الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، سبتمبر 08، 2026

الأدب الرقمي في مطلع شتنبر 2026: الرواية لم تعد كتاباً بل فضاءً يُدخل القارئ إلى قلب الحكاية: إعداد عبده حقي


تؤكد متابعة ما ظهر في الأيام القليلة الأولى من شتنبر 2026 في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي وشرق آسيا أن الأدب الرقمي لم يعد مجرد نسخة إلكترونية من الكتاب الورقي، بل أصبح مجالاً إبداعياً مستقلاً تتحرك داخله الرواية التفاعلية، والرواية البصرية، والقصص القائمة على الاختيارات، والروايات الشبكية المتسلسلة، والشعر متعدد الوسائط، والنصوص التي تمزج الكتابة بالصوت والصورة والبرمجة. ومن خلال ما رصدته في المنصات المتخصصة والمواقع الثقافية والجامعية وصفحات الناشرين، يبدو أن السؤال لم يعد: هل يمكن أن نقرأ الأدب على الشاشة؟ بل أصبح: أي نوع من الأدب يمكن للشاشة أن تصنعه ولا يستطيع الورق احتواءه؟

الولايات المتحدة: القارئ يتحول إلى شريك في صناعة المصير

من أبرز الإصدارات الجديدة خلال هذه الفترة عمل God of Chaos الذي أعلنت عنه منصة Choice of Games في 3 شتنبر 2026 بوصفه أحدث إصداراتها في مجال السرد التفاعلي القائم على الاختيارات، وأصبح متاحاً عبر الحاسوب والهواتف الذكية. يقوم العمل على فكرة أن القارئ/اللاعب يؤدي دور آخر إله باقٍ، ويتعين عليه اتخاذ قرارات تحدد مصير البشر والعالم السردي المحيط به. (Planet Interactive Fiction)

أهمية هذا النوع من الأعمال لا تكمن في تحويل الأدب إلى لعبة بالمعنى البسيط، بل في إعادة توزيع السلطة السردية بين الكاتب والقارئ. فالكاتب يضع العالم والشخصيات والاحتمالات، لكن القارئ يتخذ سلسلة من القرارات التي تغيّر مسار الأحداث. وهكذا لم نعد أمام رواية ذات بداية ووسط ونهاية ثابتة، بل أمام شجرة سردية يمكن أن تنتج منها قراءات ومسارات ونهايات مختلفة.

وتكشف منصة Choice of Games نفسها عن نشاط واضح في المشروعات الجديدة قيد الإنجاز خلال الأسبوع ذاته، من بينها The Bone Dancer's Bane الذي دخل مرحلة الاختبار في 4 شتنبر، إلى جانب أعمال أخرى يجري تطويرها واختبار بنياتها السردية والاختيارات التي تمنح للقارئ. وهذا يؤكد أن الرواية التفاعلية لم تعد تجربة هامشية، بل أصبحت تمتلك منظومة إنتاج وتطوير واختبار قريبة من صناعة البرمجيات، ولكن مادتها الجوهرية ما تزال الحكاية واللغة والشخصيات

ويكتسب المشهد الأمريكي أهمية إضافية مع انطلاق النقاش النقدي حول أعمال مسابقة Interactive Fiction Competition لعام 2026. ففي 4 شتنبر بدأت مراجعات أعمال المسابقة، ومن بينها The Very Last Night I Spent at Ethelred Estate لكاي دي خيسوس، وهو عمل يوظف آلية مبتكرة تسمح للقارئ بسحب الصفة وربطها باسم داخل النص، أي إن اللغة نفسها تتحول إلى أداة تفاعل وليس مجرد مادة تُقرأ. وقد أشادت إحدى المراجعات بهذه الآلية بوصفها تجربة غير مألوفة في بناء السرد

هنا تحديداً تتجسد إحدى أهم تحولات الأدب الرقمي: لم تعد «الكلمة» وحدة دلالية ثابتة، بل قد تتحول إلى جسم يمكن للقارئ تحريكه وتغيير علاقاته داخل النص. وهذا يقرب الأدب من مفهوم «النص القابل للبرمجة»، حيث تصبح القراءة فعلاً مادياً داخل البنية الأدبية ذاتها.

كما شهد 6 شتنبر ظهور الرواية البصرية Closer than Allowed: After the Bell، وهي قصة رومانسية تقوم على القرارات المتفرعة والعلاقات المتغيرة والنهايات المتعددة. واللافت أن توصيف العمل نفسه يضع «الاختيارات» و«تعدد النهايات» في صميم التجربة، بما يعكس استمرار تمدد المنطقة المشتركة بين الرواية والألعاب السردية

أوروبا: الأدب الرقمي يتحول من التجريب إلى حقل معرفي مؤسسي

في أوروبا يبدو المشهد مختلفاً جزئياً. فإلى جانب الأعمال الإبداعية، يتسارع الاعتراف الأكاديمي والمؤسساتي بالأدب الإلكتروني بوصفه موضوعاً قائماً بذاته.

ومن المؤشرات المهمة خلال هذه الأيام استعداد مركز السرد الرقمي بجامعة بيرغن في النرويج لتنظيم الحدث السنوي لـCELL يوم 10 شتنبر 2026، وهو لقاء عالمي مخصص هذه السنة لقواعد بيانات الأدب الإلكتروني ومشروعات توثيقه وفهرسته. وتنبع أهمية هذا النشاط من أن الأدب الرقمي يواجه مشكلة لا يعاني منها الكتاب الورقي بالدرجة نفسها، وهي اختفاء الأعمال بتغير البرمجيات والمنصات والمتصفحات، لذلك تصبح عملية الأرشفة والحفظ جزءاً من العملية الأدبية نفسها

وفي المجال الأوروبي أيضاً يبرز الاهتمام المتزايد بما يمكن تسميته «شعر العصر الرقمي». فقد أُعلن عن كتاب الباحث Henrik Wehmeier بعنوان Formatierungen des Flow: Die mediale Zirkulation zeitgenössischer Lyrik ضمن سلسلة Poetry in the Digital Age لدى De Gruyter، وهو عمل يدرس كيفية خروج الشعر المعاصر من حدود الكتاب إلى الإنترنت والأداء والمكونات الموسيقية والبصرية

هذه التحولات توحي بأن الأدب الرقمي الأوروبي يعيش الآن مرحلة ثانية: لقد تجاوز مرحلة إثبات وجوده، وأصبح منشغلاً ببناء أرشيفه ونظرياته وأدوات دراسته.

ويؤكد المسار نفسه إعلان مجموعة الأدب المقارن الرقمي التابعة للجمعية الدولية للأدب المقارن عن مشروعات أعداد خاصة تتناول القراءة الحاسوبية، والأرشيفات الرقمية، والقراءة الاجتماعية الرقمية، والأدب الإلكتروني، والسرد الرقمي التفاعلي، والذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية في تحليل الأدب. وكان 7 شتنبر 2026 آخر أجل لإرسال المقترحات

إننا هنا أمام تحول بالغ الدلالة: الأدب الرقمي لم يعد ملحقاً صغيراً بالدراسات الأدبية التقليدية، وإنما أصبح يفرض قاموساً نقدياً جديداً يجمع الأدب وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي ودراسات المنصات والوسائط.

العالم العربي: حضور نقدي قوي وإنتاج إبداعي تفاعلي ما زال يبحث عن منظومته

في العالم العربي تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالبحث خلال الأيام الأخيرة يكشف حضوراً ملحوظاً لموضوع الأدب الرقمي في المجلات والمنابر الفكرية، لكن عدد الإعلانات الموثقة عن أعمال عربية «مولودة رقمياً» ومتكاملة تقنياً يظل أقل بكثير مما نجده في الولايات المتحدة أو شرق آسيا.

ومن أبرز ما ظهر في شتنبر العدد 600 من المجلة العربية، الذي نشر مادة بعنوان «الأدب الرقمي وإشكالية المصطلح»، تتناول تعريف الأدب الرقمي وعلاقته بالتفاعل وبالتحولات التي أصابت الكتابة السردية والشعرية والمسرحية

ورغم أن هذا ليس عملاً أدبياً تفاعلياً جديداً بالمعنى الصارم، فإن ظهوره مهم لأنه يؤشر إلى انتقال سؤال الأدب الرقمي من الدوائر الأكاديمية الصغيرة إلى المجلات الثقافية العربية العامة.

كما ظهر في 7 شتنبر مقال جديد يناقش الكتابة والأدب في زمن الذكاء الاصطناعي، ويطرح بصورة مباشرة إشكالية الأسلوب والكتابة بعد وصول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مستويات متقدمة

ويبدو أن النقاش العربي يسير الآن في اتجاه سؤال لم يعد بالإمكان تأجيله: إذا كانت الآلة قادرة على إنتاج النص والصورة والصوت والتفاعل، فكيف سنعرّف المؤلف؟ وكيف نحدد الحدود بين «الأدب الرقمي» و«الأدب المولّد آلياً»؟

وفي الأفق القريب يبرز أيضاً كتاب الباحثة ريهام حسني @ArabicElit: Electronic Literature in the Arab World، الذي أعلنت Bloomsbury Academic عن صدوره في 26 نونبر 2026، مع إتاحة النسخة الإلكترونية بنظام الوصول المفتوح. ويقدم الكتاب تاريخاً للأدب الإلكتروني العربي، وتصنيفاً لأشكاله، وتحليلاً للأدب العربي على شبكات التواصل، ومقارنات بين الأدب الإلكتروني العربي والأمريكي، وصولاً إلى سؤال مستقبل الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي

وأرى أن أهمية هذا الكتاب المرتقب تكمن في أنه قد يسهم في منح الإنتاج العربي الإلكتروني إطاراً نظرياً وتاريخياً أكثر وضوحاً، لأن مشكلة الأدب الرقمي العربي ليست دائماً غياب التجارب، بل تشتتها وعدم توثيقها داخل أرشيف يمكن للباحث العودة إليه.

الصين: الرواية الشبكية مصنع يومي لا يتوقف

أما في الصين فإن معنى «الإصدار» يتغير جذرياً. فالعمل الأدبي الرقمي لا يصدر دائماً دفعة واحدة، وإنما يولد فصلاً بعد فصل، وقد يعيش الكاتب والقارئ معاً داخل الرواية أشهراً أو سنوات.

وتكشف بيانات منصة Fanqie Novel الصينية في 6 شتنبر عن نشاط واسع في قائمة «الكتب الجديدة»، وهي قائمة مخصصة للأعمال الحديثة التي ما زالت دون سقف محدد من عدد الكلمات وتواصل التحديث والنشر. وتتصدرها روايات فانتازية متسلسلة تحصد مئات الآلاف من القراء أثناء عملية كتابتها نفسها.

ومن بين الأعمال الظاهرة في القائمة رواية يمكن ترجمة عنوانها تقريباً إلى «التناسخ والزراعة الخالدة: البداية من الامتحان الإمبراطوري»، وقد كانت قد بلغت الفصل 133 في تحديث 4 شتنبر، مع نحو 520 ألف قارئ وفق بيانات المنصة. وتظهر رواية أخرى ذات خلفية من الميثولوجيا الصينية وقد وصل تحديثها إلى الفصل 122 في 6 شتنبر، مع نحو 400 ألف قارئ

هذه الأرقام تكشف نموذجاً أدبياً مختلفاً تماماً عن النشر الغربي أو العربي. ففي الرواية الشبكية الصينية يصبح الزمن جزءاً من شكل العمل: الكاتب ينشر، والجمهور يقرأ ويعلّق، والمنصة تقيس نسب المتابعة، ثم يستمر النص في التطور.

إنها رواية لا «تكتمل ثم تُنشر»، بل «تُنشر لكي تكتمل».

اليابان: الرواية البصرية تتحول إلى كون متعدد الوسائط

وفي اليابان تظل الرواية البصرية واحدة من أكثر مناطق التداخل إثارة بين الأدب والتكنولوجيا.

ففي 2 شتنبر أعلنت شركة Overlap عن إطلاق الموسيقى الأصلية للرواية البصرية 恋しかるべき ~迷い家からの手紙~، إلى جانب الإعلان عن إصدار كتاب بصري رقمي عبر Steam وعن إنتاج حلقات قصصية إضافية توسع العالم السردي الأصلي

واللافت هنا أن الرواية لم تعد كياناً مغلقاً؛ إذ يمكن أن تبدأ كنص بصري تفاعلي ثم تتفرع إلى موسيقى وكتاب فني وإضافات سردية جديدة. وهذا يعني أن مفهوم «العمل الأدبي» نفسه أصبح شبكياً، يتكون من وحدات متعددة تشترك في بناء العالم نفسه.

كما تكشف قوائم الإصدارات الرقمية اليابانية في مطلع شتنبر عن استمرار حضور «الرواية البصرية» كتصنيف قائم بذاته في متاجر الألعاب الرقمية، إلى جانب المغامرات السردية والتجارب التي تقوم أساساً على الاختيارات والنصوص

كوريا الجنوبية: من الرواية الشبكية إلى الويب تون ثم إلى اللعبة

وفي كوريا الجنوبية يواصل الأدب الشبكي دوره بوصفه منبعاً لصناعات ثقافية أخرى. ففي الأيام الماضية عاد الاهتمام بقصة Chiara – Die wahre Tochter bin ich، وهي في أصلها رواية شبكية تحولت إلى Webtoon عبر KakaoPage وKakao Webtoon، قبل أن تنتقل إلى إصدار ألماني جديد. ويكشف مسار هذا العمل كيف تستطيع الرواية الرقمية الكورية أن تعبر من النص الشبكي إلى الرسم ثم إلى الأسواق الدولية

وهذا النموذج ليس استثناءً. فالصناعة الثقافية الكورية تعتمد بصورة متزايدة على الروايات الشبكية والويب تون كمخزون للقصص والشخصيات القابلة للتحويل إلى مسلسلات وأفلام وألعاب، وهو اتجاه أشارت إليه أيضاً تقارير الصناعة الكورية خلال 2026

ما الذي تخبرنا به إصدارات هذه الأيام؟

الحصيلة الأهم التي أصل إليها من هذه الجولة ليست قائمة بالعناوين فحسب، وإنما ملاحظة تحول جوهري في معنى الأدب ذاته.

في الولايات المتحدة يتحول القارئ إلى صاحب قرار داخل الرواية. وفي الصين تتحول الرواية إلى نص متسلسل يعيش بالتزامن مع جمهوره. وفي اليابان تصبح الرواية البصرية مركزاً لعالم يجمع النص والصورة والموسيقى والتفاعل. وفي كوريا تتحول الرواية الشبكية بسرعة إلى Webtoon ومسلسل ولعبة. أما أوروبا فتشتغل بصورة متزايدة على أرشفة الظاهرة وتأطيرها نظرياً ونقدياً، بينما ما يزال العالم العربي يخوض معركة المصطلح والتأسيس والتوثيق، بالتوازي مع ظهور تجارب متفرقة تحتاج إلى منصات أكثر قوة واستمرارية.

ولذلك أعتقد أن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نقع فيه اليوم هو اختزال الأدب الرقمي في ملف PDF أو EPUB. فالكتاب الإلكتروني ليس بالضرورة أدباً رقمياً؛ قد يكون مجرد كتاب ورقي انتقل إلى شاشة. أما الأدب الرقمي الحقيقي، في أقوى نماذجه المعاصرة، فهو نص يعتمد في وجوده الجمالي على البيئة الرقمية نفسها: على الاختيار، أو الرابط، أو الخوارزمية، أو الحركة، أو الصوت، أو الصورة، أو قاعدة البيانات، أو المشاركة الجماعية.

وإذا كان القرن العشرون قد سأل: ما حدود الرواية؟ فإن السنوات المقبلة ستجعلنا نواجه سؤالاً أكثر راديكالية: هل سيظل العمل الأدبي نصاً نقرأه، أم سيصبح عالماً ندخله ونتحرك داخله ونشارك في إعادة كتابته؟

ما رصدته في الأيام الأولى من شتنبر 2026 يوحي بأن الإجابة الثانية لم تعد مجرد نبوءة نظرية. إنها تحدث أمامنا الآن.

0 التعليقات: