كلما قرأت حصيلة أسبوع واحد فقط في مواقع المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان، أشعر بأنني لا أتصفح أخبارًا متفرقة جاءت من قارات متباعدة، بل أقرأ فصولًا مختلفة من قصة واحدة عنوانها الكبير: ما يزال الإنسان أضعف من السلطة والحرب والسلاح والحدود والخوارزميات، وما تزال الحقوق التي احتاجت البشرية قرونًا لصياغتها في المواثيق الدولية قابلة للانهيار في ساعات قليلة عندما يغيب القانون أو تصبح المحاسبة مجرد وعد مؤجل.
خلال الأيام الممتدة من أواخر أغسطس إلى مطلع سبتمبر 2026، تنقلت أمامي الأخبار من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى آسيا وأوروبا والأمريكيتين، فوجدت المعتقل والمختفي قسرًا، والطفل المحاصر بالعطش والجوع، والمدافع عن حقوق الإنسان المهدد بالسجن، والعامل الإنساني الذي أصبح هو نفسه محتاجًا إلى الحماية، والمهاجر الذي قد يرحّل إلى مكان يواجه فيه التعذيب، والأسرة التي لا تعرف إن كان ابنها حيًا أم ميتًا.
إنها حصيلة أسبوع واحد فقط، لكنها تكفي في نظري للكشف عن هشاشة الضمانات التي نعتقد أحيانًا أنها أصبحت جزءًا ثابتًا من العالم الحديث.
الاختفاء القسري: جريمة لا تختفي بانتهاء الاعتقال
أكثر ما استوقفني هذا الأسبوع هو عودة ملف الاختفاء القسري بقوة بمناسبة اليوم الدولي لضحاياه. وقد يكون الاختفاء القسري من أبشع الانتهاكات التي ابتكرها القمع السياسي والأمني، لأنه لا يعاقب شخصًا واحدًا فقط، بل يحكم على أسرة كاملة بالعيش في منطقة رمادية بين الحياة والموت.
في الجزائر والعراق ولبنان وسوريا واليمن ودول أخرى في المنطقة ما تزال عائلات تبحث عن أحبائها، وبعضها يفعل ذلك منذ سنوات أو عقود. لا قبر تزوره، ولا شهادة وفاة تنهي الانتظار، ولا خبر مؤكد يسمح للأم أو الزوجة أو الأبناء بأن يبدأوا الحداد.
وأنا لا أستطيع أن أتعامل مع هذه الملفات بوصفها بقايا الماضي. فالاختفاء القسري يستمر ما دام مصير المختفي مجهولًا، ولذلك فإن الجريمة قد تبدأ باعتقال رجل في ليلة واحدة، لكنها تستطيع أن تستمر عشرين أو ثلاثين سنة.
وما يثير قلقي أكثر أن بعض الأسر والمدافعين عن المفقودين أصبحوا هم أنفسهم عرضة للضغط والترهيب عندما يطالبون بمعرفة الحقيقة. وهكذا يصبح السؤال البسيط: «أين ابني؟» مصدر إزعاج للسلطات.
لا أرى أي مصالحة وطنية حقيقية يمكن أن تنجح إذا بنيت على الصمت. ولا أؤمن بأن الزمن وحده قادر على إغلاق ملفات المختفين. الحقيقة ليست ترفًا، بل حق، والمقبرة المجهولة ليست بديلًا عن العدالة.
اليمن: عندما يصبح العامل الإنساني معتقلًا
أما اليمن، فإن أخباره الحقوقية تجعلني أتساءل عن الحدود التي يمكن أن يصل إليها انهيار المجال الإنساني أثناء الحروب.
بلد يحتاج فيه أكثر من عشرين مليون إنسان إلى أشكال من المساعدة الإنسانية، وفي الوقت نفسه يستمر احتجاز عشرات العاملين في الأمم المتحدة وموظفي المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني.
إن اعتقال من يفترض أنهم يوصلون الغذاء والدواء إلى الجائعين والمرضى ليس مجرد اعتداء على حرية أفراد بعينهم، بل هو اعتداء على المجتمع كله، لأن كل موظف إنساني يمنع من أداء عمله قد يعني أسرة لا يصل إليها الطعام، أو طفلًا لا يحصل على دوائه.
كما تتواصل الاعتقالات التي تطال صحفيين ونشطاء، بينما يعيش بعض المحتجزين فترات طويلة من دون التواصل مع أسرهم أو محاميهم، ويستمر خطر الألغام والذخائر المتفجرة في تهديد المدنيين.
ولعل أكثر ما يكشف عمق الكارثة أن الحرب لم تسرق من أطفال اليمن الأمن والغذاء فقط، بل سرقت منهم المدرسة أيضًا. فقد أظهرت بيانات ميدانية حديثة في عدد من المناطق الجنوبية أن نسبة كبيرة جدًا من الأطفال الذين شملهم المسح كانوا خارج المؤسسات التعليمية.
وعندما يبقى الطفل خارج المدرسة سنوات متتالية، فإن الحرب لا تدمر حاضره فقط، بل تزرع بذورها داخل مستقبله. طفل بلا تعليم اليوم قد يكون شابًا بلا فرصة عمل غدًا، ومع كل جيل محروم تتسع مساحة الفقر والعنف والتطرف.
تونس: أخاف على المكسب الذي كان اسمه الحرية
أتابع ما يحدث في تونس بكثير من الاهتمام، لأنني ما زلت أرى في التجربة التونسية واحدة من أكثر تجارب المنطقة العربية دلالة على صعوبة الانتقال الديمقراطي.
خلال الأيام الأخيرة عاد الملف التونسي إلى واجهة الاهتمام الحقوقي الدولي عشية دورة جديدة لمجلس حقوق الإنسان، وبرزت من جديد قضايا استقلال القضاء ومحاكمة المعارضين والصحفيين والمحامين والمدافعين عن الحقوق.
أكثر ما يقلقني في تونس ليس قضية شخص واحد، بل تراكم القضايا. عندما تتعدد المتابعات المرتبطة بالكلمة والنشاط السياسي والصحفي، وعندما تتوسع التشريعات المستخدمة ضد ما يوصف بالأخبار الكاذبة أو الإساءة، يصبح السؤال مشروعًا حول الحدود بين تطبيق القانون وبين تجريم الاختلاف.
وقد برز مجددًا اسم المحامي والحقوقي والسياسي العياشي الهمامي، إلى جانب ملفات صحفيين ومحامين ونشطاء سبق أن واجهوا أحكامًا أو ملاحقات مرتبطة بالتعبير والنشاط السياسي.
أنا لا أمنح أي معارض حصانة من المحاسبة، كما لا أعتقد أن صفة الصحفي أو الحقوقي تجعل صاحبها فوق القانون، لكنني أصر على مبدأ بسيط: كلما كانت القضية سياسية وحساسة، وجب أن تكون ضمانات المحاكمة أكثر قوة وشفافية، لا أقل.
كانت الحرية واحدة من أعظم المكاسب التي خرج بها التونسيون من ثورة 2011. وأخشى أن يصبح السؤال اليوم ليس كيف نوسع تلك الحرية، بل كيف نحافظ على ما تبقى منها.
غزة: الطفل الذي صار رقمًا في نشرة الحرب
يصعب عليّ أن أقرأ أخبار الأطفال في غزة باعتبارها مجرد بيانات جديدة تضاف إلى أرشيف الصراع.
خلال خمسة أيام فقط أُعلن عن مقتل أطفال وإصابة آخرين، بعضهم لم يتجاوز الثانية أو الرابعة من العمر. وأصيب أطفال آخرون بالرصاص أو الشظايا، بينما دمرت ضربة مخزنًا يحتوي على مساعدات غذائية مخصصة لعشرات الآلاف من الأطفال الصغار وآلاف النساء الحوامل والمرضعات.
وفي حادث آخر تضررت منشأة للمياه والتحلية كان يعتمد عليها آلاف السكان، بينهم عدد كبير من الأطفال.
عندما ندمر الماء والطعام في بيئة يعيش فيها أطفال تحت الحرب، فإننا لا نتحدث عن خسائر مادية يمكن تعويضها بشاحنة مساعدات أخرى، بل عن تهديد مباشر للحق في الحياة.
والأرقام المتعلقة بالمياه في غزة تجعل الصورة أكثر قسوة، إذ لحقت أضرار واسعة بالبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، بينما يواجه كثيرون صعوبات حتى في الحصول على الحد الأدنى الضروري من المياه الآمنة يوميًا.
ولا تغيب كذلك مأساة المفقودين. آلاف العائلات لا تزال تعيش ألم البحث عن أقارب لا تعرف مصيرهم، وهو الألم نفسه الذي يجعل الاختفاء والحرب يتقاطعان في نقطة واحدة: انتظار بلا جواب.
وأمام هذه الوقائع لا أرى معنى لأي خطاب حقوقي ينتقي الضحايا على أساس الهوية السياسية. الطفل الذي يُقتل لا يحمل برنامجًا سياسيًا، والجائع لا ينبغي أن يُسأل قبل إطعامه عن موقفه من الحرب، والمصاب لا يحتاج إلى تصريح أيديولوجي كي يستحق العلاج.
هونغ كونغ والصين: الكلمة والذاكرة في مواجهة الدولة
بعيدًا عن منطقتنا العربية، شدتني قضية الحقوقية والمحامية تشاو هانغ تونغ في هونغ كونغ، التي تواجه عقوبة قاسية بعد إدانتها بموجب قانون الأمن القومي على خلفية نشاطها السياسي والحقوقي.
هذه المرأة أمضت سنوات في الاحتجاز، وما تزال تدافع عن حق المجتمع في الديمقراطية وعن ذاكرة ضحايا أحداث ميدان تيانانمن.
وهنا أعود إلى سؤال يشغلني دائمًا: لماذا تخاف بعض السلطات من الذاكرة؟
السلطة القوية لا تحتاج إلى محو التاريخ. ولا أعتقد أن الدولة تستطيع بناء استقرار حقيقي بمنع مواطنيها من تذكر أحداث وقعت قبل عقود أو مناقشتها.
وفي الصين نفسها، تزامن الأسبوع مع تجدد الحديث عن مرور سنوات على الانتهاكات الواسعة التي تعرض لها الأويغور في شينجيانغ، من الاعتقالات الجماعية والتضييق الثقافي والديني إلى مزاعم العمل القسري.
لقد أصبح ملف الأويغور امتحانًا حقيقيًا للمجتمع الدولي، لأن العالم يعرف الكثير عن القضية، لكن المسافة بين المعرفة والمحاسبة ما تزال واسعة.
ليس أصعب على الضحية من أن تكون مأساتها معروفة عالميًا، ثم تكتشف أن المعرفة وحدها لا تغير واقعها.
الهند: العنصرية لا تصبح أقل خطورة لأنها تختبئ وراء المجتمع
كما استوقفني موقف حقوقي دولي جديد بشأن التمييز العنصري في الهند، والدعوات الموجهة إلى السلطات لتشديد مكافحة التمييز وجرائم الكراهية وضمان المساءلة.
الهند واحدة من أكبر الديمقراطيات في العالم، ولذلك فإن معيار احترامها للتعدد ليس شأنًا داخليًا هامشيًا. إنها بلد هائل التنوع في الأديان والأعراق واللغات والطبقات الاجتماعية، وأي تقاعس أمام خطاب الكراهية أو التمييز يمكن أن يترك تأثيرًا على ملايين البشر.
الديمقراطية في رأيي ليست انتخابات فقط. يستطيع البلد أن ينظم أكبر انتخابات في العالم، لكنه يظل مطالبًا بأن يضمن للمواطن المختلف دينيًا أو إثنيًا أو اجتماعيًا الحقوق نفسها التي يتمتع بها الأكثرية.
فصندوق الاقتراع يحدد من يحكم، أما حقوق الإنسان فتحدد كيف يحكم.
إفريقيا: المجتمع المدني بين التشريع والخنق البطيء
في القارة الإفريقية برزت كذلك مخاوف متعلقة بتضييق المساحة المتاحة للمجتمع المدني.
في نيجيريا أثير القلق بشأن مشروع تشريعي يتعلق بالتمويل الأجنبي يمكن أن يؤثر في قدرة المنظمات المدنية على العمل باستقلالية، بينما استمرت الدعوات في بوروندي للحفاظ على آليات الأمم المتحدة الخاصة بمراقبة وضع حقوق الإنسان.
مثل هذه القضايا قد تبدو تقنية للقارئ العادي: قانون تمويل هنا، أو ولاية مقرر أممي هناك. لكنني أراها في صميم المعركة الحقوقية.
فالسلطات لا تحتاج دائمًا إلى إغلاق منظمة حقوقية بالقوة. يمكن أن تخنقها بالقانون، أو بالضرائب، أو بمنع التمويل، أو بإجراءات إدارية مرهقة، إلى أن يصبح بقاؤها مستحيلًا.
وهذه إحدى أخطر التحولات التي ألاحظها اليوم في العالم: القمع الحديث أصبح أكثر قدرة على ارتداء ملابس قانونية أنيقة.
أوكرانيا: الحرب لا تلغي قوانين الحرب
وفي أوروبا، ظلت أوكرانيا تذكر العالم بأن الحرب مهما طال أمدها لا تعفي الأطراف من القانون الدولي الإنساني.
في نهاية أغسطس، أسفر هجوم بطائرة مسيرة وما تبعه من انفجارات في منطقة قرب كييف عن تقارير تفيد بمقتل عشرات الأشخاص وإصابة آخرين، بينما بدأت الجهات الأممية المختصة التحقق من ملابسات الحادث، بما في ذلك طبيعة الموقع الذي تعرض للهجوم وما إذا كانت توجد داخله أهداف عسكرية.
وهذه التفاصيل مهمة للغاية.
فالقانون الدولي الإنساني لا يقول إن كل هدف يصبح مباحًا بمجرد وجود نشاط عسكري بالقرب منه، كما أنه يلزم جميع الأطراف باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
وقد أصبح المدني في الحروب الحديثة يعيش بين طائرة مسيرة وصاروخ ومخزن عسكري ومنظومة دفاع جوي، بينما تظل حياته مهددة حتى عندما لا يكون طرفًا في أي قتال.
لهذا لا أقبل العبارة التي تتكرر كثيرًا: «إنها الحرب».
الحرب ليست رخصة مفتوحة لقتل المدنيين.
هايتي: حين تصبح الكنيسة نفسها مكانًا غير آمن
وفي هايتي جاءت الأخبار لتكشف مستوى آخر من انهيار الحماية.
فقد قُتل عشرات الأشخاص وأصيب آخرون وخُطف عدد كبير خلال موجة عنف في منطقة كينسكوف، وكان من بين الضحايا أشخاص نازحون لجأوا إلى كنيسة بحثًا عن الأمان.
لا أستطيع المرور على هذه الصورة بسهولة: أشخاص يهربون من العنف إلى مكان عبادة، ثم يصل إليهم العنف هناك أيضًا.
ماذا يبقى من معنى «الملاذ» عندما تصبح المدرسة والمستشفى والكنيسة والمخيم كلها أماكن معرضة للهجوم؟
وفي الأيام نفسها جاء خبر الإفراج عن أطفال ونساء كانوا محتجزين، لكنه لا يغير الحقيقة الأكبر: عندما تنهار الدولة إلى درجة تصبح فيها الجماعات المسلحة قادرة على الخطف والقتل بحرية واسعة، تصبح حقوق الإنسان كلمات بلا قوة تنفيذية.
نيبال: الكارثة الطبيعية تتحول بسرعة إلى أزمة حقوق
أما في نيبال، فقد خلفت الفيضانات الأخيرة عشرات الآلاف من الأطفال في أوضاع شديدة الهشاشة، مع سقوط قتلى ومفقودين وتضرر واسع للمساكن والبنية الأساسية.
وتحول نقص المياه النظيفة وتراكم النفايات والمياه الراكدة إلى خطر صحي إضافي داخل مراكز الإيواء المكتظة.
وهنا أتذكر أن حقوق الإنسان ليست فقط حرية الصحافة والانتخابات والمحاكمات العادلة. الحق في ماء نظيف حق من حقوق الإنسان، والصحة حق، والسكن حق، والحماية أثناء الكوارث حق.
وحين تضرب كارثة طبيعية بلدًا فقيرًا أو مجتمعًا هشًا، فإن أول من يدفع الثمن غالبًا هم الأطفال والنساء والفقراء وذوو الإعاقة.
الكارثة قد تكون طبيعية، لكن حجم المأساة البشرية يتحدد أيضًا بمدى استعداد الدولة وعدالة توزيع الموارد.
حقوق الطفل تدخل عصر المنصات والخوارزميات
ومن الأخبار التي أجدها ذات دلالة خاصة هذا الأسبوع التطورات المتعلقة بمساءلة شركات التكنولوجيا عن تأثير منصاتها في الأطفال.
في الولايات المتحدة توصلت شركة «ميتا» إلى تسوية مع عشرات المدعين العامين في الولايات والأقاليم الأمريكية بشأن اتهامات بأن تصميمات فيسبوك وإنستغرام ألحقت أضرارًا بالأطفال والمراهقين، مع اتجاه نحو فرض قيود زمنية افتراضية على حسابات المراهقين وتعزيز التحقق من العمر والحماية خلال ساعات الليل.
قد يبدو هذا بعيدًا عن الصورة التقليدية لحقوق الإنسان التي ارتبطت بالسجن والتعذيب والاختفاء، لكنه ليس كذلك.
لقد انتقل جزء من حياة أطفالنا إلى فضاء تتحكم فيه خوارزميات صممت لجذب الانتباه وإبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة أمام الشاشة.
وهكذا أصبح الدفاع عن الطفل في القرن الحادي والعشرين يعني حمايته من القنبلة والجوع والاستغلال، لكنه يعني أيضًا حمايته من تصميمات رقمية تعرف نقاط ضعفه النفسية وتحوّل انتباهه إلى سلعة.
وأرى أن هذا الملف سيصبح واحدًا من أكبر ملفات حقوق الإنسان في السنوات المقبلة.
الأمم المتحدة نفسها تحتاج إلى الحماية
ولم يكن الأسبوع خاليًا من سؤال يتعلق بالمؤسسات الحقوقية الدولية ذاتها.
فقد تجدد النقاش بشأن اعتماد منظومة الأمم المتحدة على عدد محدود من الممولين الكبار، والخطر الذي قد يخلقه تراجع التمويل أو استخدامه أداة للضغط على المؤسسات الدولية.
هذه ليست مسألة حسابات مالية فقط.
إذا ضعفت آليات الأمم المتحدة المكلفة بالتحقيق والمراقبة وتوثيق الانتهاكات، فمن سيصل إلى الضحايا في البلدان التي لا توجد فيها صحافة حرة؟ ومن سيحقق في السجون السرية؟ ومن سيضغط من أجل إطلاق المعتقلين؟
أنا أنتقد الأمم المتحدة كثيرًا، وأعرف حدود قدرتها السياسية، لكنني لا أستهين بأهمية وجود مقرر خاص أو لجنة تحقيق أو بعثة أممية قادرة على وضع الواقعة في سجل رسمي لا تستطيع السلطة محوه بسهولة.
أسبوع واحد يكفي لأفهم حجم الأزمة
بعد كل هذه الوقائع، أجد نفسي أمام سؤال أكبر: هل يعيش العالم أزمة حقوق إنسان جديدة؟
في اعتقادي نعم، لكن الجديد ليس فقط في عدد الانتهاكات، بل في طبيعتها.
الحروب عادت بقوة.
القوانين الأمنية تتوسع.
الفضاء المدني ينكمش في دول متعددة.
التكنولوجيا خلقت أنواعًا جديدة من السيطرة والتلاعب.
الهجرة أصبحت ملفًا أمنيًا قبل أن تكون ملفًا إنسانيًا.
والتمويل الدولي للآليات الحقوقية أصبح أكثر هشاشة.
وفي الوقت نفسه أصبح الإنسان يعيش تحت مراقبة غير مسبوقة، سواء من الدولة أو الشركات أو المنصات الرقمية.
ومع ذلك فإن أكثر شيء يخيفني ليس كل ما سبق.
ما يخيفني هو الاعتياد.
أن نقرأ خبر طفل قتل في غزة فنواصل تصفح الهاتف.
أن نعرف أن أسرة في سوريا أو العراق أو الجزائر ما تزال تبحث عن مختف منذ سنوات، فنعتبر ذلك جزءًا طبيعيًا من التاريخ.
أن يعتقل موظف إغاثة في اليمن، أو مدافع عن الديمقراطية في هونغ كونغ، أو يهدد صحفي بالسجن، ثم يتحول الأمر بعد ساعات إلى خبر قديم.
الاعتياد هو الحليف الأكبر للانتهاك.
الإنسان ليس هامشًا في السياسة
أنا لا أؤمن بحقوق الإنسان باعتبارها شعارًا غربيًا أو شرقيًا، ولا أقبل استخدامها سلاحًا انتقائيًا ضد الخصوم مع الصمت عندما يكون المنتهك حليفًا.
إذا كنت أدافع عن المعتقل السياسي في بلد ما، فعلي أن أدافع عنه في البلد الذي أختلف معه أيضًا.
إذا أدنت قتل المدنيين في حرب، فعلي أن أدينه أيا كانت هوية القاتل.
إذا دافعت عن الطفل الفلسطيني، فعلي أن أدافع عن الطفل اليمني والهايتي والنيبالي والأوكراني.
وإذا طالبت بحرية الصحفي الذي يوافقني الرأي، فعلي أن أطالب بالحرية نفسها للصحفي الذي يكتب ما لا يعجبني.
حقوق الإنسان لا تقبل الانتقائية، لأن الانتقائية تحولها من مبدأ أخلاقي إلى أداة سياسية.
ولهذا أرى أن حصيلة هذا الأسبوع لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء قراءة التقرير.
إنها تضعنا أمام مرآة.
في هذه المرآة أرى عالمًا يستطيع إرسال مركبة إلى الفضاء، وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي مذهلة، وبناء مدن ذكية في سنوات قليلة، لكنه ما يزال عاجزًا عن ضمان ألا يختفي إنسان في زنزانة مجهولة، وألا يموت طفل عطشًا تحت الحرب، وألا يخاف صحفي من كلمة كتبها، وألا تنتظر أم عقودًا لتعرف أين دُفن ابنها.
وإذا سألني أحد بعد قراءة هذه الحصيلة عن المقياس الحقيقي لتقدم الدول، فلن أقول له الناتج الداخلي الخام ولا عدد ناطحات السحاب ولا سرعة الإنترنت.
سأسأله سؤالًا واحدًا:
ماذا تفعل الدولة بالإنسان عندما يصبح هذا الإنسان ضعيفًا ولا يملك غير حقه؟
هناك، في السجن والمخيم والمحكمة والمستشفى والحدود وتحت أنقاض الحرب، يبدأ الامتحان الحقيقي لحقوق الإنسان.








0 التعليقات:
إرسال تعليق