الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، سبتمبر 08، 2026

على حافة البحر… أفكر في ما تبقّى من هديره: عبده حقي


أجلسُ قريبًا من الموج،

كأنني أستعير من البحر اتساعه
لأضع فيه ما ضاق به القلب،
وأترك للريح أن تقلّب صفحات عمري
صفحةً صفحة،
من غير أن تسألني
عمّا خسرتُ،
وعمّن غاب،
وعمّا ظلّ حيًّا في داخلي
رغم مرور السنوات.

أراقب الأفق
ولا أبحث عن سفينة،
ولا أنتظر عائدًا من سفر،
إنما أفتش في تلك المسافة الزرقاء
عن شيءٍ يشبهني،
عن رجلٍ كان يظن في شبابه
أن الطريق مستقيم،
ثم اكتشف متأخرًا
أن الحياة لا تمشي إلى الأمام دائمًا،
وأن بعض الطرق تعيدنا إلى أنفسنا
بعد أن نظن أننا ابتعدنا عنها إلى الأبد.

كم مضى من العمر
بين سؤالٍ لم أجد له جوابًا
وجوابٍ وصل بعدما نسيت السؤال؟

كم من الوجوه
مرّت بمحاذاة قلبي
ثم اختفت،
وبقيت منها كلمة،
ضحكة،
رائحة مساء،
أو مقعد فارغ
لا يستطيع أحد أن يجلس فيه؟

أضع يدي تحت ذقني
كمن يحمل رأسه كي لا تسقط منه الذكريات،
وأفكر:

هل نحن مجموع ما عشناه،
أم مجموع ما لم نستطع أن نعيشه؟

ربما نحن تلك الاحتمالات الصغيرة
التي تركناها على قارعة الأيام،
ذلك السفر الذي أجلناه،
تلك الرسالة التي لم نرسلها،
ذلك الحب الذي خفنا أن نعترف به،
ذلك الباب الذي مررنا أمامه طويلًا
ولم نملك شجاعة الطرق عليه.

البحر أمامي لا يشرح شيئًا.

يجيء،
ينكسر،
ثم يعود.

وكأن حكمته كلها
أن الخسارة ليست نهاية الحركة،
وأن ما يتراجع للحظة
قد يعود في هيئة أخرى،
وأن الإنسان أيضًا
يستطيع أن يبدأ من جديد
ولو كان يحمل فوق كتفيه
ثقل سنوات كثيرة.

لقد تعبتُ من الركض وراء الأشياء
التي لا تعرف اسمي.

تعبتُ من الضجيج
الذي يريد أن يقنعني
بأن السعادة أسرع من القلب،
وأن الحياة سباق،
وأن من يصل أولًا
هو من فهم معنى الوجود.

أنا الآن أكثر ميلًا إلى البطء.

إلى فنجان قهوة
لا أشربه على عجل،
إلى كتاب أعود إلى الصفحة نفسها منه مرتين،
إلى صديق لا يحتاج حضوره إلى مناسبة،
إلى أغنية قديمة
تفتح نافذة في جدار الذاكرة،
إلى صمتٍ لا أشعر داخله
أن عليّ أن أثبت شيئًا لأحد.

أريد أن أعيش ما تبقى
خفيفًا من المقارنات،
خفيفًا من أحكام الآخرين،
خفيفًا حتى من النسخة القديمة مني
التي كانت تريد أن تربح كل المعارك.

فبعض المعارك
كان الانسحاب منها حكمة،
وبعض الانتصارات
لم تكن تستحق التعب،
وبعض الهزائم
فتحت لي أبوابًا
ما كنت لأراها لو انتصرت.

وحين أنظر بعيدًا
أفهم أن العمر
ليس عدد السنوات التي خلفناها،
بل مقدار الدهشة
التي بقيت فينا.

أن تستطيع بعد كل شيء
أن تحب صباحًا جديدًا،
أن تفرح بزهرة،
أن تصغي إلى موجة،
أن تضحك من قلبك،
أن تتعلق بفكرة،
أن تكتب سطرًا
وتشعر أنك ولدت معه مرة أخرى؛
ذلك هو الشباب الحقيقي.

أما الزمن
فليأخذ ما يشاء.

ليأخذ سواد الشعر،
وسرعة الخطوات،
وطيش البدايات.

لكنني لن أعطيه دهشتي.

لن أعطيه رغبتي في الحلم،
ولا فضولي تجاه الغد،
ولا قدرتي على أن أحب الحياة
رغم معرفتي الكاملة
بأنها لا تحتفظ بأحد.

وحين يأتي المساء،
وتصير السماء أكثر هدوءًا،
سأترك الموج يمحو آثار خطواتي على الرمل،
وأمضي.

لا حزينًا على ما مضى،
ولا خائفًا مما سيأتي،
بل ممتنًا لأنني كنت هنا يومًا،
أحببت،
وخذلت،
وحلمت،
وكتبت،
وخسرت،
ثم نهضت مرات كثيرة.

وسأهمس لنفسي:

ما دام في القلب سؤال،
فإن الرحلة لم تنته بعد
.

0 التعليقات: