الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 02، 2026

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري: تندوف وحق العائلات في معرفة الحقيقة


في الثلاثين من أغسطس من كل سنة، يستعيد العالم واحداً من أكثر الملفات الحقوقية قسوة وإيلاماً، وهو ملف الاختفاء القسري، ذلك الفعل الذي لا يكتفي بحرمان الإنسان من حريته، بل ينتزع منه اسمه ومكانه وحقه في القانون، ويترك أسرته معلقة بين الأمل والفاجعة، لا تعرف هل تنتظر عودة الغائب أم تبدأ في حداده. وبالنسبة إلي، لا يمكن أن تمر هذه المناسبة الدولية من دون أن أتوقف عند مخيمات تندوف، حيث ظلت قضايا الاختفاء والاحتجاز والانتهاكات الحقوقية تثير أسئلة ثقيلة حول مسؤولية جبهة البوليساريو من جهة، ومسؤولية الدولة الجزائرية التي تقع المخيمات فوق ترابها من جهة ثانية.

أنا لا أنظر إلى الاختفاء القسري باعتباره رقماً في تقرير دولي أو ملفاً يمكن استعماله موسمياً في الصراعات السياسية، بل أراه جريمة تمس جوهر الوجود الإنساني. فعندما يختفي شخص ولا تعرف أسرته من اعتقله، وأين يوجد، وهل ما يزال حياً، فإن دائرة الضحايا لا تتوقف عند المختفي وحده، بل تتسع لتشمل الزوجة والأبناء والأم والأب والإخوة، وقد تستمر سنوات طويلة، بل عقوداً، تتحول فيها الحياة نفسها إلى انتظار متواصل للحقيقة.

ومن هنا أجد أن قضية تندوف تستحق اليوم نقاشاً حقوقياً أكثر جدية وأقل خضوعاً للشعارات السياسية. فالمخيمات ليست أرضاً خارج العالم، وليست منطقة يمكن أن تعلق فيها قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان، بل توجد داخل التراب الجزائري، وبالتالي فإن الجزائر، بوصفها الدولة المضيفة، تتحمل مسؤولية واضحة في حماية كل شخص يوجد داخل حدودها، وفي ضمان حقه في الأمن والحرية والقضاء والإنصاف.

ولعل قضية أحمد خليل محمود ابريه تظل من أكثر الملفات التي تدفعني إلى طرح هذا السؤال بقوة. فقد كان الرجل مسؤولاً سابقاً داخل جبهة البوليساريو، واختفى سنة 2009 في الجزائر، ثم ظهرت لاحقاً معلومات تفيد برؤيته في سجن عسكري جزائري قبل أن ينقطع أثره من جديد. ولم تبق القضية مجرد ادعاء سياسي أو عائلي، بل وصلت إلى لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي اعتبرت الوقائع المعروضة عليها مرتبطة باختفاء قسري وانتهاكات للحقوق التي يحميها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وطالبت السلطات الجزائرية بالتحقيق وكشف المصير ومساءلة المسؤولين.

بالنسبة إلي، تشكل هذه القضية اختباراً حقيقياً للخطاب الرسمي الجزائري حول حقوق الإنسان، لأن الدولة لا تستطيع أن تؤكد سيادتها الكاملة على إقليمها عندما يتعلق الأمر بالحدود والجغرافيا، ثم تتراجع عن مسؤوليتها عندما يتعلق الأمر بما يجري داخل مخيمات تندوف. فالسيادة ليست انتقائية، والمسؤولية الحقوقية لا يمكن تفويضها إلى تنظيم سياسي أو عسكري ثم القول إن الدولة غير معنية بما يحدث.

وقد سبق لهيئات أممية أن أعربت عن قلقها من التفويض الفعلي لبعض السلطات داخل المخيمات إلى البوليساريو، ولا سيما ما يرتبط بالقضاء وإدارة شؤون السكان، لأن مثل هذا الوضع قد يحرم الضحايا من الوصول إلى القضاء الجزائري ومن ضمانات المحاكمة والإنصاف التي يفترض أن توفرها دولة ذات سيادة فوق أراضيها.

أما جبهة البوليساريو، فأنا لا أرى أي مبرر لإعفائها من المساءلة بحجة أنها حركة سياسية أو طرف في نزاع إقليمي. فقد وجهت إليها، على امتداد عقود، اتهامات خطيرة تتعلق بالاعتقال والتعذيب والاحتجاز خارج الضمانات القانونية وإسكات أصوات معارضة داخل المخيمات. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية جانباً من الانتهاكات التاريخية، فيما قدمت منظمات أخرى في السنوات الأخيرة ادعاءات بشأن حالات اختفاء واعتقال طالت نشطاء وأشخاصاً عبروا عن مواقف مخالفة لقيادة الجبهة.

وهنا أحرص على التمييز بين ما أثبتته هيئات أممية بصورة صريحة، مثل قضية أحمد خليل ابريه، وبين حالات أخرى ما زالت في مستوى الاتهام أو الشهادة الحقوقية، لأنني أعتقد أن قوة أي موقف سياسي تبدأ من احترام الحقيقة، لا من تضخيمها. فالذين يطالبون بالتحقيق في الانتهاكات بتندوف لا يحتاجون إلى مبالغات، بل إلى فتح الأرشيف، والاستماع إلى العائلات، وتمكين المنظمات الحقوقية المستقلة من العمل بحرية، والسماح للقضاء والمؤسسات الدولية بالوصول إلى الوقائع.

وما يثير استغرابي أكثر هو أن قضية المخيمات ظلت، على الرغم من مرور عقود على إنشائها، رهينة منطق استثنائي يكاد يحول السكان إلى جماعة سياسية مغلقة أكثر مما ينظر إليهم كأفراد يتمتع كل واحد منهم بحقوق مستقلة. فالإنسان الصحراوي في تندوف ليس مجرد جزء من ملف سياسي أو ورقة داخل نزاع إقليمي، بل هو فرد له الحق في الاختلاف، وفي التنقل، وفي التعبير، وفي معرفة مصير أقاربه، وفي اللجوء إلى القضاء عندما يتعرض للظلم.

وأعتقد أن أكبر خطأ يمكن ارتكابه في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري هو تحويل المناسبة إلى حرب شعارات جديدة بين المغرب والجزائر. بالنسبة إلي، المطلوب أبعد من ذلك. المطلوب هو تحقيقات مستقلة في جميع الملفات، قديمة كانت أو حديثة، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وكشف أماكن المحتجزين أو المختفين، وإخبار العائلات بالحقيقة كاملة، وإعادة الرفات إلى الأسر عندما تثبت الوفاة، ومحاسبة المتورطين أياً كانت مواقعهم.

وأنا حين أنتقد الدولة الجزائرية في هذا الملف، فإنني أميز تماماً بين النظام السياسي وبين الشعب الجزائري، لأن الجزائر نفسها تحمل جراحاً مؤلمة مرتبطة بسنوات العنف الداخلي وملف المفقودين. وهناك عائلات جزائرية كثيرة ما تزال تبحث عن الحقيقة بشأن أبنائها وأقاربها. لذلك فإنني أرى أن حق عائلات المختفين في تندوف وحق عائلات المفقودين الجزائريين يلتقيان في مطلب واحد: لا يمكن بناء ذاكرة وطنية أو إقليمية سليمة على الغموض والصمت ودفن الملفات.

كما أنني لا أفهم كيف يمكن الحديث عن تقرير المصير وحقوق الشعوب بينما قد يعجز فرد داخل المخيمات عن تقرير مصيره الشخصي أو التعبير عن رأيه بحرية أو معرفة أين اختفى أحد أقاربه. فحقوق الجماعات لا يمكن أن تكون ذريعة لسحق حقوق الأفراد، وأي مشروع سياسي يفقد معناه الأخلاقي عندما تصبح الحرية داخله مشروطة بالولاء.

بالنسبة إلي، اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري ليس يوماً لاستعادة القصص القديمة فقط، بل هو مناسبة لإعادة توجيه الأسئلة إلى الحاضر: هل تستطيع العائلات في تندوف أن تبلغ بحرية عن اختفاء أحد أفرادها؟ هل تستطيع أن تلجأ إلى القضاء الجزائري؟ هل يمكن لمنظمة دولية مستقلة أن تحقق دون قيود؟ هل توجد لوائح كاملة بالمحتجزين والمتوفين والمفقودين؟ وهل تمتلك العائلات الحق في الحصول على ملفات أبنائها؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة غامضة، فإن المشكلة لا تزال قائمة.

ولهذا أرى أن المجتمع الدولي مطالب بالخروج من المقاربة التي تختزل تندوف في المساعدات الإنسانية وفي أرقام اللاجئين، والانتقال إلى مقاربة تجعل الحقوق الفردية للسكان في قلب الاهتمام. فالخبز والدواء ضروريان، لكنهما لا يغنيان عن الحرية، والمساعدات لا تعوض العدالة، والخيمة لا ينبغي أن تتحول إلى حدود سياسية أو نفسية تفصل الإنسان عن حقه في الحقيقة.

كما أرى أن الجزائر مطالبة، قبل غيرها، بإتاحة وصول مستقل ومنتظم للآليات الحقوقية إلى المخيمات، وضمان اختصاص القضاء الجزائري في التحقيق في الجرائم الخطيرة التي تقع فوق ترابها، وعدم السماح لأي تنظيم بأن يصبح سلطة لا تخضع للمحاسبة. أما البوليساريو، فإن عليها أن تفهم أن الشرعية السياسية التي تزعمها لا يمكن أن تعلو على حقوق الإنسان، وأن أي حركة تطالب باعتراف دولي يجب أن تقبل أولاً برقابة دولية على ممارساتها.

في ذكرى الثلاثين من أغسطس، أفكر أولاً في العائلات. أفكر في أم انتظرت ابنها سنوات، وفي زوجة لم تعرف هل هي زوجة أم أرملة، وفي طفل كبر وهو يسمع أن أباه اختفى ولا أحد يعرف أين ذهب. هذه المآسي هي التي ينبغي أن تكون في صميم النقاش، بعيداً عن بيانات الانتصار الدبلوماسي وعن الحسابات الإقليمية.

إن الاختفاء القسري في تقديري ليس مجرد جريمة ضد فرد، بل محاولة لاغتيال الحقيقة نفسها. والمجتمع الذي يسمح باختفاء الناس يسمح تدريجياً باختفاء الذاكرة والعدالة والثقة في المؤسسات.

ولهذا فإن موقفي في هذا اليوم واضح: أطالب بكشف مصير جميع المختفين المرتبطين بمخيمات تندوف، والتحقيق المستقل في كل الادعاءات الموجهة إلى جبهة البوليساريو والمؤسسات الجزائرية، وتمكين العائلات من حقها الكامل في الحقيقة والعدالة والتعويض، ووضع حد لأي منطقة رمادية في مجال المسؤولية القانونية.

فلا قضية سياسية، مهما طال عمرها، تمنح أحداً الحق في إخفاء إنسان.

ولا خطاب عن التحرير يمكن أن يبرر سلب الحرية.

ولا حدود ولا شعارات ولا حسابات جيوسياسية ينبغي أن تكون أقوى من سؤال بسيط تطرحه أم منذ سنوات: أين ابني؟


0 التعليقات: