الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، سبتمبر 08، 2026

واقع ومستقبل علم الاجتماع الرقمي في المغرب: عبده حقي


المجتمع الذي انتقل إلى الشاشة قبل أن تلحق به السوسيولوجيا

يعيش المغرب اليوم داخل مجتمعين متداخلين إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما: مجتمع الشارع والأسرة والمدرسة والإدارة والسوق والمقهى، ومجتمع آخر يتشكل كل ثانية داخل الهواتف والمنصات ومحركات البحث وتطبيقات المراسلة وشبكات الفيديو القصير.

غير أن الخطأ يبدأ عندما نتصور أن الثاني مجرد نسخة افتراضية من الأول؛ فالفضاء الرقمي لم يعد مرآة تعكس المجتمع المغربي فقط، بل أصبح قوة تعيد تشكيله، وتغير لغته وسلوك أفراده وعلاقاتهم بالسلطة والمعرفة والحب والدين والسياسة والشهرة والمال.

ومن هنا أعتقد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه علم الاجتماع المغربي ليس: هل نحتاج إلى علم اجتماع رقمي؟ بل: هل ما زال ممكناً اليوم أن ندرس المجتمع المغربي دراسة سوسيولوجية جادة من دون دراسة حياته الرقمية؟

الأرقام وحدها تكفي لكي ندرك حجم التحول. وتشير معطيات تقرير Digital 2026 إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في المغرب بلغ نحو 35.5 مليوناً في أواخر سنة 2025، بنسبة انتشار قدرت بحوالي 92.2 في المائة، فيما بلغ عدد هويات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي نحو 22.8 مليوناً. وهذه الأرقام، مع ضرورة الانتباه إلى الفروق المنهجية بين «الحسابات» والأشخاص الفعليين، تعني أن الرقمي لم يعد قطاعاً هامشياً من الحياة المغربية، بل أصبح جزءاً من بنيتها اليومية. (DataReportal)

لذلك فإن المغربي الذي يدرسه عالم الاجتماع اليوم ليس فقط ذلك الفرد الذي يدخل المصنع أو المدرسة أو المسجد أو مقر الحزب أو سوق العمل، وإنما هو أيضاً الإنسان الذي يستيقظ فيتفقد هاتفه، ويستقبل الأخبار عبر واتساب وفيسبوك وتيك توك ويوتيوب، ويكوّن جزءاً من تصوراته عن العالم من خلال خوارزميات لا يعرف كيف تعمل، ويستهلك الصور والشائعات والموسيقى والخطابات السياسية والدينية، وربما يستشير الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب أو الأستاذ أو الصحفي.

هذه هي اللحظة التي ينبغي أن تبدأ منها السوسيولوجيا الرقمية المغربية.

المجتمع المغربي دخل العصر الخوارزمي

ظل النقاش حول الرقمنة لسنوات طويلة أسير سؤال تقني: كم عدد المشتركين؟ وما سرعة الإنترنت؟ ومن يملك هاتفاً ذكياً؟ وأي منصة هي الأكثر استعمالاً؟

لكن هذه الأسئلة لم تعد كافية.

السؤال السوسيولوجي الأكثر خطورة هو: ماذا صنعت الرقمنة بالمغربي نفسه؟

ماذا فعلت بالعائلة حين أصبحت شاشة الهاتف حاضرة إلى مائدة الطعام؟ ماذا فعلت بالسلطة الأبوية؟ ماذا فعلت بالعلاقات بين الرجال والنساء؟ ماذا صنعت بمفهوم الخصوصية؟ كيف أعادت تشكيل صورة النجاح الاجتماعي؟ ولماذا أصبحت الشهرة الرقمية لدى فئات من الشباب رأسمالاً اجتماعياً قد ينافس الشهادة الجامعية؟

ثم ماذا فعلت المنصات باللهجات واللغات المغربية؟

هناك اليوم دارجة مكتوبة لم تكن موجودة بهذه الكثافة سابقاً، وعربية هجينة، وفرنسية ممزوجة بالدارجة، وتعبيرات أمازيغية تنتقل بين مناطق لم تكن تتداولها بالوتيرة نفسها، فضلاً عن لغة جديدة من الرموز والصور الساخرة والفيديوهات والمختصرات.

هذه ليست مجرد تغيرات لغوية. إنها تغيرات في بناء الهوية نفسها.

من المجتمع الشبكي إلى المواطن الخوارزمي

قدم البحث السوسيولوجي المغربي في السنوات الأخيرة إشارات مهمة إلى هذا التحول. ويشكل كتاب الباحثة المغربية بشرى زكاغ «الشبكات الرقمية ودينامية الحقل الاجتماعي/السياسي بالمغرب»، الصادر سنة 2023 عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نموذجاً بارزاً في هذا المسار؛ إذ تناول الشبكات الرقمية والمجتمعات الشبكية المغربية والهوية والشباب والتفاعل بين الواقعي والافتراضي، موظفاً أدوات من بينها الإثنوغرافيا والنتنوغرافيا. (Google Livres)

وتكمن أهمية مثل هذه الدراسات في أنها تنقلنا من التفكير في الإنترنت باعتباره مجرد «وسيلة اتصال» إلى التفكير فيه باعتباره وسطاً اجتماعياً جديداً لإنتاج السلوك والهوية والقوة.

لكن التحول الجاري أسرع من المصطلحات التي نستخدمها لوصفه.

فنحن لا نعيش اليوم فقط داخل «مجتمع شبكي». لقد دخلنا تدريجياً مرحلة المجتمع الخوارزمي.

الخوارزمية تقترح للمغربي ما يشاهده، ومن يتابعه، وأي خبر قد يصل إليه قبل غيره، وأي أغنية يسمعها، وأي منتج يشتريه، وأحياناً أي تفسير للحدث السياسي يراه أولاً.

وهنا تظهر مهمة جديدة أمام علم الاجتماع المغربي: لم يعد المطلوب دراسة العلاقة بين الإنسان والإنسان فقط، بل دراسة العلاقة الثلاثية بين الإنسان والمجتمع والخوارزمية.

من يصنع الرأي العام المغربي اليوم؟

كان عالم الاجتماع يستطيع في الماضي أن يبحث عن مراكز إنتاج الرأي العام في الصحافة والإذاعة والتلفزيون والأحزاب والنقابات والمدرسة والمسجد والجامعة.

أما اليوم فقد تغيرت الخريطة.

قد يصنع مؤثر يمتلك هاتفاً وحساباً على منصة اجتماعية نقاشاً وطنياً خلال ساعات، بينما تفشل مؤسسة تمتلك ميزانية ضخمة في الوصول إلى التأثير نفسه.

وقد يبدأ هاشتاغ من حادث محلي صغير ثم يتحول إلى قضية رأي عام.

وقد تجعل خوارزمية فيديوً هامشياً مرئياً لملايين المشاهدين، بينما تدفن محتوى آخر أكثر جودة.

وهنا يواجه علم الاجتماع سؤالاً شديد التعقيد: هل ما نشاهده على شبكات التواصل يمثل المجتمع فعلاً، أم يمثل المجتمع كما أعادت الخوارزميات ترتيبه؟

هناك فرق هائل بين الأمرين.

فالمنصة لا تعرض الواقع كاملاً. إنها تنتقي وتضخم وتكرر وتقترح. وبذلك يصبح ما نعتقد أنه «الرأي العام الرقمي» نتيجة تفاعل بين المواطنين والمنصات والخوارزميات والمعلنين وصناع المحتوى.

المغرب مختبر سوسيولوجي استثنائي

يمتلك المغرب خصائص تجعل منه مختبراً بالغ الأهمية لدراسة المجتمع الرقمي.

فهو مجتمع متعدد اللغات، تتجاور داخله العربية والأمازيغية والدارجة والفرنسية والإسبانية والإنجليزية بدرجات متفاوتة، كما تتعايش داخله أنماط شديدة الاختلاف من التدين والحداثة والمحافظة والانفتاح.

ويضاف إلى ذلك الاختلاف بين المدينة والقرية وبين المركز والهامش وبين الأجيال.

لهذا يستطيع الباحث أن يسأل مثلاً: هل تستعمل فتاة عشرينية من الدار البيضاء تيك توك بالطريقة نفسها التي تستعمله بها امرأة في قرية جبلية؟ وهل يشكل واتساب المعنى نفسه بالنسبة إلى متقاعد في السبعين وشاب في العشرين؟ وهل يؤدي الذكاء الاصطناعي الوظيفة الاجتماعية نفسها لدى طالب جامعي وأستاذ وبائع وتاجر وصحفي؟

إن عبارة «المغاربة يستعملون الإنترنت» تخفي تحتها عشرات المجتمعات الرقمية الصغيرة.

وهنا ينبغي للسوسيولوجيا المغربية أن تنتقل من إحصاء المستخدمين إلى فهم الاستخدامات.

الفجوة الرقمية لم تعد تعني الاتصال فقط

كان مفهوم الفجوة الرقمية يعني في البداية الفرق بين من يمتلك الإنترنت ومن لا يمتلكه.

هذه الفكرة أصبحت ناقصة.

قد يمتلك شخصان الهاتف نفسه والاتصال نفسه، لكن أحدهما يستخدم الشبكة للتعلم والعمل والوصول إلى المعرفة والخدمات، بينما يستخدمها الآخر في استهلاك المحتوى لساعات طويلة.

كلاهما «متصل»، لكن الفارق بينهما معرفياً واجتماعياً قد يكون هائلاً.

لذلك ينبغي أن نتحدث في المغرب عن فجوة ثانية: فجوة الكفاءة الرقمية.

ثم هناك فجوة ثالثة أكثر خطورة يمكن تسميتها فجوة السيادة الرقمية: من يستطيع فهم الطريقة التي تؤثر بها الخوارزمية فيه، ومن يستعمل المنصة من دون أن يدرك أن المنصة تستعمل بياناته وانتباهه في الوقت نفسه؟

هذه الأسئلة ستكون، في تقديري، من أهم أسئلة علم الاجتماع خلال العقد المقبل.

الذكاء الاصطناعي سيقلب السوسيولوجيا المغربية

دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الحياة اليومية سيحدث تحولاً أكبر من التحول الذي أحدثته شبكات التواصل الاجتماعي.

فالآلة لم تعد تنقل الخطاب فقط، بل أصبحت تنتجه.

نحن أمام طلاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإنجاز واجباتهم، وكتاب يستعينون به في الكتابة، وموظفين يستخدمونه في العمل، ومواطنين يسألونه عن القانون والصحة والسفر والدين والسياسة والعلاقات الإنسانية.

وهذا يعني أننا ندخل مرحلة جديدة يظهر فيها طرف غير بشري داخل عملية إنتاج المعرفة.

من كتب النص؟ الإنسان أم الآلة؟

من صاحب الفكرة؟

من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

هل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي غش أم مهارة جديدة؟

هل سيؤدي توفر المعرفة الآلية إلى تقليص الفوارق الاجتماعية أم إلى إنتاج فوارق جديدة بين من يعرف كيف يسائل الذكاء الاصطناعي ومن يكتفي بتصديق أجوبته؟

هذه ليست أسئلة معلوماتية. إنها أسئلة سوسيولوجية في صميمها.

الدولة الرقمية تحتاج إلى سوسيولوجيا رقمية

أطلق المغرب استراتيجية «Digital Morocco 2030» سنة 2024، واضعاً التحول الرقمي ضمن رهانات تحديث الإدارة وتعزيز التنافسية والإدماج الاجتماعي والسيادة الرقمية. وفي يونيو 2026 جدد الخطاب الحكومي التأكيد على هذه الأهداف وعلى توسيع الاستثمار والتكوين في المجالات الرقمية. (Ministère de la Transition Numérique)

لكن الرقمنة ليست مسألة تقنية فقط.

يمكن بناء أفضل منصة للخدمات العمومية، لكنها لن تنجح إذا لم نفهم لماذا لا يستعملها المواطن.

وقد ننقل وثيقة إدارية من الشباك إلى الهاتف، لكننا بذلك لا نكون بالضرورة قد ألغينا عدم المساواة في الوصول إليها.

لهذا أرى أن كل سياسة للتحول الرقمي تحتاج إلى متخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا إلى جانب المهندسين والمبرمجين.

المهندس يستطيع أن يخبرنا كيف تعمل المنصة.

أما عالم الاجتماع فعليه أن يسأل: ماذا تفعل المنصة بالمجتمع؟

وهذا هو الفرق الجوهري.

المختبر السوسيولوجي الجديد موجود في الهاتف

ستحتاج الجامعات المغربية مستقبلاً إلى تجاوز الدراسات القائمة حصراً على الاستبيانات التقليدية.

ليس معنى ذلك التخلي عنها، وإنما إضافة أدوات جديدة: الإثنوغرافيا الرقمية، وتحليل الشبكات الاجتماعية، وتحليل المجتمعات الافتراضية، ودراسة انتشار الخطاب، وتحليل البيانات الرقمية، وسوسيولوجيا الخوارزميات، ودراسات الذكاء الاصطناعي.

ينبغي للباحث المغربي أن يدخل إلى تيك توك وإنستغرام ويوتيوب وفيسبوك ومنصات الألعاب ومنتديات النقاش وفضاءات الذكاء الاصطناعي لا بصفته مستخدماً فقط، بل بصفته عالم اجتماع.

هناك توجد اليوم قبائل جديدة، وسلطات جديدة، ونجوم جدد، ومهمشون جدد، وطقوس جديدة، ورؤوس أموال جديدة.

وهناك تتشكل أنماط من الصداقة والحب والعنف والسخرية والنرجسية والتضامن والاحتجاج لا يمكن فهم المجتمع المغربي المعاصر من دون تحليلها.

نحو سوسيولوجيا رقمية مغربية لا نسخة مترجمة

أكبر تحدٍّ لا يتمثل في تدريس نظريات غربية عن المجتمع الرقمي ثم تطبيقها بصورة آلية على المغرب.

المطلوب أكبر من ذلك.

نحتاج إلى إنتاج مفاهيمنا نحن.

ما معنى «الخصوصية» لدى الأسرة المغربية في عصر الهاتف؟

كيف تعمل السلطة الأبوية داخل واتساب؟

ما طبيعة التضامن العائلي الرقمي؟

كيف ينتقل الصراع السياسي من الشارع إلى الهاشتاغ ثم يعود من الهاشتاغ إلى الشارع؟

كيف يعاد تشكيل التدين عبر يوتيوب وتيك توك؟

ما أثر الهجرة الرقمية في علاقة مغاربة العالم بأسرهم وبلدهم؟

كيف تصنع المنصات صورة المغرب لدى المغاربة أنفسهم؟

وكيف تتغير معاني «الحشومة» و«العيب» و«الشهرة» و«الوجاهة» و«النجاح» عندما تنتقل من الحي والعائلة إلى فضاء يشاهده الملايين؟

من هذه الأسئلة يمكن أن تولد سوسيولوجيا رقمية مغربية حقيقية.

الخلاصة: المجتمع سبق الجامعة

المفارقة التي أراها اليوم واضحة: المجتمع المغربي تحول رقمياً بسرعة هائلة، بينما ما تزال العلوم الاجتماعية تحاول اللحاق به.

المواطن سبق الباحث إلى المنصة.

والطفل سبق المدرسة إلى الذكاء الاصطناعي.

والمؤثر سبق أحياناً عالم الاجتماع إلى فهم آليات صناعة الانتباه.

والخوارزمية أصبحت تعرف بعض عاداتنا قبل أن تبدأ الجامعة في دراستها.

لهذا لا أرى علم الاجتماع الرقمي في المغرب تخصصاً هامشياً يمكن إضافته إلى قائمة الوحدات الجامعية، بل أراه أحد المفاتيح الأساسية لفهم المغرب القادم.

فالمغرب الذي يتشكل أمامنا لن يكون مجتمعاً رقمياً فقط، بل مجتمعاً هجينا تتشابك فيه الحياة المادية والحياة الشبكية والذكاء الاصطناعي والخوارزميات والبيانات.

وسيصبح السؤال الأكبر أمام عالم الاجتماع المغربي خلال السنوات المقبلة ليس فقط: ماذا يفعل المغاربة بالتكنولوجيا؟

بل أيضاً:

ماذا تفعل التكنولوجيا بالمغاربة؟ ومن سيكون قادراً، في النهاية، على تفسير المجتمع المغربي: عالم الاجتماع، أم الخوارزمية التي تعرف عنه أكثر مما يتخيل؟



0 التعليقات: