الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 10، 2026

الطفل الجزائري يدفع الثمن: شهور بلا دراسة ولا بديل تربوي : عبده حقي

 


كلما تأملت رزنامة المدرسة الجزائرية أجد نفسي أمام سؤال لا أستطيع تجاوزه: هل يمكن لبلد يريد بناء مستقبله أن يقبل بأن يقضي جزء من أطفاله ما يقارب أربعة أشهر بعيداً عن التعليم الفعلي؟

أنا لا أهاجم حق الطفل في العطلة، ولا أريد مدرسة تحول الصغار إلى آلات للدراسة والحفظ. على العكس، أؤمن بأن الطفل يحتاج إلى اللعب والراحة والأسرة والسفر والرياضة والفن بقدر حاجته إلى الكتاب والقسم والمدرس. لكنني أفرق بين العطلة والفراغ، وبين الراحة والانقطاع الطويل عن التعلم.

المادة التي بين يدي تحسب الفترة الممتدة من التوقف الفعلي للدروس لدى فئات من التلاميذ في منتصف ماي إلى الدخول المدرسي في 21 شتنبر بنحو 129 يوماً. وحتى إذا رفضنا هذا الحساب واعتبرنا نهاية ماي نهاية حقيقية للموسم الدراسي، فإننا نظل أمام نحو 16 أسبوعاً من الانقطاع.

وهنا يبدأ قلقي.

لأنني لا أقرأ هذه الأرقام بوصفها أياماً في تقويم، بل بوصفها زمناً من عمر الطفل. ماذا يفعل الطفل خلال هذه الأسابيع؟ هل يقرأ؟ هل يمارس الموسيقى؟ هل يدخل مختبراً علمياً؟ هل يلتحق بناد رياضي؟ هل تزوره المدرسة في العطلة عبر برامج ثقافية؟ هل توجد مكتبة حقيقية في حيه؟

بالنسبة إلى بعض الأسر الميسورة قد تكون الإجابة نعم. يمكن تسجيل الطفل في ناد، أو إرساله إلى دورة لغة، أو تنظيم رحلة، أو توفير كتب وأجهزة وأنشطة متنوعة.

لكن ماذا عن ابن الأسرة الفقيرة؟

هنا يصبح النقاش اجتماعياً بقدر ما هو تربوي. فالطفل الذي لا تستطيع أسرته تمويل أنشطة الصيف قد يواجه أشهراً من الفراغ، والهاتف المحمول، والألعاب الإلكترونية، والتلفزيون، والشارع. وهذا يعني أن العطلة نفسها لا تكون متساوية بين الأطفال.

طفل يعود إلى المدرسة وقد قرأ وسافر ومارس الرياضة وتعلم لغة، وطفل آخر يعود إليها بعد شهور من الانقطاع شبه الكامل عن كل نشاط تعليمي أو ثقافي. أليس هذا شكلاً آخر من أشكال إنتاج اللامساواة داخل المجتمع؟

ثم إنني أرفض أن تختزل القضية في تاريخ الدخول المدرسي وحده. المشكلة أعمق بكثير. ما يهمني هو عدد أيام التعليم الحقيقي وعدد الساعات التي يقضيها الطفل في تعلم فعلي.

قد تقول الوزارة إن المدرسة لم تنته في ماي وإنما في يونيو. جيد. لكن ماذا كان يحدث فعلاً داخل الأقسام بعد نهاية اختبارات الفصل الثالث؟ وهل استمرت الحصص بالجدية نفسها؟ وهل كان حضور التلاميذ والأساتذة منتظماً؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن نجيب عنها قبل أن نختبئ خلف الرزنامة الرسمية.

المدرسة ليست بناية مفتوحة الأبواب. المدرسة هي درس ونشاط ومختبر ورياضة ومسرح وموسيقى وقراءة ونقاش وتكوين. فإذا بقي الباب مفتوحاً ولم يعد التعلم موجوداً، فليس من الصعب أن ندرك أن السنة الدراسية انتهت عملياً.

ويزيد الأمر إثارة للتساؤل عندما نقارن هذه المدة بما أورده النص عن بلدان مثل تونس والمغرب وتركيا والسعودية وفرنسا. فمع اختلاف الأنظمة والمناخات، يبدو أن الانقطاع الجزائري أطول في عدد مهم من الحالات.

ولا أقصد من المقارنة القول إن علينا نسخ فرنسا أو المغرب أو تركيا. لكل بلد ظروفه. لكن المقارنة مرآة، والمرآة تساعدنا على رؤية ما اعتدنا عليه حتى لم نعد نراه.

أما حجة الحرارة، فلا تقنعني وحدها. فإذا كانت بعض مناطق الجزائر تعرف حراً شديداً، فالحل ليس بالضرورة تقليص السنة الدراسية كلها. يمكن تعديل ساعات الدراسة، وتحسين التهوية والتكييف، واعتماد رزنامات جهوية أكثر مرونة، وتطوير البنية المدرسية. لا ينبغي أن يتحول عجز المدرسة عن مواجهة المناخ إلى تقليص حق الطفل في زمن التعلم.

والأخطر في نظري أن القضية لا تتعلق فقط بالعطلة، وإنما بثقافة مدرسية كاملة تحتاج إلى مراجعة. فإذا كانت البداية الفعلية للدراسة تتأخر في بعض المؤسسات بسبب نقص الأساتذة أو التجهيزات، وإذا كانت السنة تتعرض لانقطاعات متعددة، فإننا لا نملك ترف إهدار أسابيع أخرى.

كل أسبوع ضائع ليس مجرد رقم.

إنه ساعات من القراءة والحساب والعلوم واللغة.

إنه فرصة ضائعة لتكوين طفل سيصبح بعد سنوات طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً أو حرفياً أو باحثاً أو مواطناً مسؤولاً.

ولهذا أرى أن إصلاح التعليم يبدأ أيضاً من إصلاح علاقتنا بالزمن. كم ندرس؟ ماذا ندرس؟ كيف ندرس؟ ماذا يفعل الطفل عندما لا يدرس؟

هذه أربعة أسئلة لا تقل أهمية عن المناهج والكتب والامتحانات.

وأنا لا أريد تمديد السنة بطريقة ميكانيكية. ستة أسابيع إضافية من تعليم سيئ لن تصنع مدرسة جيدة. المطلوب أن نجمع بين كمية زمن التعلم وجودته.

كما ينبغي ألا تظل العطلة فراغاً مؤسساتياً. لماذا لا تفتح المدارس ومراكز الشباب والمكتبات أبوابها صيفاً أمام برامج اختيارية؟ لماذا لا تصبح العطلة فرصة للمسرح والسينما والرياضة والبرمجة واللغات والقراءة والرحلات العلمية؟

الدولة التي تريد حماية طفلها لا تسأل فقط ماذا يفعل داخل الفصل، بل ماذا يحدث له عندما يغادر الفصل.

إنني أخشى أن يكون النقاش حول المدرسة في الجزائر قد انشغل طويلاً بالشعارات الكبرى: إصلاح المنظومة، تحديث البرامج، الرقمنة، المناهج، اللغات، الامتحانات، بينما بقي سؤال بسيط جداً على الهامش: كم يتعلم الطفل فعلاً خلال السنة؟

هذا السؤال البسيط قد يكون أكثر إزعاجاً من مئات الخطب.

لأن المدرسة لا تقاس بما تعلنه الوزارة، وإنما بما يدخل إلى عقل الطفل.

وإذا كنا نريد حقاً مدرسة تصنع المستقبل، فعلينا أن نتوقف عن اعتبار الزمن المدرسي تفصيلاً إدارياً. الزمن هو المادة الخام للتعليم، وإهداره يعني إهدار فرصة لن تعود مرة أخرى من حياة جيل كامل.


0 التعليقات: