الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، سبتمبر 09، 2026

أسبوع حقوقي ثقيل: العالم يزداد قوةً على الإنسان وضعفًا أمام الانتهاك: إعداد عبده حقي


أتابع كل أسبوع أخبار حقوق الإنسان فأخرج بانطباع يتجاوز بكثير مجموع الاعتقالات والمحاكمات والحروب التي تملأ التقارير. ما يقلقني اليوم ليس وجود الانتهاكات وحدها، فهي للأسف جزء قديم من التاريخ السياسي للبشرية، وإنما قدرة العالم المتزايدة على التعايش معها، وتحويلها بالتدريج إلى مشهد عادي لا يهز الضمير إلا لبضع ساعات قبل أن تدفع به موجة الأخبار التالية إلى الهامش.

حصيلة الأسبوع الماضي كانت ثقيلة. مدافعون عن حقوق الإنسان وراء القضبان، مجتمع مدني يتعرض للخنق، أطفال تقتلهم الحروب أو تستدرجهم الشاشات إلى العنف والاستغلال الجنسي، نساء يُدفعن خارج المدرسة والعمل والحياة العامة، مهاجرون يواجهون سياسات أوروبية أكثر صرامة، ومدنيون يكتشفون مرة أخرى أن القانون الدولي الإنساني قد يكون حاضرًا بقوة في النصوص وضعيفًا أمام المدافع والطائرات والقنابل.

وأمام هذه الصورة لا أستطيع أن أتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها قسمًا هامشيًا من الأخبار. إنها المرآة التي أرى فيها حقيقة السلطة، وحقيقة الحرب، وحقيقة الديمقراطية، بل وحقيقة التكنولوجيا التي نضعها اليوم بين أيدي أطفالنا.

تونس: عندما يصبح المجتمع المدني متهمًا دائمًا

كان الملف التونسي من أكثر الملفات إثارة للقلق خلال الأسبوع. ففي البلد الذي صنع قبل خمسة عشر عامًا واحدًا من أكبر آمال التحول الديمقراطي العربي، تتراكم اليوم المؤشرات على تضييق الفضاء المتاح أمام الجمعيات والنشطاء والمحامين والمعارضين والصحفيين.

القضية هنا لم تعد في اعتقال شخص واحد أو ملاحقة جمعية بعينها. إنني أرى أمامي تحولًا أعمق يمس العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني نفسه. فحين تصبح التحقيقات المالية والجنائية، والتوقيفات، وتعليق أنشطة الجمعيات، والتهديد بالحل، والمحاكمات الطويلة أدوات تتكرر ضد الفاعلين المدنيين، تصبح الرسالة أكبر من كل ملف قضائي منفصل: المجال العام نفسه أصبح تحت الضغط.

وجاءت قضية ما يسمى بـ«التآمر على أمن الدولة» لتضاعف هذا القلق بعدما وصلت إلى أعلى درجات التقاضي وظلت الأحكام الثقيلة المفروضة على شخصيات معارضة ومحامين وناشطين قائمة. وهنا لا أستطيع أن أفصل العدالة عن السياسة بسهولة، خصوصًا عندما ترتبط القضايا بأشخاص معروفين بمعارضتهم السلمية للسلطة.

المشكلة التي أراها في تونس اليوم هي أن الثورة التي وعدت بتوسيع المجال السياسي تواجه احتمال انكماشه. وأخشى أن تصبح عبارة «أمن الدولة» بابًا واسعًا تدخل منه ملفات كان الأولى أن تبقى داخل دائرة الاختلاف السياسي المشروع.

الديمقراطية لا تثبت قوتها عندما تصمت المعارضة، بل عندما تستطيع المعارضة أن تتكلم ولا تنهار الدولة.

البحرين: الحرية التي لم تكتمل حتى بعد العفو

ومن البحرين جاء خلال الأسبوع خبر يحمل مفارقة شديدة الدلالة. مدافع معروف عن حقوق الإنسان أُعيد توقيفه بعد فترة قصيرة من الإفراج عنه في إطار عفو ملكي.

مثل هذه الوقائع تجعلني أتساءل عن معنى الإفراج إذا كان المدافع الحقوقي يستطيع أن يعود سريعًا إلى دائرة التوقيف بسبب نشاطه أو تعبيره أو تحركاته. فالحرية لا تعني فتح باب السجن صباحًا إذا ظل احتمال إغلاقه من جديد معلقًا فوق رأس الإنسان مساءً.

ولا يزال ملف سجناء الرأي والمدافعين الحقوقيين في البحرين حاضرًا أيضًا في العلاقات مع أوروبا. وبينما تتطور الشراكات السياسية والاقتصادية بين المنامة وعواصم أوروبية، تستمر المطالب بإطلاق سراح شخصيات حقوقية قضت سنوات طويلة خلف القضبان.

وهنا أجد نفسي أمام السؤال القديم نفسه: كم تساوي حقوق الإنسان حين تدخل المصالح الاقتصادية والجيوسياسية إلى غرفة المفاوضات؟

السودان: الطبيب الذي خرج ليحارب المرض فاختفى في الاعتقال

ومن أكثر قصص الأسبوع رمزية بالنسبة إليّ قصة طبيب ومدافع سوداني عن حقوق الإنسان كان يقوم بعمل ميداني مرتبط بمكافحة مرض معدٍ في شرق السودان، قبل أن تعتقله جهة أمنية ويُنقل إلى الخرطوم ويبقى مكان احتجازه غير معلوم.

هذه ليست مجرد قصة معتقل آخر وسط حرب سودانية دامية. إنها تختصر المأساة كلها: رجل يعمل في الصحة ويدافع عن حقوق العاملين في المجال الطبي يجد نفسه مختفيًا خلف جدار أمني، بينما يحتاج المجتمع إلى كل طبيب وكل مسعف وكل مدافع عن الحياة.

وفي السودان اليوم لا يمكن فصل حقوق الإنسان عن الحرب. الاعتقال التعسفي والاختفاء والتعذيب وابتزاز النشطاء والصحفيين والمحامين والعاملين الإنسانيين تجري داخل بيئة أمنية ممزقة تتعدد فيها القوى المسلحة ومراكز النفوذ.

لهذا أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس فقط استمرار الحرب، بل أن تصبح الانتهاكات التي ولّدتها الحرب نظامًا موازيًا للحكم والمجتمع.

أفغانستان: امرأة تُمحى من المجال العام بالتقسيط

دخل ملف أفغانستان مجددًا إلى قلب النقاش الحقوقي الدولي خلال الأسبوع، وخصوصًا مع انطلاق دورة جديدة لمجلس حقوق الإنسان.

بعد خمس سنوات من عودة طالبان إلى السلطة، أصبحت الصورة أكثر وضوحًا من أن تحتاج إلى مجاملات دبلوماسية. القيود التي فُرضت على النساء والفتيات لم تعد إجراءات متفرقة، بل تكون منظومة متكاملة تقلص حق المرأة في التعليم والعمل والحركة والمشاركة العامة والاستقلال الشخصي.

عندما تُحرم الفتاة من التعليم، لا يُغلق أمامها باب المدرسة فقط، بل أبواب المستقبل الاقتصادي والسياسي والثقافي. وعندما تُستبعد المرأة من العمل والمجال العام، لا يُعاقب فرد واحد، بل يُعاد تصميم المجتمع كله على أساس التمييز.

وما يخيفني أكثر هو مرور الزمن. فالانتهاك الذي يستمر سنة يثير الغضب، أما الذي يستمر خمس سنوات فيخاطر بأن يصبح في وعي العالم «واقعًا قائمًا».

وهذا أخطر انتصار يمكن أن يحققه أي نظام قمعي: أن يجعلنا نتوقف عن الدهشة.

الشرق الأوسط: المدنيون هم من يدفعون فاتورة الحسابات العسكرية

وفي الشرق الأوسط كان الأسبوع شاهدًا جديدًا على اتساع دائرة الخطر على المدنيين.

التصعيد العسكري المتجدد بين قوى إقليمية ودولية يفتح بابًا مخيفًا أمام توسع الحرب إلى مناطق جديدة، من إيران إلى الخليج واليمن ولبنان. وفي كل مرة تتوسع فيها خريطة الصراع أجد أن الخريطة الإنسانية تتسع معها: قتلى، جرحى، نازحون، مستشفيات تحت الضغط، شبكات ماء وكهرباء مهددة، ومدن تكتشف أن الحياة المدنية يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى مسألة بقاء.

وخلال الأسبوع برزت أيضًا تحقيقات حول ضربات وقعت في أحياء سكنية مكتظة في طهران، مع مطالب بإجراء تحقيق مستقل لتحديد مدى احترامها لقواعد الحرب. المسألة هنا لا تتعلق بمن نؤيد سياسيًا. القانون الإنساني يفقد معناه كله إذا طبقناه فقط على أعدائنا وأعفينا حلفاءنا منه.

إما أن يكون المدني محميًا أينما كان، أو لا تكون كلمة «حماية المدنيين» سوى شعار سياسي انتقائي.

الضفة الغربية: الأرض نفسها أصبحت موضوعًا حقوقيًا

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ظل التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية في قلب الاهتمام الحقوقي، مع خطوات جديدة مرتبطة بالاستيلاء على أراض وتوسيع مستوطنات وربط تجمعات استيطانية بعضها ببعض.

وأنا لا أرى قضية الأرض هنا مجرد نزاع عقاري على بضعة هكتارات. السيطرة على الأرض تغير حياة السكان وطرق تنقلهم واقتصادهم ومستقبل تجمعاتهم، وتخلق على المدى الطويل وقائع يصعب التراجع عنها.

لقد بدأت بعض الدول الأوروبية تتحرك اقتصاديًا تجاه منتجات المستوطنات، وهو تطور مهم لأنني أعتقد أن البيانات السياسية تصبح عديمة القيمة إذا لم تكن وراءها أدوات مساءلة.

حقوق الإنسان لا تحمى بالخطب وحدها.

لبنان: سبعة أطفال بين قتيل وجريح كل يوم

ومن لبنان جاءت واحدة من أكثر الأرقام قسوة خلال الأسبوع: أكثر من سبعة أطفال يوميًا بين قتيل وجريح خلال ستة أشهر من العنف، في وقت ما تزال فيه أعداد كبيرة من السكان نازحة عن بيوتها رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار.

هناك أرقام لا ينبغي أن نمر عليها كإحصائيات. سبعة أطفال في اليوم يعني سبع عائلات على الأقل تعيش لحظة تغير حياتها إلى الأبد. يعني مدارس تفقد تلاميذها، وأطفالًا يحملون إصابات جسدية ونفسية قد ترافقهم سنوات طويلة.

وشهد الأسبوع أيضًا نقل خمسة أشخاص أفرج عنهم من الاحتجاز الإسرائيلي إلى لبنان بواسطة وسيط إنساني دولي.

الخبر إيجابي بالنسبة إلى عائلاتهم، لكنه يفتح مجددًا ملف المفقودين والمحتجزين والأشخاص الذين لا تعرف أسرهم مصيرهم. والاختفاء في الحروب ليس غياب إنسان واحد فقط؛ إنه تعليق حياة عائلة بأكملها بين الأمل والحداد.

أوروبا: المهاجر يتحول تدريجيًا إلى مشكلة أمنية

أما أوروبا، فقد واصلت خلال الأسبوع انزلاقها نحو مقاربة أكثر أمنية للهجرة.

خطط إنشاء ما يسمى «مراكز العودة» خارج الاتحاد الأوروبي تزداد حضورًا في المناقشات السياسية، مع بحث إمكانية نقل أشخاص رُفضت طلبات لجوئهم إلى دول ثالثة ربما لم يعيشوا فيها أصلًا.

أفهم أن للدول حق إدارة حدودها وتنظيم الهجرة، لكنني أرى خطًا خطيرًا يبدأ عندما تصبح الحدود وسيلة لنقل المسؤولية الحقوقية إلى خارج المجال الأوروبي.

ماذا سيحدث للمهاجر بعد نقله؟ من سيراقب ظروف احتجازه؟ هل يستطيع الوصول إلى القضاء والمحامي؟ ماذا لو تعرض للتعذيب أو الإعادة القسرية؟

إن إبعاد الإنسان جغرافيًا لا يُبعد المسؤولية الأخلاقية والقانونية عنه.

وفي المجر استمر العمل بنظام طوارئ متعلق بالهجرة منذ سنوات طويلة، وهو ما يعيد السؤال حول إمكانية تحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة. فالديمقراطية تبدأ في الخطر عندما تستمر حالة الطوارئ إلى درجة ينسى فيها المجتمع أنها كانت يفترض أن تكون مؤقتة.

أوروبا وروسيا: ماذا يبقى للضحية إذا أغلقت أبواب القضاء؟

واستوقفني خلال الأسبوع قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان شطب 879 دعوى مقدمة ضد روسيا، بعضها يعود إلى سنوات طويلة ويتعلق بادعاءات حول المحاكمة العادلة وحرية التعبير وظروف الاحتجاز والملكية وحرية الحركة.

أتفهم الصعوبات العملية التي تواجه مؤسسة قضائية أمام مئات أو آلاف الملفات، خصوصًا في ظل رفض روسيا تنفيذ عدد من الأحكام بعد خروجها من مجلس أوروبا، لكنني لا أستطيع أن أتجاهل الجانب الإنساني.

بالنسبة إلى المحكمة، الملف يحمل رقمًا. بالنسبة إلى صاحبه، قد يكون آخر باب متبقٍ في حياته للحصول على اعتراف بأن ظلمًا وقع عليه.

والعدالة المتأخرة مؤلمة، لكن العدالة التي لا تصل أبدًا أشد ألمًا.

القنابل العنقودية: حرب تستمر بعد أن تصمت المدافع

وأعاد الأسبوع ملف القنابل العنقودية إلى الواجهة مع انعقاد مؤتمر دولي حول اتفاقية حظرها وصدور تحذيرات من تزايد الخطر على المعاهدة وارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين.

أنا أعتبر القنبلة العنقودية نموذجًا مكثفًا لجنون الحرب الحديثة. فهي لا تقتل لحظة إسقاطها فقط؛ قد تترك وراءها ذخائر صغيرة غير منفجرة تنتظر طفلًا أو مزارعًا بعد سنوات من انتهاء الحرب.

الحرب تنتهي في نشرات الأخبار، لكنها لا تنتهي دائمًا في الأرض.

ولهذا فإن أي تراجع عن معاهدات نزع السلاح الإنساني لا يمثل تعديلًا تقنيًا في السياسة الدفاعية، بل يعني قبولًا مسبقًا بأن يدفع مدنيون مجهولون في المستقبل ثمن قرارات عسكرية نتخذها اليوم.

الأطفال والإنترنت: عشرون مليون ضحية محتملة في سنة واحدة

لكن ربما كان أكثر أخبار الأسبوع صدمة بالنسبة إليّ ما جاء من عالم لا توجد فيه دبابات ولا طائرات: هاتف الطفل.

أظهرت دراسة واسعة شملت 21 بلدًا أن ما يقدر بنحو عشرين مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عامًا تعرضوا في سنة واحدة لشكل من أشكال الاستغلال أو الاعتداء الجنسي الذي سهلته التكنولوجيا.

نحو طفل من كل خمسة.

والأخطر أن أكثر من نصف الانتهاكات حدث على منصات تواصل اجتماعي رئيسية يستخدمها الأطفال يوميًا، وأن أقل من واحد في المئة من الحالات وصلت إلى الشرطة أو العاملين الاجتماعيين أو خطوط المساعدة.

هذه الأرقام تغير بالنسبة إليّ مفهوم حقوق الطفل في العصر الرقمي. لقد اعتدنا أن نسأل: كم ساعة يقضي الطفل أمام الهاتف؟ السؤال الأهم أصبح: ماذا يحدث له داخل الهاتف؟

ولا يمكن للشركات التكنولوجية أن تستمر في اعتبار نفسها مجرد منصات محايدة. عندما تحقق الشركات المليارات من جذب انتباه الأطفال، فإن عليها أيضًا مسؤولية حماية هؤلاء الأطفال من الأشخاص والخوارزميات والآليات التي تحول الاتصال الرقمي إلى باب للاستغلال.

حقوق النساء: المعركة القانونية لم تنته

ومن قضايا المرأة إلى حماية الأطفال والحريات المدنية، تكشف حصيلة الأسبوع شيئًا آخر يقلقني: التقدم الحقوقي ليس طريقًا في اتجاه واحد.

يمكن لحق كسبته النساء في عقود أن يتعرض للتراجع. ويمكن لقانون حمى الطفل أن يضعف. ويمكن لمساحة حرية توسعت بعد ثورة أن تنكمش بعد سنوات. ويمكن لديمقراطية مستقرة أن تبدأ في التعايش مع إجراءات استثنائية لأن المجتمع اعتاد عليها.

ولهذا لا أؤمن بفكرة أن الحقوق تُكتسب مرة واحدة ثم تصبح أبدية.

الحقوق تحتاج إلى حراسة يومية.

الصحافة نفسها أصبحت جزءًا من القضية

حتى العمل الصحفي لم يخرج سالمًا من حصيلة الأسبوع. فقد برز في بريطانيا جدل بعدما مُنع صحفيون ومؤسسات إعلامية من تغطية مؤتمر حزب سياسي بطريقة اعتُبرت انتقائية.

قد تبدو الحادثة صغيرة مقارنة بالسجون والحروب، لكنها في نظري ليست كذلك.

فالسلطة تبدأ أحيانًا بمن تختار أن تسمح له بالدخول إلى القاعة قبل أن تصل إلى من تختار أن تسمح له بالكلام في المجتمع.

حرية الصحافة لا تُختبر فقط في الأنظمة الاستبدادية، بل كذلك داخل الديمقراطيات، خصوصًا عندما تبدأ الأحزاب والقوى السياسية في انتقاء الصحفيين الذين يغطون أخبارها بناء على درجة ارتياحها لما يكتبونه.

أخطر انتهاك هو الذي يصبح عاديًا

بعد متابعة هذه الحصيلة، لا أرى أمامي عالمًا بلا قوانين. لدينا اتفاقيات ومعاهدات ومحاكم ومجالس ومنظمات وتقارير وآليات للمساءلة أكثر مما عرفته البشرية في أي عصر سابق.

المفارقة أن الانتهاكات بدورها لم تختف.

ولهذا أعتقد أن أزمة حقوق الإنسان اليوم ليست أزمة غياب النصوص بقدر ما هي أزمة الإرادة في تطبيقها بلا انتقائية.

لا أستطيع أن أطالب بحرية المعتقل في بلد أختلف مع حكومته ثم أصمت عن المعتقل في بلد حليف. ولا أستطيع أن أدافع عن الطفل عندما يكون من قومي أو ديني وأتجاهل الطفل عندما يسقط على الطرف الآخر من الحدود. ولا يمكن لأوروبا أن تجعل حقوق الإنسان شرطًا على الآخرين ثم تبحث عن مناطق رمادية عندما يتعلق الأمر بالمهاجرين. ولا تستطيع الدول العربية أن تكتب الدساتير عن حرية التعبير ثم تجعل التعبير نفسه طريقًا إلى التحقيق والسجن.

حقوق الإنسان إما أن تكون عالمية أو تصبح مجرد أداة سياسية.

والخطر الأكبر الذي قرأته بين سطور أخبار هذا الأسبوع ليس الاعتقال وحده ولا الحرب وحدها ولا القنبلة العنقودية ولا الاستغلال الرقمي للأطفال. الخطر الأكبر هو الاعتياد.

أن نرى المعتقل ولا نسأل.

أن نشاهد الطفل الجريح وننتقل إلى الخبر التالي.

أن نسمع عن امرأة حُرمت من المدرسة للمرة المئة فلا نشعر بأن شيئًا استثنائيًا حدث.

أن يصبح السجن خبرًا يوميًا، والحرب خلفية دائمة، والمهاجر رقمًا، والضحية إحصائية.

هناك تبدأ الهزيمة الحقيقية لحقوق الإنسان، ليس عندما يقع الانتهاك فقط، بل عندما ينجح الانتهاك في إقناعنا بأنه طبيعي.

وأنا أرفض أن أعتبره طبيعيًا.


0 التعليقات: