تكشف متابعة أوضاع حقوق الإنسان خلال الأيام القليلة الماضية، من الجزائر إلى تونس وليبيا ومصر، مرورًا ببؤر الصراع في الشرق الأوسط العربي وصولًا إلى أوروبا، عن لوحة شديدة التعقيد تتداخل فيها الاعتقالات السياسية والمحاكمات المثيرة للجدل وقيود حرية الصحافة والتعبير مع الانتهاكات الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة وأزمة الهجرة واللجوء. ورغم اختلاف الأنظمة السياسية والسياقات الأمنية من بلد إلى آخر، فإن السؤال المشترك الذي يفرض نفسه هو مدى قدرة المؤسسات الوطنية والدولية على حماية الفرد عندما تتقدم اعتبارات الأمن والسياسة والهجرة والحرب على ضمانات الحقوق الأساسية.
الجزائر: حرية التعبير ما تزال في قلب الجدل الحقوقي
في الجزائر استمرت خلال الأيام الماضية مؤشرات القلق بشأن حرية التعبير والنشاط السياسي والرقمي، في امتداد لمناخ حقوقي شهد خلال السنوات الأخيرة متابعة نشطاء وصحفيين ومدونين ومستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي بسبب منشورات أو مواقف سياسية اعتبرتها السلطات مخالفة للقانون أو ماسة بمؤسسات الدولة.
وسجلت الأيام الأخيرة قضية ناشط حُكم عليه بالحبس على خلفية منشورات في موقع فيسبوك، كما برزت قضية مغني راب أُودع الحبس على خلفية أغنية، إضافة إلى توقيف ناشط بعد وصوله إلى مطار الجزائر ووضعه رهن الحبس المؤقت. وهي ملفات تعيد مرة أخرى النقاش بشأن الحدود الفاصلة بين تطبيق القوانين المتعلقة بالأمن والنظام العام وبين حماية الحق في التعبير السياسي والفني.
ولا يمكن عزل هذه التطورات عن السياق الأوسع الذي وثقت خلاله منظمات حقوقية دولية استخدام مواد قانونية واسعة الصياغة، بما فيها بعض مقتضيات مكافحة الإرهاب والمساس بالوحدة الوطنية، في قضايا مرتبطة بالتعبير والنشاط السياسي. كما ظلت قضايا بعض رموز الحراك والنشطاء والصحفيين حاضرة في التقارير الحقوقية، إلى جانب شكاوى بشأن المنع من السفر وتقييد النشاط المدني.
وتطرح هذه الملفات تحديًا أساسيًا أمام الجزائر يتمثل في كيفية المواءمة بين مقتضيات حماية الدولة والأمن العام وبين الحق في النقد والتعبير والتجمع السلمي. فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على تطبيق القانون، وإنما أيضًا بقدرتها على توفير مساحة آمنة للاختلاف السياسي والفكري والفني.
تونس: الصحافة والمعارضة في صدارة الأزمة الحقوقية
أما تونس، فقد كانت خلال الأيام الأخيرة من أكثر بلدان المنطقة حضورًا في الأخبار الحقوقية. ففي الثامن من شتنبر خرج صحفيون ونشطاء للاحتجاج والمطالبة بالإفراج عن الصحفي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع صحفي استقصائي، بعد توقيفه قبل ذلك بأيام، في قضية تتعلق باتهامات مالية.
وقد تحولت القضية بسرعة إلى اختبار جديد لوضع حرية الصحافة في البلاد، إذ اعتبرت أوساط صحفية وحقوقية أن توقيف اليوسفي يندرج في سياق أوسع من الضغوط التي يتعرض لها الإعلام المستقل، بينما تتمسك السلطات بحق المؤسسات القضائية في التحقيق في الجرائم بعيدًا عن صفة المتهم أو مهنته.
غير أن القضية لم تكن التطور الوحيد المهم. فقد أيدت أعلى محكمة تونسية مؤخرًا أحكامًا ثقيلة بحق عدد من أبرز شخصيات المعارضة والمحامين والنشطاء في ما يعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، ووصلت بعض العقوبات إلى عشرات السنوات من السجن.
ويعتبر المتهمون ومحاموهم أن القضية سياسية وأن إجراءات المحاكمة شابتها اختلالات، بينما تقول السلطة إن القضاء مستقل وإن القضايا تتعلق بجرائم تمس أمن الدولة ولا تستهدف المعارضة بسبب آرائها.
هكذا تجد تونس نفسها مرة أخرى أمام معادلة صعبة. البلد الذي شكل بعد سنة 2011 واحدًا من أبرز مختبرات التحول الديمقراطي العربي يعيش اليوم جدلًا عميقًا حول استقلال القضاء ومستقبل التعددية السياسية وحرية الصحافة والمجتمع المدني. وما يزيد الوضع حساسية أن القضايا لم تعد محصورة في الأحزاب السياسية، بل أصبحت تشمل صحفيين ومحامين ونشطاء ومنظمات مدنية.
ليبيا: المهاجرون عالقون بين شبكات الاتجار والانقسام الأمني
في ليبيا يظل ملف حقوق الإنسان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا باستمرار الانقسام السياسي وتعدد الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة وضعف قدرة المؤسسات المركزية على فرض سيادة القانون بصورة موحدة في جميع أنحاء البلاد.
ويبرز ملف المهاجرين واللاجئين باعتباره واحدًا من أخطر الملفات الحقوقية. فقد وثقت تقارير أممية واسعة أن مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء يتعرضون لأنماط من الاحتجاز التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري والابتزاز والاتجار بالبشر، في منظومة أصبحت بالنسبة إلى شبكات إجرامية مصدرًا لتحقيق أرباح مالية ضخمة.
وتزداد خطورة الوضع بسبب تداخل شبكات التهريب والاتجار بالبشر مع جهات مسلحة وأطراف مرتبطة ببعض المؤسسات الأمنية، مما يجعل الضحية في كثير من الأحيان عاجزة عن معرفة الجهة التي يمكن أن تلجأ إليها طلبًا للحماية.
كما ظل مسار انتقال مهاجرين من تونس إلى ليبيا موضع قلق دولي، بعد إثارة مزاعم تتعلق بآلاف المهاجرين واللاجئين الذين تعرضوا للاحتجاز أو الطرد الجماعي أو الاختفاء أو النقل في ظروف تفتقر إلى الضمانات القانونية.
وبذلك لم تعد أزمة الهجرة في ليبيا مجرد مسألة حدودية بين إفريقيا وأوروبا، بل تحولت إلى اقتصاد ظل تتشابك داخله الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والفساد والانفلات الأمني. وأي معالجة تقتصر على منع المهاجرين من عبور المتوسط من دون تفكيك هذه الشبكات ستظل معالجة جزئية للمشكلة.
مصر: الحبس الاحتياطي والسجون وحقوق المدافعين
أما في مصر فتظل قضايا السجون والحبس الاحتياطي المطول ومحاكمة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين من أبرز مصادر القلق الحقوقي.
وخلال الأسبوع الممتد من نهاية غشت إلى بداية شتنبر، رُصد تجديد حبس عدد من الأشخاص في قضايا مرتبطة بأمن الدولة، إلى جانب استمرار محاكمات أعداد كبيرة من المتهمين في قضايا ذات طابع سياسي أو أمني.
كما تجدد النقاش حول أوضاع السجون بعد زيارة النائب العام لأحد المجمعات الإصلاحية، إذ طالبت منظمة حقوقية مصرية بتوسيع عمليات التفتيش لتشمل سجن بدر 3، الذي سبق أن أثارت ظروف بعض السجناء داخله انتقادات وشكاوى حقوقية.
وتظل قضية المحامية الحقوقية هدى عبد المنعم مثالًا بارزًا على الإشكال المرتبط بالاحتجاز الممتد، حيث أثارت منظمات حقوقية مخاوف بشأن استمرار احتجازها رغم انتهاء حكم سابق، ومتابعتها في قضايا أخرى بتهم مرتبطة بالإرهاب، في وقت يعاني فيه وضعها الصحي من تدهور كبير.
كما برز خلال الأيام الأخيرة ملف امرأة بريطانية مصرية الأصل اعتُقلت في القاهرة في غشت، وسط مزاعم عائلتها بأن احتجازها مرتبط بنشاط شقيقتها المعارضة المقيمة خارج البلاد. ولم تُحسم القضية قضائيًا، ولذلك تظل الاتهامات والادعاءات المتبادلة بحاجة إلى تحقيق قضائي مستقل قبل الوصول إلى استنتاج نهائي.
وتعيد هذه الحالات طرح معضلة مزمنة في المشهد المصري: الاستخدام الواسع للحبس الاحتياطي والتشريعات الأمنية في مواجهة أشخاص مرتبطين بالعمل السياسي أو الصحفي أو الحقوقي، مقابل خطاب رسمي يؤكد أن الدولة تواجه تهديدات أمنية وإرهابية حقيقية وأن جميع المتهمين يخضعون للقضاء.
غزة والضفة الغربية: الحرب انتهت جزئيًا لكن ملف الحقوق لم ينته
في الأراضي الفلسطينية بقي الوضع الإنساني والحقوقي واحدًا من أكثر ملفات المنطقة مأساوية وتعقيدًا. فقد حذرت خبيرة أممية خلال الأيام الأخيرة من أن إزالة الركام في قطاع غزة بطريقة غير منظمة قد تؤدي إلى إتلاف أدلة محتملة مرتبطة بجرائم خطيرة، كما قد تعرقل عمليات البحث عن رفات آلاف المفقودين.
الركام هنا ليس مجرد بقايا مبان مهدمة، بل يحمل في داخله جثامين وأدلة ومعلومات يمكن أن تكون ذات أهمية في التحقيقات المستقبلية. ولهذا يطالب خبراء بأن تسبق عمليات الإعمار والإزالة إجراءات دقيقة للتوثيق الجنائي والتعرف على الضحايا.
أما في الضفة الغربية، فقد استمر ملف توسع المستوطنات والعنف المرتبط ببعض المستوطنين في إثارة انتقادات دولية متزايدة. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إنشاء بؤر استيطانية جديدة والتحكم في الأراضي والرعي والبنية التحتية أصبح من الأدوات التي تسهم في إزاحة تجمعات فلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقد انتقل الملف خلال الأيام الأخيرة من مجال البيانات السياسية إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية بعدما أعلنت دول غربية تدابير تستهدف منتجات المستوطنات، في مؤشر على ارتفاع مستوى الخلاف الدولي بشأن سياسة الاستيطان.
سوريا: اتهامات جديدة بانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب
وفي سوريا أعاد تقرير أممي حديث ملف الجنوب السوري إلى صدارة الاهتمام الحقوقي. فقد اعتبرت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أن بعض الممارسات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية قد ترقى إلى جرائم حرب، مشيرة إلى عمليات توغل واعتقال وإنشاء بنى عسكرية داخل مناطق سورية.
ووثق التقرير احتجاز عشرات السوريين، بينهم أطفال، مع مخاوف من نقل بعض المحتجزين إلى داخل إسرائيل وحرمانهم من التواصل مع العالم الخارجي.
إسرائيل من جانبها تقول إن وجودها العسكري مرتبط باعتبارات أمنية وإن إجراءاتها مؤقتة وهدفها منع المخاطر القادمة من الأراضي السورية. لكن اللجنة الأممية ترى أن طبيعة الوجود العسكري والعمليات على الأرض تثير مسائل قانونية تتجاوز مفهوم الإجراءات الأمنية المؤقتة.
والقضية تكتسب أهمية خاصة لأن سوريا تحاول الخروج من سنوات طويلة من الحرب والانتهاكات الداخلية، بينما تجد نفسها أمام ملفات جديدة تتعلق بالسيادة والاحتجاز وحماية السكان المدنيين.
لبنان واليمن: النزاعات القديمة تتجدد بصور جديدة
وفي لبنان بقي ملف المحتجزين والعمليات العسكرية والوجود الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب ضمن المشهد الحقوقي والأمني، رغم الإفراج خلال الأيام الأخيرة عن عدد من اللبنانيين والسوريين الذين كانوا محتجزين لدى إسرائيل.
ويمثل الإفراج خطوة إيجابية لأسر المحتجزين، لكنه لا ينهي الأسئلة المتعلقة بأسباب الاحتجاز وظروفه والوجود العسكري المستمر وحماية السكان المدنيين في المناطق الحدودية.
وفي اليمن، عادت المعارك إلى التصاعد في بعض المناطق، بما في ذلك محيط تعز، الأمر الذي يعيد المخاوف بشأن المدنيين في بلد يعاني منذ سنوات واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم. وتجدد العمليات العسكرية يعني دائمًا احتمالات جديدة للنزوح وانقطاع الإمدادات وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
أوروبا: حقوق المهاجرين في مواجهة التحول السياسي
على الضفة الأخرى من المتوسط تتجه أوروبا نفسها نحو مرحلة جديدة في التعامل مع الهجرة واللجوء. فقد اتفقت خمس دول أوروبية هي الدنمارك وألمانيا وهولندا والنمسا واليونان على تطوير نموذج يسمح بإرسال مهاجرين رُفضت طلبات لجوئهم إلى مراكز خارج الاتحاد الأوروبي، مع إمكانية بدء تطبيق النظام خلال سنة 2027.
الفكرة أثارت مخاوف حقوقية تتعلق بالضمانات القانونية التي سيحصل عليها المهاجرون خارج الأراضي الأوروبية، وبمسؤولية الدول الأوروبية عن حماية حقوق أشخاص تنقلهم إلى بلدان ثالثة.
وتكشف هذه السياسة تحولًا أوسع في أوروبا من إدارة اللجوء داخل الحدود إلى محاولة نقل جزء من هذه المسؤولية إلى خارج الاتحاد، وهو ما يرى منتقدون أنه قد يؤدي عمليًا إلى إبعاد الانتهاكات المحتملة عن أعين القضاء والرأي العام الأوروبي.
وفي السويد، دخل ملف الهجرة بقوة في الحملة السياسية السابقة للانتخابات، وسط تشديد قوانين الإقامة والجنسية وتقديم حوافز مالية مرتفعة لبعض المهاجرين المقيمين بصورة قانونية للعودة طوعًا إلى بلدانهم.
أما في بريطانيا، فقد شهدت بعض الموانئ احتجاجات مناهضة للمهاجرين وصلت إلى محاولات عرقلة نقل أشخاص وصلوا عبر القنال الإنجليزي، ما دفع الحكومة إلى إدانة أعمال الترهيب والتأكيد على ملاحقة مرتكبي التجاوزات.
وفي بيلاروسيا، لا تزال قضية السجناء السياسيين تشكل واحدًا من أهم الملفات الحقوقية في القارة. ورغم الإفراج عن مئات المعتقلين في إطار اتصالات دولية، يؤكد ناشطون أن الاعتقالات الجديدة مستمرة وأن الإفراج عن بعض السجناء لم يتحول بعد إلى تغيير هيكلي في طبيعة النظام السياسي أو في مستوى الحريات.
من شمال إفريقيا إلى أوروبا: الحقوق في مواجهة منطق الأمن
الحصيلة التي يمكن استخلاصها من هذه التطورات تتجاوز حدود كل بلد على حدة. ففي الجزائر وتونس ومصر يظل التوتر قائمًا بين السلطة وحرية التعبير والمعارضة والعمل الصحفي، بينما ترتبط أزمة ليبيا بغياب الدولة الموحدة واستغلال المهاجرين داخل اقتصاد غير قانوني واسع. وفي الشرق الأوسط تتحول الحرب والاحتلال والنزاعات المسلحة إلى المصدر الأكبر للانتهاكات، فيما تواجه أوروبا اختبارًا متزايدًا حول كيفية التوفيق بين ضبط الهجرة واحترام منظومة الحقوق التي بنت جزءًا مهمًا من هويتها السياسية عليها.
والأخطر أن مفهوم الأمن يتوسع في مختلف هذه السياقات. أمن الدولة يُستدعى في مواجهة المعارضين، وأمن الحدود في مواجهة المهاجرين، والأمن القومي في النزاعات المسلحة، فيما يمكن أن يصبح الفرد الحلقة الأضعف كلما غابت الرقابة القضائية المستقلة والإعلام الحر والمساءلة الفعلية.
لهذا لا ينبغي قراءة أوضاع حقوق الإنسان باعتبارها سلسلة منفصلة من الاعتقالات أو المحاكمات أو الحروب، بل باعتبارها اختبارًا مستمرًا لحدود السلطة نفسها. عندما تستطيع الدولة أن تدافع عن أمنها من دون أن تحول النقد إلى جريمة، وعندما تستطيع أوروبا حماية حدودها من دون تحويل المهاجر إلى إنسان أقل حقوقًا، وعندما تستطيع أطراف النزاعات حماية المدنيين بدل التعامل معهم باعتبارهم جزءًا من ميدان المعركة، عندها فقط يمكن الحديث عن تقدم حقوقي حقيقي.
أما حصيلة الأيام الأخيرة فتقول إن المسافة بين المبادئ المكتوبة والممارسة اليومية ما تزال، في أجزاء واسعة من العالم العربي وأوروبا، مسافة طويلة ومقلقة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق