تعني المصادقة التلقائية على جميع قرارات حكوماتها.

كما أن هذه السياسة تواجه اعتراضًا حقيقيًا داخل المجتمع المغربي، خصوصًا منذ حرب غزة، وقد شهد المغرب احتجاجات تطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل. تجاهل هذا المعطى لا يخدم النقاش الرصين حول الموضوع.  لكن وجود المعارضة الداخلية لا يلغي حق الدولة في تقدير مصالحها الاستراتيجية، مثلما لا يلغي حق المجتمع في مناقشة تلك الخيارات وانتقادها.

لذلك أرى أن نجاح السياسة المغربية في هذا الملف ينبغي قياسه بمعيار بسيط: هل تستطيع المملكة أن تجعل العلاقة الخارجية أداة لزيادة قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، من دون أن تفقد استقلال قرارها السياسي؟

النتائج المتحققة منذ 2020 تشير إلى أن قاعدة اقتصادية قد تشكلت بالفعل، لكنها ما تزال في بداية الطريق. فحجم التجارة ارتفع بوضوح، والمؤسسات المشتركة تتوسع، وقنوات الاستثمار والأعمال أصبحت أكثر تنظيمًا، لكن هدف 500 مليون دولار سنويًا لم يتحقق بعد، والميزان التجاري يحتاج إلى تصحيح لمصلحة الصادرات والقيمة المضافة المغربية. 

لهذا فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الاقتصاد: مصنع مشترك أفضل من عشر زيارات بروتوكولية، وبرنامج بحث علمي أفضل من عشرات البيانات، واستثمار ينقل التكنولوجيا ويوظف مهندسين مغاربة أهم من ارتفاع الواردات وحده.

هكذا يمكن للعلاقات المغربية الإسرائيلية أن تتحول من ملف سياسي مثير للجدل إلى جزء من استراتيجية اقتصادية أكبر، قاعدتها ليست الاصطفاف مع أحد، وإنما توسيع خيارات المغرب.

فالسياسة الخارجية الناجحة في النهاية ليست فن اختيار الأصدقاء، بل فن تحويل شبكة العلاقات الدولية إلى قوة وطنية. وهذا، تحديدًا، هو الامتحان الحقيقي للنجاعة المغربية في علاقتها الاقتصادية مع إسرائيل.

المراجع والمصادر

  1. وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج – المملكة المغربية، «عهد جديد في العلاقات بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل: الإعلان المشترك»، الرباط، 22 ديسمبر 2020. ويُعد هذا المصدر من الوثائق الأساسية لفهم الإطار السياسي والمؤسساتي الذي انطلقت منه العلاقات الجديدة بين البلدين.
  2. وزارة الخارجية الأمريكية، Joint Declaration Between the United States, Morocco and Israel، الإعلان المشترك الموقع في الرباط بتاريخ 22 ديسمبر 2020. وتتضمن الوثيقة الأصلية مجالات التعاون التي شملت التجارة والمالية والاستثمار والابتكار والتكنولوجيا والطيران والسياحة وغيرها.
  3. وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية، «إسرائيل والمغرب يوقعان اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري»، 21 فبراير 2022. وهو من أهم المصادر المتعلقة بالإطار الاقتصادي المباشر للعلاقات الثنائية، ويتناول تطوير التجارة والاستثمارات والتعاون بين القطاعين الخاصين.
  4. وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية، Investor Newsletter، مارس 2022، ويتضمن الإعلان عن هدف رفع حجم التجارة السنوية بين المغرب وإسرائيل إلى نحو 500 مليون دولار.
  5. وزارة الشؤون الخارجية المغربية، «المملكة المغربية ودولة إسرائيل تبرمان أربع اتفاقيات»، حول الاتفاقات التي أعقبت استئناف العلاقات، ولا سيما ما يتعلق بتشجيع التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي.
  6. Israel Central Bureau of Statistics – CBS، المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء، Israel’s Foreign Trade in Goods by Country – 2023، القدس، يناير 2024. ويصلح هذا المصدر لتوثيق تطور الصادرات والواردات والتجارة السلعية بين إسرائيل والمغرب.
  7. Israel Central Bureau of Statistics – CBS، النشرات الدورية الخاصة بالتجارة الخارجية حسب الدول. وهي من أفضل المصادر الأولية التي ينبغي الرجوع إليها عند تحديث أرقام المبادلات التجارية المغربية الإسرائيلية سنويًا أو شهريًا. ومن أمثلتها نشرة التجارة الخارجية لسنة 2025.
  8. The Heritage Foundation – Allison Center for National Security، تقارير متابعة التجارة في إطار اتفاقيات أبراهام. وتتضمن هذه التقارير بيانات دورية عن المبادلات التجارية بين إسرائيل وكل من المغرب والإمارات والبحرين ومصر والأردن، ومنها بيانات النصف الأول من سنة 2025.
  9. Abraham Accords Peace Institute، تقارير متابعة اتفاقيات أبراهام والتجارة والاستثمار والسياحة بين الدول الموقعة. وقد استُخدمت بياناته في دراسات تناولت الارتفاع الذي عرفته التجارة والسياحة بين المغرب وإسرائيل بعد 2020.
  10. House of Commons Library – UK Parliament، Israel and the Abraham Accords in 2025: Five Years On، 30 سبتمبر 2025. وهو مرجع مؤسساتي مفيد لوضع العلاقات المغربية الإسرائيلية في سياق اتفاقيات أبراهام ومقارنتها بالعلاقات الاقتصادية الإسرائيلية مع الإمارات والبحرين.
  11. Middle East Institute – MEI، The Abraham Accords: Backgrounder 2025، دراسة مرجعية حول تطور اتفاقيات أبراهام، بما فيها العلاقات المغربية الإسرائيلية وموقعها داخل التحولات الإقليمية.
  12. Israel-Africa Relations Institute، The Moroccan-Israeli Relationship، دراسة تتناول أبعاد العلاقات الاقتصادية والسياسية والسياحية بين المغرب وإسرائيل، وتورد معطيات عن نمو التجارة والسياحة بعد استئناف العلاقات.
  13. وزارة الشؤون الخارجية المغربية، «المغرب يدين بشدة خرق وقف إطلاق النار واستئناف الاعتداء الإسرائيلي على المدنيين في غزة»، 20 مارس 2025. وهذا المرجع مهم إذا كان المقال يريد توضيح أن استمرار بعض مجالات التعاون الاقتصادي لا يعني تطابق الموقف المغربي مع السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
  14. وزارة الشؤون الخارجية المغربية، بيانات وتصريحات مرتبطة بالذكرى الأولى للإعلان الثلاثي المغربي–الأمريكي–الإسرائيلي، وهي مفيدة لتتبع الخطاب الرسمي المغربي بشأن بناء العلاقات الثنائية مع الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية المغربية.
  15. وزارة الخارجية الأمريكية، Joint Communiqué on the Morocco-U.S. Strategic Dialogue on Regional Political Issues، مارس 2022، الذي أعاد التأكيد على الإعلان الثلاثي الموقع في الرباط في 22 ديسمبر 2020.


0 التعليقات: