تتحرك الصحافة اليوم خارج حدودها القديمة بسرعة لافتة، ولم تعد غرفة الأخبار التقليدية هي المكان الوحيد الذي تُصنع فيه القصة أو تُبنى فيه الثقة أو يصل منه الصحفي إلى ملايين المتابعين. هذا التحول لم يعد مجرد ظاهرة هامشية مرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي، بل صار جزءًا من إعادة تشكيل المهنة نفسها، وهو ما يعكسه قرار المركز الدولي للصحفيين تكريم جوني هاريس وإيز هاريس بجائزة المؤسسين لعام 2026.
إن اختيار هذين الاسمين ليس مجرد احتفاء بمسيرة ناجحة في صناعة الفيديو الرقمي، بل يحمل دلالة أعمق تتصل بمستقبل الصحافة ومفهوم الصحفي ذاته. فجوني هاريس لم يبن حضوره عبر مؤسسة إعلامية تقليدية وحدها، وإنما انتقل من تجربة مهنية داخل «فوكس» إلى مشروع إعلامي مستقل استطاع من خلاله الوصول إلى ملايين الأشخاص، وتحويل قناته على يوتيوب إلى منصة قائمة بذاتها، يتابعها نحو 7.5 ملايين مشترك، وتجاوز مجموع مشاهداتها مليار مشاهدة.
هذه الأرقام في حد ذاتها ليست هي القضية الأهم. الأهم هو ما تكشف عنه: الجمهور لم يعد ينتظر الصحفي داخل الجريدة أو نشرة الأخبار أو الموقع الإلكتروني، بل أصبح يتابع الصحفي نفسه، ويثق في أسلوبه وشخصيته وطريقته في شرح العالم. لقد انتقل جزء من سلطة الإعلام من المؤسسة إلى الفرد، ومن العلامة الصحفية الكبرى إلى اسم صانع المحتوى الذي ينجح في تكوين جماعته الخاصة من المتابعين.
جوني هاريس مثال واضح لهذا التحول. فهو يعتمد على الفيديو البصري في تفكيك قضايا دولية معقدة وتقديمها بأسلوب يزاوج بين الصحافة والتحقيق والسرد السينمائي والتبسيط البصري. وقبل انتقاله إلى العمل المستقل سنة 2020، كان قد أنشأ وقدم سلسلة «Vox Borders»، ثم واصل رفقة زوجته إيز هاريس بناء نموذج إعلامي مختلف من خلال شركة Newpress.
هنا تصبح القضية أكبر من نجاح شخصين. نحن أمام نموذج جديد للعمل الإعلامي، حيث يمكن للصحفي أن يكون في الوقت ذاته باحثًا ومحققًا وكاتبًا وراويًا وصانع فيديو ومديرًا لمنصة إعلامية، وأن يصل إلى الجمهور من دون المرور بالضرورة عبر جميع البوابات التقليدية التي حكمت الصحافة طوال عقود.
لكن هذا التحول لا يعني أن المؤسسات الإعلامية أصبحت بلا قيمة، ولا أن كل صانع محتوى أصبح صحفيًا. الفارق بين المحتوى والصحافة يظل جوهريًا. فالصحافة تقوم على البحث والتحقق والمسؤولية المهنية والتحرير واحترام الوقائع والقدرة على التمييز بين الخبر والرأي والدعاية. الخطر يبدأ عندما يُختزل النجاح الإعلامي في عدد المشاهدات أو المتابعين، لأن المنصات الرقمية قد تكافئ الإثارة والسرعة والانفعال أكثر مما تكافئ الدقة والعمق.
ومن هنا تكتسب تصريحات رئيسة المركز الدولي للصحفيين شارون موشافي دلالة خاصة، فقد أشارت بوضوح إلى أن الصحافة لم تعد تحدث فقط داخل غرف الأخبار التقليدية، وأن جوني وإيز هاريس استطاعا بناء بنية تحريرية وتمويلية ومناخ من الثقة يتيح للصحفيين من صُنّاع المحتوى إنجاز صحافة متعمقة.
إن عبارة «الصحفيون من صنّاع المحتوى» تستحق التوقف عندها طويلًا، لأنها تكاد تختصر انقلابًا كاملاً في المفاهيم. فقد كنا قبل سنوات نتحدث عن الصحفي في مقابل المدون أو اليوتيوبر أو المؤثر، أما اليوم فقد بدأت الحدود تتداخل، وظهر جيل جديد يستعير من الصحافة أدوات التحقيق، ومن السينما تقنيات السرد، ومن شبكات التواصل سرعة الانتشار، ومن العلامة الشخصية قوة بناء الجمهور.
هذا النموذج يطرح سؤالًا حاسمًا: من سيملك العلاقة مع الجمهور في المستقبل، المؤسسة أم الصحفي؟
في الإعلام التقليدي كان القارئ يشتري الجريدة أو يشاهد القناة، ثم يتعرف من خلالها على الصحفي. أما في البيئة الرقمية فقد يحدث العكس: المتابع يذهب مباشرة إلى الصحفي، ثم يتابع المؤسسة أو المشروع الذي أنشأه هذا الصحفي. وهذا التحول يغير مفهوم الولاء الإعلامي بالكامل.
كما أنه يغير الاقتصاد نفسه. الصحفي المستقل أو صانع المحتوى الصحفي يحتاج إلى نموذج تمويل يمكنه من إجراء التحقيقات والسفر والتصوير والتحرير والعمل مع فريق متخصص من دون أن يقع تحت ضغط المعلنين أو المنصات أو البحث الدائم عن المشاهدات. ولذلك فإن نجاح هذا النموذج لا يقاس فقط بالقدرة على تكوين جمهور واسع، بل كذلك ببناء مؤسسة تحريرية مستقرة تستطيع حماية الاستقلالية المهنية.
المشروع الجديد لجوني وإيز هاريس، «العنصر البشري»، يقدم بدوره صورة عن الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه الصحافة الرقمية خلال السنوات القادمة. فالسلسلة الوثائقية، بحسب الإعلان، تتجه نحو القضايا العالمية الكبرى من خلال المزج بين المغامرة والتحقيق والسرد الإنساني. وهذا بالضبط ما تبحث عنه أجيال جديدة من الجمهور: معلومات موثقة، ولكن داخل قصة بصرية جذابة، وفهم للظواهر المعقدة من خلال الإنسان وليس من خلال الأرقام وحدها.
غير أنني أعتقد أن الرهان الأكبر لا يكمن في التكنولوجيا ولا في يوتيوب ولا في المنصات، بل في الثقة. فالمؤسسات الإعلامية التاريخية راكمت الثقة عبر عقود من العمل، بينما يضطر الصحفي المستقل إلى بناء هذه الثقة بنفسه، وربما يخسرها بخطأ واحد إذا لم يكن محاطًا بآليات تحرير ومراجعة وتحقق قوية.
ولهذا لا ينبغي أن نفهم صعود الصحفي صانع المحتوى باعتباره نهاية للصحافة القديمة، وإنما باعتباره ضغطًا هائلًا عليها كي تتغير. المؤسسات التي ستستمر هي التي تدرك أن الجمهور تغير، وأن اللغة البصرية أصبحت مركزية، وأن الشخصية الصحفية قد تصبح هي نفسها وسيلة إعلام، وأن السرد الطويل يمكن أن ينجح حتى على الإنترنت إذا قُدم بذكاء.
ويتزامن تكريم جوني وإيز هاريس مع حفل جوائز المركز الدولي للصحفيين المقرر تنظيمه يوم 10 نوفمبر 2026 في واشنطن، وهو حفل أعلن المركز أنه لن يكتفي خلاله بتكريم إنجازات الصحافة المستقلة، وإنما سيتطلع كذلك إلى المبتكرين والأفكار التي تحدد الاتجاه المقبل للمهنة.
وفي تقديري، فإن «الاتجاه المقبل» بدأ بالفعل.
إنه اتجاه تتحول فيه الصحافة من مؤسسة مغلقة إلى شبكة مفتوحة، ومن إنتاج جماعي لا نعرف دائمًا الوجوه التي تقف خلفه إلى علاقة مباشرة بين الصحفي والجمهور، ومن النص والخبر إلى تجربة متعددة الوسائط تجمع الصورة والخرائط والبيانات والصوت والفيديو والتحقيق.
لكن المستقبل الحقيقي لن يكون للصحفي التقليدي وحده، ولا للمؤثر وحده، وإنما لذلك النموذج الهجين القادر على الجمع بين صرامة الصحافة وجاذبية المحتوى، وبين التحقق وسرعة المنصة، وبين عمق التحقيق وذكاء السرد.
ولهذا فإن تكريم جوني وإيز هاريس لا ينبغي قراءته بوصفه خبرًا عن جائزة صحفية فقط، بل كإشارة إلى تغير عميق في بنية الإعلام العالمي. فالصحفي لم يعد مضطرًا دائمًا إلى انتظار المؤسسة كي تمنحه المنبر؛ يستطيع أن يبني منبره بنفسه. والمؤسسة بدورها لم تعد تستطيع الاعتماد على تاريخها أو اسمها كي تضمن ولاء الجمهور.
نحن أمام إعادة توزيع للسلطة الإعلامية.
المنصة تملك الخوارزمية، والمؤسسة تملك التقاليد والخبرة، وصانع المحتوى يملك علاقته المباشرة بالجمهور، لكن الصحفي الحقيقي يظل مطالبًا بامتلاك الشيء الأهم: المصداقية.
وقد تكون المعركة الكبرى في صحافة المستقبل هي بالضبط هذه: من يستطيع أن يجمع بين الجمهور الواسع والحقيقة، بين الجاذبية والدقة، وبين الاستقلال والاستدامة؟
إذا نجح الصحفي صانع المحتوى في ذلك، فلن يكون مجرد منافس للصحافة التقليدية، بل ربما يصبح أحد أهم أشكالها الجديدة.
بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق