كثيرا ما أستحضر تلك العبارة السياسية المكثفة التي تقول: «إذا كنت لا تمارس السياسة، فالسياسة تمارس عليك». أجد فيها أكثر من مجرد جملة تحريضية على المشاركة في الانتخابات أو الانضمام إلى الأحزاب، لأنها في نظري تختصر حقيقة أساسية كثيرا ما نحاول الهروب منها: لا أحد يستطيع أن يعيش خارج السياسة، حتى وإن أقنع نفسه بأنه لا يهتم بها، ولا يتابع أخبارها، ولا يثق في السياسيين، ولا يذهب إلى صناديق الاقتراع.
يمكنني أن أقرر ألا أمارس السياسة، لكنني لا أستطيع أن أمنع السياسة من الدخول إلى بيتي. فهي تدخل من باب الأسعار، والضرائب، وفاتورة الماء والكهرباء، وسعر المحروقات، وجودة المدرسة التي يدرس فيها أبنائي، ومستوى المستشفى الذي ألجأ إليه عندما أمرض، وفرص العمل، وقيمة الأجور والمعاشات، وثمن السكن، وحالة الطرق، وحرية التعبير، والقوانين التي تحدد حقوقي وواجباتي.
لهذا أرى أن القول «أنا لا أهتم بالسياسة» لا يعني في الحقيقة الخروج من المجال السياسي، وإنما يعني في كثير من الأحيان ترك الآخرين يقررون نيابة عني.
السياسة ليست فقط تلك الصور التي نشاهدها أثناء الحملات الانتخابية، ولا الخطب التي يلقيها المرشحون فوق المنصات، ولا الاجتماعات الحزبية التي تنتهي بالتصفيق والتقاط الصور. السياسة في معناها العميق هي عملية توزيع السلطة والثروة والفرص والحقوق. هي السؤال الدائم: من يقرر؟ ولصالح من؟ وبأية وسائل؟ ومن يدفع الثمن؟
حين ترتفع أسعار المواد الأساسية، فالأمر ليس مجرد حادث اقتصادي منفصل عن السياسة. وحين تتدهور خدمات مستشفى عمومي أو تتراجع جودة مدرسة في حي شعبي، فذلك أيضا نتيجة لاختيارات وميزانيات وأولويات وقرارات. وحين تحصل منطقة على طرق ومستشفيات وجامعات بينما تعاني منطقة أخرى التهميش، فإننا نكون أمام سياسة عمومية، سواء اعترفنا بذلك أم لم نعترف.
ومن هنا أفهم العبارة على نحو أكثر قسوة: إذا لم أشارك في النقاش حول الطريقة التي تدار بها شؤوني، فإن القرارات ستُتخذ في جميع الأحوال، لكن من دون صوتي.
لقد ساهمت تجارب كثيرة في العالم العربي، وفي المغرب أيضا، في بناء مسافة نفسية كبيرة بين المواطن والسياسة. فالناس شاهدوا وعودا انتخابية تتكرر، وخطابات تتشابه، وأحزابا تتنافس قبل الانتخابات ثم تتقارب بعدها، ووجوها سياسية تمكث طويلا في الواجهة، فترسخت لدى شريحة واسعة قناعة بأن السياسة لعبة مغلقة لا فائدة من الاقتراب منها.
أتفهم أسباب هذا النفور، لكنني لا أعتقد أن الانسحاب هو الحل.
فالفراغ السياسي لا يبقى فارغا. عندما يبتعد المواطن الواعي والمتعلم والناقد عن السياسة، لا تتوقف السياسة في انتظاره. يأتي آخرون ليملؤوا المكان. وقد يكونون أقل كفاءة أو أكثر انتهازية أو أكثر ارتباطا بالمصالح الضيقة. وهنا يصبح العزوف، من دون قصد، هدية مجانية لمن يريدون احتكار المجال العام.
لذلك أرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس فقط فساد السياسيين، بل اقتناع المواطنين بأن السياسة لا تعنيهم.
عندما يصبح المواطن مجرد متفرج، تتحول الديمقراطية تدريجيا إلى مسرح يؤدي فيه عدد محدود من الأشخاص جميع الأدوار، بينما يجلس الجمهور في المقاعد الخلفية مكتفيا بالشكوى. والحال أن الديمقراطية لا تعيش بالانتخابات وحدها، بل بالمشاركة الدائمة والمساءلة والضغط المدني والنقاش العمومي ومراقبة المنتخبين.
ولا أقصد بالمشاركة السياسية ضرورة الحصول على بطاقة عضوية في حزب. يمكن أن أمارس السياسة وأنا أكتب مقالا، أو أوقع عريضة، أو أحضر اجتماعا لجمعية الحي، أو أطالب مجلسا جماعيا بتفسير قرار، أو أتابع أداء نائب برلماني، أو أدافع عن مدرسة عمومية، أو أرفض استغلال المال في الانتخابات، أو أشارك في نقاش مسؤول حول مشروع قانون.
حتى السؤال البسيط الذي يطرحه المواطن على المسؤول: «لماذا اتخذتم هذا القرار؟» هو في جوهره فعل سياسي.
إنني أميز هنا بين السياسة والتحزب. السياسة أوسع كثيرا من الأحزاب، بل أوسع حتى من الانتخابات. إنها حق المواطن في أن يكون شريكا في صناعة المجال الذي يعيش داخله، بدلا من أن يكون مجرد موضوع للقرارات.
وأعتقد أن واحدة من أكبر مشكلات مجتمعاتنا هي أننا تركنا كلمة «السياسة» تختطفها صورة السياسي المحترف. أصبح كثير من الناس يعتقدون أن السياسة مرادف للانتخابات والمناورات والصراعات الحزبية، بينما هي في الأصل إدارة الشأن المشترك.
عندما يناقش الآباء جودة التعليم، فهم يناقشون قضية سياسية. عندما يحتج سكان حي على غياب الإنارة أو النقل أو النظافة، فهم يمارسون فعلا سياسيا. عندما تطالب النساء بالمساواة أمام القانون، فذلك فعل سياسي. وعندما يطالب الشباب بتكافؤ الفرص ومحاربة المحسوبية، فإنهم يدخلون مباشرة إلى قلب السياسة، حتى لو لم ينتسبوا إلى أي حزب.
السياسة إذن ليست نشاطا يمارسه السياسيون علينا أن نتابعه من بعيد، بل هي المجال الذي تتشكل داخله شروط حياتنا.
ولعل الامتناع عن التصويت يقدم المثال الأكثر وضوحا على مفارقة الابتعاد عن السياسة. يستطيع المواطن أن يقول يوم الانتخابات إنه لن يشارك لأنه لا يثق في أحد، وهو موقف يمكن تفهم دوافعه. لكن النتيجة الحسابية لا تعرف الاحتجاج الصامت. المقاعد ستوزع في النهاية على أساس الأصوات التي تم الإدلاء بها، والحكومة أو المجالس ستتشكل، والقرارات ستصدر، والميزانيات ستصرف.
وهكذا قد يتحول الصمت، من حيث لا ندري، إلى قوة إضافية لأكثر الفئات تنظيما وقدرة على تعبئة ناخبيها.
لا أريد بذلك اختزال السياسة في التصويت، ولا تحميل المواطن وحده مسؤولية ضعف المشاركة، لأن المؤسسات والأحزاب تتحمل بدورها مسؤولية كبرى. فالثقة السياسية لا تُطلب بالأوامر، بل تُبنى بالمصداقية والشفافية والمحاسبة وتجديد النخب وربط المسؤولية بالنتائج.
حين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئا، يصبح العزوف نتيجة متوقعة. وحين يشاهد المنتخب ينتقل من حزب إلى آخر دون تفسير مقنع، أو يرى الوعود تُنسى بعد الوصول إلى المنصب، فإن الخطابات الداعية إلى المشاركة تفقد كثيرا من قوتها.
لذلك فإن مواجهة العزوف تتطلب جهدا مزدوجا: على المواطن ألا يتخلى عن حقه في التأثير، وعلى المؤسسات والأحزاب أن تجعل هذا التأثير ممكنا وذا معنى.
وأرى أن المسألة تصبح أكثر أهمية ونحن نعيش عصر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تغير مفهوم المشاركة السياسية بصورة عميقة. أصبح المواطن قادرا على التعليق والنشر والتوثيق وكشف التناقضات والوصول إلى المعلومات بسرعة غير مسبوقة. غير أن هذا التحول يحمل بدوره خطرا جديدا، لأن النشاط السياسي قد يتحول إلى مجرد غضب رقمي.
ليس كل منشور احتجاجيا فعلا سياسيا مؤثرا، ولا كل وسم على منصة اجتماعية يصنع تغييرا. السياسة تحتاج أيضا إلى تنظيم واستمرارية ومعرفة بالقانون والمؤسسات، وإلى الانتقال من الاعتراض على القرار إلى اقتراح البديل.
إنني أخشى أحيانا أن نتحول إلى شعوب ممتازة في التعليق على السياسة وضعيفة في المشاركة في صناعتها.
نغضب من ارتفاع الأسعار، لكننا لا نسأل دائما عن البرامج الاقتصادية. ننتقد المنتخبين، لكننا قد لا نعرف أسماء ممثلينا في المجالس. نلعن الفساد، لكن بعضنا قد يقبل خدمة صغيرة تقوم على المحسوبية عندما يتعلق الأمر بمصلحته الخاصة.
وهنا تصبح ممارسة السياسة أيضا مسألة ثقافة مواطنة.
لا يمكنني أن أطالب بدولة القانون ثم أطلب امتيازا خارج القانون. ولا يمكنني أن أرفض الرشوة عندما يكون الآخرون متورطين فيها ثم أبررها عندما تختصر لي طريقا إداريا. السياسة ليست فقط مراقبة الحكام، بل مراجعة علاقتنا نحن أنفسنا بالقواعد المشتركة.
لهذا أعتبر أن القولة «إذا كنت لا تمارس السياسة فالسياسة تمارس عليك» ينبغي ألا تُفهم باعتبارها دعوة إلى التحزب الأعمى، وإنما دعوة إلى اليقظة.
أن أمارس السياسة يعني أن أعرف من يقرر في شؤوني، وأن أسأل كيف تُصرف الضرائب، وأن أقرأ البرامج قبل أن أمنح صوتي، وأن أرفض شراء الأصوات، وأن أطالب بالنتائج، وأن أميز بين الخطاب والشعارات وبين ما يتحقق فعلا على الأرض.
السياسة التي أخشاها ليست السياسة التي أشارك فيها، بل السياسة التي تحدث في غيابي.
حين يغيب المواطن، يصبح الطريق أكثر سهولة أمام لوبيات المصالح والمال الانتخابي والشبكات الزبونية وكل من يفضل مجتمعا لا يسأل كثيرا. أما المواطن الذي يعرف حقوقه ويطالب بالمعلومات ويتابع ويفهم ويحاسب، فهو يضيق مساحة القرار الغامض.
ولهذا فإن معركة الديمقراطية في رأيي تبدأ قبل صندوق الاقتراع بكثير. تبدأ في المدرسة عندما يتعلم الطفل النقاش واحترام الاختلاف، وفي الأسرة عندما يُسمح له بإبداء رأيه، وفي الصحافة عندما تبحث وتحقق بدلا من الاكتفاء بنقل التصريحات، وفي الجامعة عندما يصبح التفكير النقدي قيمة، وفي المجتمع المدني عندما يتحول المواطن من متلق إلى فاعل.
الديمقراطية قبل أن تكون مؤسسات هي ثقافة مشاركة.
ولا أتصور مجتمعا ديمقراطيا يصنعه مواطنون يكرهون السياسة جميعا. إذا كان أفضل الناس وأكثرهم نزاهة وكفاءة يقولون إن السياسة قذرة ولا يريدون الاقتراب منها، فمن سيبقى داخلها؟
ربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا السياسة سيئة؟ بل: ماذا يحدث للسياسة عندما نتركها لمن ننتقدهم؟
بالنسبة إلي، لا تعني ممارسة السياسة أن أصفق لحزب أو زعيم، بل أن أحافظ على مسافة نقدية من الجميع. أن أكون مع القرار عندما يخدم المصلحة العامة، وضده عندما يضرها. أن أرفض تحويل السياسة إلى انتماء قبلي يصبح فيه الحزب دائما على حق والخصم دائما على خطأ.
المواطن الديمقراطي ليس جنديا لدى السياسي، بل رقيبه.
ولهذا أعود دائما إلى تلك العبارة: إذا لم أمارس السياسة، فسوف تمارس السياسة عليّ.
ستحدد لي ثمن الخبز والوقود، ونوعية المدرسة والمستشفى، وحجم الضرائب، وحدود الحريات، وسياسات التشغيل والسكن، وربما حتى شكل المدينة التي أعيش فيها. وسوف تتخذ كل تلك القرارات سواء تحدثت أم صمتُّ.
الفرق الوحيد هو أنني عندما أشارك، أحاول أن أكون جزءا من صناعة القرار؛ وعندما أنسحب، أتحول إلى مجرد متلق لنتائجه.
لذلك لا أريد من السياسة أن تكون مهنة السياسيين وحدهم. أريدها أن تعود إلى معناها الأصلي: شأن الناس المشترك.
فالدولة ليست مبنى بعيدا، والبرلمان ليس شاشة تلفزيون، والحكومة ليست مجموعة أسماء تظهر في الأخبار. كل هذه المؤسسات تتخذ قرارات تصل في النهاية إلى مائدتي وبيتي وشارعي وحياتي اليومية.
وعندما أفهم ذلك، أدرك أن السؤال لم يعد: هل أحب السياسة أم لا؟
السؤال الحقيقي هو: هل أشارك في تقرير ما سيحدث لي، أم أترك الآخرين يقررون ثم أكتفي بالشكوى؟
وهنا تكمن قوة القولة كلها: أنت حر في أن تدير ظهرك للسياسة، لكن السياسة لن تدير ظهرها لك.







0 التعليقات:
إرسال تعليق