الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 09، 2026

5000 درهم عشية الانتخابات: إنصاف للأجير أم مزاد على أصوات المغاربة؟


كلما اقترب موعد الانتخابات، تبدأ الأرقام في الكلام أكثر من البرامج، وتتحول الوعود الاجتماعية إلى جزء أساسي من معركة استمالة الناخبين، وبين رقم يُعلن هنا وتعهد يُرفع هناك يجد المواطن المغربي نفسه أمام سؤال بسيط لكنه شديد القسوة: هل نحن أمام تحول اجتماعي حقيقي يعيد بعض الاعتبار للأجير، أم أمام موسم جديد من المواسم الانتخابية التي تُفتح فيها خزائن الوعود ثم تُغلق بعد إعلان النتائج؟

أنا لا أعترض على رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم، بل أعتبر أن أي نقاش جاد حول تحسين دخل الأجراء أصبح اليوم ضروريا، لأن الأسعار تغيرت، وتكاليف السكن والنقل والغذاء والتعليم والصحة لم تعد كما كانت، ولأن آلاف الأسر تعيش تحت ضغط يومي يجعل نهاية الشهر أشبه بامتحان مستمر في التدبير والصبر والاستدانة. لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أفصل هذا الوعد عن توقيته السياسي، ولا أن أتعامل معه كما لو أنه سقط فجأة من سماء الاقتصاد بلا علاقة بصناديق الاقتراع.

عندما يقال للمواطن قبل الانتخابات بأسابيع قليلة إن الحد الأدنى للأجر سيرتفع إلى 5000 درهم، فإن السؤال الطبيعي ليس فقط: هل هذا القرار جيد؟ بل أيضا: لماذا لم يُتخذ قبل ذلك؟ ولماذا أصبحت القدرة على تحسين دخل الأجير واضحة فجأة في اللحظة التي أصبحت فيها أصوات الناخبين مطلوبة؟

هنا تبدأ أزمة المصداقية.

الحزب الذي يوجد خارج السلطة يستطيع أن يعد بتغيير السياسات إذا وصل إلى الحكم، ويمكن للمواطن أن يناقش برنامجه ويصدقه أو يرفضه. أما الحزب الذي شارك في تدبير الحكومة أو كان جزءا من الأغلبية ثم يخرج عشية الانتخابات ليقدم وعودا اجتماعية كبيرة، فإنه يضع نفسه أمام سؤال أكثر إحراجا: إذا كانت هذه الزيادة ممكنة ومفيدة وعادلة، فلماذا لم تُنفذ أثناء سنوات التدبير؟ وإذا كانت غير ممكنة بسبب كلفتها أو تأثيرها على المقاولات، فلماذا تصبح قابلة للتنفيذ فقط بعد الانتخابات؟

هذا التناقض هو الذي يحول الوعد من إجراء اجتماعي إلى قضية سياسية.

أنا لا أعتقد أن المواطن المغربي يرفض الزيادة في الأجور، بل على العكس، سيستقبل أي تحسن حقيقي في دخله بكثير من الارتياح، لكن المواطن أصبح أكثر حساسية تجاه الوعود المؤجلة. لقد تعلم من تجارب كثيرة أن الفرق كبير بين الرقم الذي يقال على منصة انتخابية والرقم الذي يصل فعلا إلى الحساب البنكي آخر الشهر.

إن رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم يمكن أن يكون قرارا اجتماعيا مهما، لكنه ليس مجرد رقم يُكتب في برنامج. هناك اقتصاد كامل يقف خلفه. هناك مقاولات كبرى قادرة على الاستيعاب، وهناك آلاف المقاولات الصغيرة التي قد تجد نفسها أمام ارتفاع كبير في كتلة الأجور. هناك قطاعات تعتمد على هوامش ربح محدودة، وهناك مشغلون قد يلجؤون إلى رفع الأسعار أو تقليص التوظيف أو تشغيل العمال خارج التصريح إذا لم ترافق الزيادة بسياسات عقلانية.

لذلك لا أقبل أن يوضع العامل ورب العمل في مواجهة سطحية، كما لو أن مصلحة أحدهما لا تتحقق إلا بخسارة الآخر.

العامل يحتاج إلى أجر يحفظ كرامته، والمقاولة تحتاج إلى شروط تسمح لها بالبقاء والاستثمار والتوظيف. وإذا انهارت المقاولة فلن يبقى أجر لندافع عنه، وإذا ظل العامل فقيرا فلن يبقى طلب داخلي قوي يحرك الاقتصاد. ولهذا فإن السياسة الاجتماعية الجادة هي التي تبحث عن التوازن، لا عن التصفيق الانتخابي.

يمكن أن تكون الزيادة في الأجور عاملا إيجابيا للاقتصاد إذا رفعت القدرة الشرائية وحركت الاستهلاك الداخلي، لأن العامل الذي يتحسن دخله لن يضع بالضرورة هذه الزيادة في حساب ادخاري، بل سينفق جزءا كبيرا منها في السوق، في الغذاء والملابس والنقل والسكن والخدمات. وهذا يعني أن جزءا من الزيادة سيعود إلى المقاولات نفسها عبر الطلب.

لكن هذا السيناريو الإيجابي يحتاج إلى تنفيذ متدرج ومدروس، وإلى مواكبة المقاولات الصغرى، وإلى مراقبة الأسواق حتى لا تتحول الزيادة في الأجور إلى ذريعة لزيادة الأسعار، وإلا سنرفع الراتب بيد ثم نسترجع الزيادة من جيب المواطن باليد الأخرى.

الأخطر في رأيي هو أن تتحول قضية الحد الأدنى للأجر إلى مزاد سياسي.

يعلن حزب 5000 درهم، فيرد آخر بالموافقة، وقد يظهر ثالث ليقول إنه قادر على تقديم أكثر. ثم تتحول السياسة الاجتماعية إلى مسابقة أرقام: من يعد أكثر؟ من يرفع أكثر؟ من يعلن رقما أكبر؟

وهنا تضيع الأسئلة الحقيقية: من أين سيأتي التمويل؟ ما حجم الكلفة؟ ما أثر القرار على التشغيل؟ هل سيطبق دفعة واحدة أم على مراحل؟ هل يشمل مختلف القطاعات بالشروط نفسها؟ ما الإجراءات التي ستُتخذ لمساعدة المقاولات التي لا تستطيع تحمل الزيادة فوراً؟

أنا أريد من الحزب الذي يعدني بـ5000 درهم أن يقدم لي أكثر من شعار.

أريد تاريخا واضحا للتطبيق.

أريد أن أعرف هل المبلغ صاف أم إجمالي.

أريد أن أعرف ما الذي سيفعله إذا رفض بعض المشغلين التنفيذ.

أريد أن أعرف ماذا سيقدم للمقاولات الصغيرة حتى لا تدفعها الزيادة إلى تقليص العمال.

وأريد أن أعرف ما الضمانة السياسية التي تجعل هذا الوعد مختلفا عن عشرات الوعود التي استُهلكت ثم اختفت بعد الانتخابات.

المشكلة إذن ليست في 5000 درهم، بل في الثقة.

الثقة هي العملة الحقيقية لأي انتخابات. والحزب الذي يستهلكها في وعود غير قابلة للتنفيذ قد يربح أصواتا مؤقتة لكنه يخسر شيئا أثمن بكثير: ثقة المواطن في السياسة نفسها.

وهنا أرى الخطر الأكبر.

فإذا اقتنع المواطن أن الوعود الاجتماعية لا تظهر إلا قبل الانتخابات، وأنها تتراجع بمجرد تشكيل الحكومة، فقد لا يعاقب حزبا واحدا فقط، بل قد يعاقب العملية السياسية كلها بالعزوف. وعندها لا يعود السؤال من سيربح الانتخابات، بل كم من المواطنين سيظلون مقتنعين بأن المشاركة تستحق العناء أصلا.

أنا مع رفع الأجور، ومع تحسين أوضاع الطبقات العاملة، ومع كل سياسة تقلص الفوارق الاجتماعية. لكنني ضد تحويل معاناة الناس إلى مادة انتخابية رخيصة.

من يريد فعلا إنصاف الأجير، فليضع أمام المغاربة خطة مكتوبة، وجدولا زمنيا، ومصادر تمويل، وإجراءات لحماية التشغيل، وآليات واضحة للمحاسبة.

أما أن يقال للمواطن قبيل الاقتراع: سنمنحك 5000 درهم إذا منحتنا صوتك، فهذه صيغة تحتاج إلى الكثير من الحذر.

لأن الأجير ليس رقما انتخابيا، وصوته ليس شيكا على بياض.

والسياسة الاجتماعية ليست مزادا.

إنها عقد ثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا العقد، لا تكفي الوعود.

ما يهمني كمواطن ليس ما يقال قبل الانتخابات، بل ما سيبقى صحيحا في صباح اليوم التالي لإغلاق صناديق الاقتراع.



0 التعليقات: