الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 10، 2026

إصدارات جديدة لأدباء المهجر تعيد سؤال المنفى والهوية: عبده حقي


تكشف متابعة الإصدارات الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة عن حضور متجدد لكتّاب عرب يعيشون خارج بلدانهم الأصلية، بعضهم يكتب بالعربية ثم يعبر إلى لغات أخرى بواسطة الترجمة، وبعضهم اختار الفرنسية أو الإنجليزية لغة مباشرة للكتابة، غير أن المشترك بينهم يكاد يكون واحدًا: الوطن يظل حاضرًا في النص حتى عندما يبتعد صاحبه عنه آلاف الكيلومترات.

واللافت أن أحدث هذه الكتب لا تتعامل مع المهجر باعتباره مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، وإنما بوصفه تجربة مركبة تُعيد تشكيل علاقة الكاتب بالذاكرة واللغة والهوية والتاريخ، بل وتجعل سؤال الانتماء نفسه مادة أدبية قائمة بذاتها.

كريم قطّان: فلسطين من باريس في «Septentrionale»

في الرابع من شتنبر 2026 صدر للكاتب الفلسطيني ـ الفرنسي كريم قطّان روايته الثالثة «Septentrionale»، في واحد من أبرز إصدارات الدخول الأدبي الفرنسي لهذا الموسم. ويكتسب الكتاب أهمية خاصة لأن قطّان، المولود في القدس والمنحدر من بيت لحم، يعيش منذ سنوات طويلة بين المجالين الفلسطيني والأوروبي، فيما أصبح وجوده في باريس خلال السنوات الأخيرة جزءًا من تجربته الأدبية والشخصية. موقع الكاتب يؤكد تاريخ صدور الرواية في 4 شتنبر 2026، بينما نشرت صحيفة «لوموند» قبيل الإصدار بورتريه مطولًا عنه وعن علاقته الجديدة بفلسطين من موقع الإقامة في باريس. 

تبدو الرواية، وفق المعطيات المنشورة عنها، رحلة داخل أرض فلسطينية توشك أن تتحول في وعي شخصياتها إلى فضاء مهدد بالاختفاء. وهنا يتجاوز قطّان كتابة المنفى بالمفهوم التقليدي؛ فالمسألة لم تعد حنين مغترب إلى مكان تركه خلفه، بل خوف الكاتب من أن يتغير المكان نفسه أو يختفي قبل أن يستطيع العودة إليه.

هذه الزاوية تمنح «Septentrionale» خصوصيتها: الكاتب موجود في أوروبا، لكنه يكتب وكأن المسافة بين باريس وفلسطين تحولت إلى جهاز لرؤية الوطن بصورة أكثر حدة. وتشير «لوموند» إلى أن قطّان غادر بيت لحم في غشت 2023، وأن تجربته اللاحقة بين أوروبا وفلسطين انعكست بقوة على كتابته. 

رشيد الخالدي: تاريخ فلسطين من قلب الأكاديمية الأمريكية

في الثالث من شتنبر صدر كتاب «Palestine: A Short History» للمؤرخ الفلسطيني الأمريكي رشيد الخالدي عن دار Profile Books، وهو كتاب موجه إلى جمهور واسع، ويعيد تقديم التاريخ الفلسطيني في صيغة مكثفة وأكثر مباشرة، مستفيدًا من خبرة صاحبه الطويلة في البحث الأكاديمي وكتاباته السابقة حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

الكتاب يستند جزئيًا إلى المادة الفكرية والتاريخية التي راكمها الخالدي في مؤلفاته السابقة، ولا سيما كتابه المعروف عن حرب المئة عام على فلسطين، لكنه يعيد تنظيمها لجيل جديد من القراء. وتؤكد دار النشر أن الإصدار أصبح متاحًا منذ 3 شتنبر 2026. 

وما يلفت الانتباه هنا هو أن تجربة المهجر لا تظهر في شكل سرد روائي، وإنما في شكل إعادة امتلاك للتاريخ. فالكاتب الفلسطيني المقيم في الفضاء الأكاديمي الأمريكي لا يكتفي بتأريخ الأحداث الكبرى، بل يستدعي كذلك تاريخ عائلته وعلاقتها بالقدس، ما يجعل الكتاب قريبًا من المنطقة التي يلتقي فيها التاريخ العام بالسيرة العائلية.

وهذه إحدى السمات المتنامية في كتابة الشتات العربي المعاصر: الحدود بين التاريخ والذاكرة والسيرة والموقف الفكري لم تعد صارمة كما كانت، بل أصبحت تتداخل داخل الكتاب الواحد.

هدى الشوا: الجدة الفلسطينية تعبر من النكبة إلى باريس وطنجة

في الأول من شتنبر صدر باللغة الإنجليزية كتاب الكاتبة الفلسطينية ـ البريطانية هدى الشوا «The Necklace of Seven Souls»، بترجمة نور جلجولي وسواد حسين، وهو العمل الذي يقدم الكاتبة إلى قطاع أوسع من القراء الناطقين بالإنجليزية. 

ينتمي الكتاب إلى أدب اليافعين، لكنه يحمل أسئلة أكبر بكثير من التصنيف العمري الذي يوضع داخله. بطلاه شابان فلسطينيان يلتقيان في متحف اللوفر بباريس، ليكتشفا أن تاريخ عائلتيهما يعود بهما إلى النكبة الفلسطينية وإلى ذاكرة جدتين حملتا الماضي معهما إلى المنفى.

وتتنقل الرواية بين باريس وحيفا وحلب وطنجة، لتصنع جغرافيا أدبية متوسطية لا تخضع لحدود الدولة بقدر ما تخضع لمسارات الذاكرة والهجرة والاقتلاع. وقد وصفت الكاتبة في حوار نُشر قبيل الإصدار كيفية إعادة صياغة العمل عند نقله إلى الإنجليزية، إذ أضيفت إليه فصول وتحولات سردية جديدة ليتلاءم مع جمهوره الدولي. 

الأهم في هذه الرواية أن المنفى ليس حدثًا وقع لجيل وانتهى، بل إرث ينتقل من الجدة إلى الحفيدة، ومن الذاكرة الفردية إلى الأجيال التي وُلدت بعيدًا عن فلسطين. وهكذا تصبح الأشياء الصغيرة، الرسائل والصور واللوحات والحكايات العائلية، أدوات لمقاومة فقدان الذاكرة.

عبد الله الطايع: باريس كما يراها المهاجر المغربي الهش

ومن المغرب يأتي واحد من أكثر إصدارات الموسم الفرنسي اتصالًا بتجربة الهجرة، رواية «Debout dans tes rêves» لعبد الله الطايع، الصادرة في 20 غشت 2026.

تدور الرواية حول ماجد، شاب مغربي يصل إلى باريس في مطلع الألفية لدراسة الأدب الفرنسي في السوربون، لكنه يجد نفسه في مواجهة حياة قاسية من الهشاشة الاقتصادية وعدم الاستقرار الإداري والخوف المستمر من عدم تجديد أوراق الإقامة. ولتأمين حياته يعمل جليسًا لطفل صغير، فتتشكل بينهما علاقة تمنحه معنى مختلفًا للوجود في المدينة. وتؤكد بيانات الناشر ومواقع بيع الكتب صدور العمل يوم 20 غشت.

وفي حوار حديث مع مجلة «تيل كيل» المغربية، أوضح الطايع أن جانبًا أساسيًا من الرواية مستمد من تجربته الشخصية بعد انتقاله إلى فرنسا قبل نحو سبعة وعشرين عامًا، حين عاش بالفعل سنوات من الهشاشة الإدارية وعمل في رعاية طفل بين 2003 و2011. 

تمنح هذه الخلفية الرواية قيمة تتجاوز السيرة الذاتية؛ فهي تكشف عن الوجه غير السياحي لباريس، باريس المهاجر الذي يقيس حياته بمواعيد الإدارة وأوراق الإقامة والإيجار والعمل المؤقت. إنها كتابة المهجر من الأسفل، بعيدًا عن الصورة الرومانسية للكاتب العربي الذي يصل أوروبا فيجد أبواب الثقافة مفتوحة أمامه.

صموئيل شمعون: «عراقي في باريس» يعود في طبعة جديدة

وفي 24 غشت أعلنت دار Banipal Books صدور طبعة جديدة من كتاب «An Iraqi in Paris» ـ «عراقي في باريس» للكاتب العراقي صموئيل شمعون، أحد أبرز الأصوات العربية التي تشكلت تجربتها بالكامل تقريبًا في المنافي الأوروبية. 

وإذا كان الكتاب ليس نصًا جديدًا بالمعنى الأول للكلمة، فإن عودته بطبعة جديدة في 2026 تحمل دلالة خاصة، لأن التجربة التي يرويها شمعون تبدو أكثر راهنية اليوم مما كانت عليه عند صدورها الأول: شاب عراقي يغادر بلده ويحلم بالوصول إلى هوليوود وصناعة السينما، لكنه يعبر في طريقه سلسلة طويلة من المدن والمنافي قبل أن يستقر في أوروبا.

وقد غادر شمعون العراق سنة 1979، وعاش في دمشق وعمان وبيروت ونيقوسيا والقاهرة وتونس، ثم استقر في باريس لاجئًا عام 1985 قبل أن ينتقل إلى لندن سنة 1996 حيث يعيش منذ ذلك الوقت. 

إن إعادة نشر «عراقي في باريس» تكشف أن أدب المهجر ليس مجرد موجة مرتبطة بالحروب العربية الأخيرة؛ إنه تاريخ أدبي طويل تراكم منذ عقود، وأن نصوص الهجرة القديمة يمكن أن تُقرأ اليوم وكأنها تصف حاضرًا عربيًا لم يتوقف عن إنتاج الرحيل.

ماذا تقول هذه الإصدارات مجتمعة؟

عند جمع هذه الكتب على طاولة واحدة، تظهر أمامنا خريطة لافتة. فلسطيني يكتب من باريس، وفلسطيني أمريكي يعيد سرد تاريخ بلاده، وكاتبة فلسطينية بريطانية تجعل الذاكرة العائلية تعبر بين حيفا وباريس وطنجة، وكاتب مغربي يستعيد سنوات الهشاشة الأولى في فرنسا، وعراقي يعاد نشر سيرته الطويلة بين مدن المنفى.

ما يجمعهم ليس اللغة؛ بعضهم يكتب بالفرنسية، وبعضهم بالإنجليزية، وبعض النصوص انتقلت من العربية عبر الترجمة. وليس النوع الأدبي أيضًا؛ فنحن أمام رواية وسيرة وكتاب تاريخي وأدب لليافعين. ما يجمعهم في العمق هو أن المسافة عن الوطن أصبحت عنصرًا من عناصر الكتابة نفسها.

وتشير هذه الموجة كذلك إلى تحول مهم في موقع الأدب العربي داخل أسواق النشر العالمية. لم يعد الكاتب العربي في الخارج حاضرًا فقط بصفته «كاتبًا مهاجرًا» يقدم شهادة عن بلده، بل صار جزءًا من الأدب الفرنسي والبريطاني والأمريكي نفسه، ينافس داخل مواسم النشر ويصدر لدى دور كبرى ويكتب مباشرة إلى قارئ متعدد الثقافات.

والأهم أن الوطن في هذه الكتب لا يظهر بوصفه مكانًا مثاليًا محفوظًا في الذاكرة، بل باعتباره فضاءً إشكاليًا؛ مكانًا نحبه ونختلف معه، نغادره ونعود إليه، أو نخشى ألّا نجد إليه طريقًا.

لهذا ربما يكون السؤال الجديد الذي تطرحه كتب المهجر العربية اليوم ليس: أين يعيش الكاتب؟ بل: من أي مكان يكتب؟

فالكاتب قد يكون في باريس أو لندن أو نيويورك، لكن فلسطين والمغرب والعراق وسوريا تظل تتحرك في اللغة، وتعيد ترتيب ذاكرته، وتفرض أسئلتها على شخصياته. وهذا تحديدًا ما يجعل أدب المهجر أحد أكثر المختبرات حيوية في الأدب العربي المعاصر: إنه الأدب الذي يُكتب بين مكانين، لكنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، ومن هذا التوتر بالذات يصنع قوته.

النسخة الثانية: بلا مصادر أو روابط داخل المتن

كتب تُولد في المنفى وتحمل أوطانها معها: موجة جديدة من إصدارات الأدباء العرب في الخارج

تكشف الإصدارات الأدبية الجديدة خلال أواخر غشت وبداية شتنبر 2026 عن مشهد لافت داخل الكتابة العربية في المهجر، حيث عاد عدد من الكتّاب العرب المقيمين في أوروبا والولايات المتحدة إلى الواجهة بكتب جديدة أو طبعات جديدة لأعمال ارتبطت بتجارب الهجرة والمنفى والاقتلاع والذاكرة والبحث عن الهوية.

ولا يبدو الأمر مجرد تزامن في مواعيد النشر، بل أشبه بمؤشر على تحوّل أعمق تعيشه الكتابة العربية خارج الجغرافيا العربية. فالكاتب الذي غادر بلده لم يعد يكتب «عن الوطن من الخارج» فقط، بل أصبح الخارج نفسه جزءًا من تجربته الأدبية، مثلما أصبح الوطن ذاكرة تتحرك معه وتعيد تشكيل لغته وأسئلته وشخصياته.

كريم قطّان: فلسطين التي تُرى من باريس

صدر في الرابع من شتنبر للكاتب الفلسطيني ـ الفرنسي كريم قطّان عمله الروائي الجديد «Septentrionale»، وهو ثالث رواياته، ويأتي ضمن الموسم الأدبي الفرنسي الذي يشهد سنويًا منافسة قوية بين مئات الإصدارات الجديدة.

قطّان، المولود في القدس والمنحدر من بيت لحم، عاش تجربة طويلة بين فلسطين وفرنسا، ويقيم في السنوات الأخيرة في باريس، وهو ما جعل المسافة بين الوطن والمنفى تتحول في أعماله إلى مساحة للتفكير الأدبي لا مجرد مسافة جغرافية.

في روايته الجديدة تبدو فلسطين مكانًا مهددًا بالتحول والاختفاء، ويصبح السؤال الذي يطارد النص أكبر من سؤال العودة التقليدي: ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر بأن الأرض التي ينتمي إليها تتغير أمام عينيه إلى الحد الذي يخشى معه ألّا يتعرف إليها يومًا؟

من هنا تخرج الرواية من أدب الحنين المألوف إلى أدب القلق الوجودي. ليست فلسطين ذكرى بعيدة فحسب، بل حاضرًا مؤلمًا يلاحق الكاتب وهو يعيش بعيدًا عنها. تصبح باريس مكان الكتابة، بينما تظل فلسطين مركز المعنى.

رشيد الخالدي: استعادة التاريخ من أمريكا

وفي الثالث من شتنبر صدر للمؤرخ الفلسطيني الأمريكي رشيد الخالدي كتاب «Palestine: A Short History»، وهو عمل يقدم التاريخ الفلسطيني إلى جمهور واسع في صيغة مكثفة وسهلة الوصول.

اختار الخالدي أن يربط التاريخ العام بالذاكرة العائلية، وأن يجعل تاريخ أسرته المقدسية جزءًا من سردية أوسع عن فلسطين. وهنا تظهر إحدى أهم سمات الكتابة الفلسطينية في الشتات: محاولة إنقاذ الذاكرة من الاختزال وتحويل الحكاية العائلية إلى شاهد على التاريخ.

لا ينتمي الكتاب إلى الرواية أو الشعر، لكنه يلتقي معهما في سؤال أساسي: من يملك حق سرد قصة المكان؟

بالنسبة إلى الكاتب الفلسطيني الموجود في أمريكا، لا يصبح المنفى نهاية للعلاقة بالوطن، وإنما يتحول أحيانًا إلى موقع جديد للدفاع عن ذاكرته وإعادة تقديم تاريخه بلغات ومؤسسات وجامعات تقع بعيدًا عنه.

هدى الشوا: النكبة كما تراها الأحفاد

أما الكاتبة الفلسطينية ـ البريطانية هدى الشوا فقد صدر لها مطلع شتنبر كتاب «The Necklace of Seven Souls» باللغة الإنجليزية، في عمل موجه خصوصًا إلى فئة اليافعين، لكنه يطرح أسئلة تتجاوز بكثير حدود أدب الشباب.

يلتقي شابان فلسطينيان في متحف اللوفر بباريس، وسرعان ما يكتشفان أن تاريخ عائلتيهما يقودهما إلى النكبة الفلسطينية وإلى جدتين عاشتا تجربة الاقتلاع واللجوء.

تتنقل الرواية بين باريس وحيفا وحلب وطنجة، وكأن الكاتبة ترسم خريطة بديلة للبحر الأبيض المتوسط، خريطة لا تصنعها الحدود السياسية بل تصنعها حركة البشر والذكريات والرسائل والصور والأشياء التي يحملها اللاجئون معهم.

والقيمة الأساسية للعمل تكمن في انتقال ذاكرة المنفى من الجيل الأول إلى الأجيال الجديدة. فالحفيد الذي لم يعش النكبة بنفسه يستطيع أن يرث آثارها النفسية والثقافية والعائلية.

هكذا يتحول الماضي من قصة ترويها الجدة إلى سؤال يخص الحفيد نفسه: من أنا؟ وأين يبدأ تاريخي؟ وهل يمكن للإنسان أن يستعيد وطنًا لم يعشه إلا داخل الحكايات؟

عبد الله الطايع: باريس من جهة المهاجر المغربي

ومن أبرز الكتب المغربية التي دخلت الموسم الأدبي الفرنسي أخيرًا رواية «Debout dans tes rêves» لعبد الله الطايع، الصادرة في العشرين من غشت.

يعود الطايع من خلالها إلى تجربة المهاجر المغربي الشاب الذي يصل إلى فرنسا وفي رأسه أحلام الدراسة والثقافة، لكنه يكتشف سريعًا أن باريس التي يتخيلها من بعيد تختلف عن باريس التي يعيش فيها الأجنبي محدود الدخل.

بطل الرواية، ماجد، يأتي إلى العاصمة الفرنسية لدراسة الأدب في السوربون، ويجد نفسه يعيش في مساحة صغيرة ويطارد أوراق الإقامة ويخشى باستمرار أن تنهار حياته بسبب قرار إداري. ولتأمين دخله يقبل العمل جليسًا لطفل صغير، فتنشأ بينهما علاقة ستغير نظرته إلى نفسه وإلى المدينة.

تتقاطع الرواية بوضوح مع تجربة الكاتب الشخصية في فرنسا؛ وهي بذلك تكسر واحدة من أكثر الصور شيوعًا عن هجرة المثقف العربي إلى أوروبا. فالوصول إلى باريس لا يعني تلقائيًا الدخول إلى فردوس الثقافة والحرية، بل قد يعني أيضًا العيش لسنوات وسط الهشاشة والخوف والبيروقراطية والعمل المؤقت.

إنها باريس التي لا يراها السائح، ولا يعرفها القارئ إلا عندما يكتبها مهاجر عاش داخل هوامشها.

صموئيل شمعون: العراقي الذي لم تنته رحلته إلى باريس

وعاد إلى الواجهة أيضًا كتاب «عراقي في باريس» للكاتب العراقي صموئيل شمعون في طبعة جديدة صدرت في أواخر غشت.

قد لا يكون النص جديدًا من حيث تاريخ تأليفه، لكن إعادة نشره اليوم تمنحه حياة مختلفة، لأن تجربة الهجرة التي يرويها تبدو وكأنها لم تفقد شيئًا من راهنيتها.

غادر شمعون العراق في نهاية سبعينيات القرن الماضي وفي رأسه حلم الوصول إلى هوليوود والعمل في السينما، لكنه وجد نفسه يعبر مدنًا عربية وأوروبية عديدة قبل أن يستقر أولًا في باريس ثم في لندن.

تحولت الرحلة في كتابه إلى صورة لجيل كامل من المثقفين العرب الذين تشكلت حياتهم بين المطارات والحدود والإقامات المؤقتة ومقاهي المدن الأجنبية.

وإعادة الكتاب إلى التداول سنة 2026 تقول شيئًا مهمًا عن أدب المنفى: بعض الكتب لا تشيخ لأن الأسباب التي أنتجتها لم تختفِ.

جغرافيا جديدة للأدب العربي

إذا وضعنا هذه الإصدارات إلى جانب بعضها بعضًا سنجد أننا لا نتحدث عن ظاهرة أدبية صغيرة.

كاتب فلسطيني يكتب بالفرنسية من باريس، ومؤرخ فلسطيني أمريكي يستعيد تاريخ وطنه من قلب المؤسسة الأكاديمية الغربية، وكاتبة فلسطينية بريطانية تنقل ذاكرة النكبة إلى جيل جديد، وكاتب مغربي يحول هشاشة سنواته الأولى في فرنسا إلى مادة روائية، وكاتب عراقي تعود سيرته عن المنفى إلى المكتبات بعد سنوات طويلة.

لا توحد هؤلاء لغة واحدة، ولا مدرسة فنية واحدة، ولا حتى تجربة سياسية واحدة.

ما يوحدهم هو المسافة.

المسافة بين المكان الذي ولد فيه الكاتب والمكان الذي يكتب منه الآن.

غير أن هذه المسافة لم تعد عائقًا أمام الأدب، بل أصبحت في كثير من الحالات مصدرًا لقوته.

فالمنفى يمنح الكاتب عينين: عينًا ترى المجتمع الجديد الذي يعيش داخله، وعينًا أخرى تظل معلقة بالمكان الذي جاء منه. وبين العينين ينشأ توتر قد يتحول إلى رواية أو قصيدة أو سيرة أو دراسة تاريخية.

اللغة نفسها تدخل تجربة الهجرة

ثمة تحول آخر لا يقل أهمية يتمثل في لغة الكتابة.

جزء مهم من أدباء المهجر العرب لم يعد يكتب بالعربية فقط، بل أصبح يكتب مباشرة بالفرنسية أو الإنجليزية أو ينتقل بين لغتين أو أكثر، فيما تدخل الترجمة بوصفها شريكًا أساسيًا في انتقال الأدب العربي إلى القارئ العالمي.

وهنا تبرز أسئلة أدبية جديدة: هل يظل العمل جزءًا من الأدب العربي إذا كتبه صاحبه بالفرنسية؟ وهل تكفي هوية الكاتب أو موضوع النص لإدراجه داخل هذا الأدب؟ أم أننا دخلنا مرحلة أصبح فيها مفهوم «الأدب العربي» نفسه أكثر اتساعًا من اللغة؟

ربما يكون من الأنسب اليوم أن نتحدث عن أدب ذي ذاكرة عربية بدل الاقتصار دائمًا على تعريفه باللغة.

فكاتب ولد في الرباط ويعيش في باريس ويكتب بالفرنسية عن المغرب يظل جزءًا من حركة المعنى القادمة من الثقافة العربية، مثلما أن كاتبًا فلسطينيًا يكتب بالإنجليزية في نيويورك يمكن أن يحمل فلسطين إلى قارئ لم يقرأ يومًا نصًا عربيًا.

المنفى لم يعد هامش الأدب العربي

لفترة طويلة تعامل النقد مع أدب المهجر باعتباره فرعًا جانبيًا من الأدب الذي ينتج داخل البلدان العربية، وكأن المركز يوجد دائمًا في الوطن بينما يعيش الكاتب المهاجر في الهامش.

لكن المشهد الحالي يقلب هذه الصورة.

عدد من أكثر الأصوات العربية حضورًا عالميًا يكتب اليوم من باريس ولندن وبرلين ونيويورك ومدن أخرى. وبعض هذه الأعمال يدخل مباشرة إلى أسواق النشر العالمية ويحصل على الجوائز ويترجم إلى لغات متعددة قبل أن يعرفه قطاع واسع من القراء العرب.

لقد أصبح المهجر أحد مراكز إنتاج الأدب العربي الجديد، لا هامشًا تابعًا له.

وهذه الحقيقة تستحق أن تدفع النقد العربي إلى مراجعة أدواته؛ لأن الأدب الذي يولد اليوم خارج الحدود العربية لا يمكن فهمه فقط بواسطة مفاهيم الوطن والمنفى والحنين القديمة. نحن أمام أدب متعدد اللغات والهويات والمرجعيات، يعيش الكاتب داخله في أكثر من ثقافة في الوقت نفسه.

ومن هنا تبدو الإصدارات الأخيرة لكريم قطّان ورشيد الخالدي وهدى الشوا وعبد الله الطايع، إلى جانب عودة صموئيل شمعون بطبعة جديدة من تجربته الباريسية، أكثر من مجرد أخبار كتب جديدة.

إنها أجزاء من قصة أدبية أكبر.

قصة كاتب عربي يحمل وطنه معه من مدينة إلى مدينة، لكنه كلما ابتعد عنه اكتشف أن الوطن لا يصبح أصغر في الكتابة، بل قد يصبح أكثر حضورًا.

وقد يكون السؤال الحقيقي الذي يفرضه أدب المهجر اليوم ليس: أين يعيش الكاتب العربي؟

بل: كم وطنًا يستطيع الكاتب أن يحمل داخل كتاب واحد؟


0 التعليقات: