أفتح اليوم هذا السؤال لأنني أعتقد أنه سيكون واحدًا من أعقد أسئلة الثقافة والكتابة وحقوق الملكية الفكرية في السنوات المقبلة: عندما أجلس أمام شاشة حاسوبي، أضع الفكرة، أحدد الموضوع، أصوغ التعليمات، أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يقترح ويكتب ويعيد الصياغة، ثم أراجع النص وأحذف وأضيف وأنشره باسمي، فمن هو المؤلف الحقيقي؟ هل أنا الكاتب؟ هل الآلة هي المؤلف؟ أم أن الشركة التي صنعت تلك الآلة تملك النص لأنها تملك الخوارزمية التي أنتجته؟
المسألة ليست لعبة لغوية ولا سؤالًا تقنيًا عابرًا.
إنها مواجهة جديدة حول معنى التأليف نفسه. فالعالم الذي عرف طوال قرون معادلة
بسيطة تقول إن هناك كاتبًا يكتب ونصًا ينتج وقارئًا يقرأ، وجد نفسه فجأة أمام طرف
ثالث اقتحم غرفة الكتابة: الخوارزمية.
وأنا لا أعتقد أن المشكلة تبدأ من السؤال: هل
الذكاء الاصطناعي يكتب؟ فهو بلا شك قادر على إنتاج جمل وفقرات وقصص ومقالات وصور
وموسيقى. المشكلة الحقيقية هي: هل القدرة على إنتاج الكلمات تعني امتلاك صفة
المؤلف؟
هنا أقول بوضوح: لا ينبغي أن نخلط بين إنتاج
النص وتأليف النص.
الآلة تستطيع إنتاج آلاف الكلمات خلال دقائق، لكنها
لا تتحول بذلك تلقائيًا إلى مؤلف بالمعنى القانوني الذي عرفته تشريعات حقوق
المؤلف. فالقوانين التقليدية، ومن بينها القانون المغربي، بنت مفهوم المؤلف أساسًا
على الإنسان، أي على الشخص الطبيعي الذي يبدع المصنف. ولذلك فإن الخوارزمية، مهما
بلغت قوتها، ليست شخصًا قانونيًا يجلس أمام المحكمة ويطالب بحقه الأدبي أو يقول:
لقد شوهتم روايتي أو سرقتم قصيدتي.
لكن انتهاء المشكلة عند هذه النقطة سيكون تبسيطًا
مضللًا.
فالآلة قد لا تكون مؤلفًا، لكن ماذا عن الإنسان
الذي استعملها؟
هنا تبدأ المنطقة الرمادية.
إذا كتبت أنا مقالًا كاملًا ثم استعنت بالذكاء
الاصطناعي لتصحيح الأخطاء، أو لتقوية بعض العبارات، أو لاقتراح عنوان، فلست بحاجة
إلى كثير من الجدل كي أقول إنني المؤلف. فالآلة في هذه الحالة تشبه المدقق اللغوي
أو برنامج معالجة النصوص أو المحرر الذي يقدم اقتراحات.
لكن الصورة تتغير عندما أكتب للآلة جملة واحدة:
«اكتب لي مقالًا من ألف كلمة عن مستقبل الرواية»، ثم أستلم النص وأضع اسمي تحته
وأنشره.
هل مجرد كتابة الأمر تجعلني مؤلفًا لألف كلمة لم
أختر تركيبها ولا إيقاعها ولا أمثلتها ولا استعاراتها؟
هذا هو السؤال الذي سيحرج كثيرًا من الذين يعتقدون
أن امتلاك المخرجات يعني تلقائيًا امتلاك صفة المؤلف.
أنا أميز هنا بين أمرين حاسمين: ملكية المخرجات وصفة المؤلف.
قد تمنحني شروط استخدام إحدى منصات الذكاء
الاصطناعي حق استعمال النص الذي حصلت عليه، وقد أستطيع نشره تجاريًا ووضعه في كتاب
أو مدونة. لكن هذا الحق التعاقدي لا يعني بالضرورة أن قانون حقوق المؤلف سيعترف
بأن كل جملة في ذلك النص ثمرة إبداع بشري أصيل مني.
وهذا التمييز خطير للغاية.
لأنني قد أملك حق استعمال نص من الناحية التعاقدية،
بينما تكون الحماية القانونية لبعض عناصره أضعف إذا ثبت أن الخوارزمية هي التي
ولدت معظم التعبير دون تدخل إبداعي بشري كافٍ.
وهنا أسأل سؤالًا أكثر استفزازًا: ماذا سيحدث لو
بدأ ملايين الأشخاص ينشرون كتبًا كاملة صنعتها الآلات بأمر واحد ثم يطالب كل واحد
منهم بالحماية القانونية الكاملة نفسها التي يتمتع بها كاتب أمضى سنوات في بناء
لغته وشخصياته وعالمه؟
إذا ساوى القانون بين الحالتين دون تمييز، سنكون
أمام تضخم هائل في مفهوم التأليف نفسه.
إنني لا أدافع عن نوع من الأرستقراطية الأدبية التي
تعتبر الكتابة بالذكاء الاصطناعي غشًا لمجرد أنها تستخدم التكنولوجيا. على العكس،
أرى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة إبداعية كبرى ولن يكون من المنطقي مطالبة
الكاتب بالعودة إلى الآلة الكاتبة حتى يثبت أنه «مؤلف حقيقي».
لكنني أرفض في الوقت نفسه أن تتحول الكتابة إلى
مجرد ضغط على زر ثم المطالبة بعباءة المؤلف كاملة.
بالنسبة إليّ، يصبح السؤال الأكثر عدلًا هو: من اتخذ القرارات الإبداعية
الأساسية؟
من اختار الفكرة؟
من بنى الأطروحة؟
من حدد النبرة؟
من قرر بداية المقال ونهايته؟
من رفض اقتراحًا وقبل آخر؟
من أعاد ترتيب الفقرات؟
من أضاف التجربة الشخصية؟
من منح النص رؤيته الخاصة؟
كلما كانت هذه القرارات في يد الإنسان، ازدادت قوة
القول إن العمل نتاج إبداع بشري بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
أما كلما انسحب الإنسان من العملية واكتفى بالأمر
والنسخ والنشر، أصبح ادعاؤه بالتأليف الكامل أكثر هشاشة.
ثم تأتي الشركة، الطرف الثالث في هذه المعادلة.
هل لأن الشركة صنعت النموذج فإنها تملك كل ما
يولده؟
في حالة كثير من خدمات الذكاء الاصطناعي الحديثة،
الأمر ليس كذلك بالضرورة. شروط الاستخدام قد تمنح المستخدم حقوقًا واسعة في
المخرجات. لكن المشكلة الأعمق لا تتعلق فقط بالشركة التي تشغل النموذج، بل بالسؤال
عما دُرّب عليه النموذج أصلًا، وما إذا كانت هناك أعمال محمية دخلت في عمليات
التدريب، وما حدود الحقوق المتعلقة بها.
لقد انتقلت الملكية الفكرية بذلك من سؤال بسيط: «من
نسخ كتابي؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «هل تعلّمت الآلة من كتابي؟ وكيف؟ وهل أعادت
إنتاج شيء منه؟»
وهذا تحول تاريخي.
فالخلاف في المستقبل لن يكون فقط بين كاتب وناشر،
بل ربما بين كاتب ومنصة ومطور نموذج وصاحب بيانات ومستخدم نهائي.
والكاتب الذي لا يفهم هذا المشهد الجديد قد يجد
نفسه يستخدم أدوات لا يعرف حدود حقوقه داخلها.
أنا شخصيًا أرى أن علينا التوقف عن استخدام ثنائية
ساذجة تقول: «إما الإنسان كتب النص وإما الآلة كتبته».
هناك منطقة ثالثة تتسع بسرعة: الكتابة الهجينة.
فيها أضع أنا الفكرة، وتساعدني الآلة على اختبارها.
أكتب فقرة، فتقترح بدائل. أبني مخططًا، فتساعدني على توسيعه. أرفض أجزاءً من النص
وأعيد كتابة أخرى. أستعمل الذكاء الاصطناعي لا بوصفه مؤلفًا يتولى مكاني، بل بوصفه
شريكًا أداتيًا داخل عملية أظل أنا صاحب القرار فيها.
هذه في نظري ستكون المساحة الأهم في أدب المستقبل.
ولذلك فإن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الكاتب هو أن
يسلم عقله للآلة ثم يطالب بحقوق المؤلف.
وأكبر خطأ مقابل يمكن أن يرتكبه المشرّع هو اعتبار
كل استعمال للذكاء الاصطناعي نقيضًا للإبداع البشري.
المعيار ينبغي أن يكون البصمة الإبداعية البشرية.
إن كنت كاتبًا، فأنا لا أريد فقط أن أمتلك النص؛
أريد أن أستطيع أن أقول إن هذا النص يحمل اختياراتي، رؤيتي، لغتي وموقفي.
ولهذا أرى أن الكاتب الذكي في العصر الخوارزمي
سيحتاج إلى الاحتفاظ بمسوداته ومخططاته وتعديلاته وربما حتى سجل تطور النص. ليس
لأنه مطالب بأن يبرهن في كل مرة أنه إنسان، بل لأننا ندخل زمنًا قد تصبح فيه عملية
التأليف نفسها موضوعًا للإثبات.
وقد يأتي يوم يسأل فيه ناشر أو قاضٍ أو قارئ:
ما الذي كتبه الإنسان هنا؟ وما الذي ولدته
الخوارزمية؟
عندها لن يكون الجواب المقنع: «أنا الذي ضغطت زر
التوليد».
سيكون الجواب الأقوى: «أنا الذي بنيت هذا العمل،
والآلة كانت إحدى أدوات بنائه».
وهنا أصل إلى خلاصة موقفي: النص المولَّد بالذكاء
الاصطناعي لا تملكه الآلة لأنها ليست صاحبًا قانونيًا للإبداع بالمعنى التقليدي،
ولا تملكه الشركة تلقائيًا لمجرد أنها صنعت الخوارزمية، ولا يصبح الكاتب مؤلفًا
كاملًا لمجرد أنه أصدر أمرًا بالتوليد.
الملكية قد تحسمها العقود.
أما صفة المؤلف فتحسمها المساهمة الإبداعية.
وهذا هو الخط الفاصل الذي أرى أنه سيعيد رسم خريطة
الأدب والنشر والحقوق في السنوات المقبلة.
فالسؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا قبل أن يضع
اسمه تحت نص أنتجه الذكاء الاصطناعي ليس فقط:
هل أستطيع نشر هذا النص باسمي؟
بل السؤال الأصعب والأكثر أخلاقية:
كم يوجد مني فعلًا داخل هذا النص؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق