الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 23، 2026

مسودة 20 أكتوبر: الحكم الذاتي المغربي يتقدم والمينورسو تستعد لتغيير وظيفتها: عبده حقي


دخل ملف الصحراء مرحلة دبلوماسية جديدة مع تداول مسودة أمريكية أولية لمشروع قرار بمجلس الأمن الدولي، مؤرخة في 20 أكتوبر 2026، تحمل في مضامينها تغييرات عميقة في الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع الدولي مستقبلًا مع النزاع، سواء من حيث طبيعة المهمة الأممية الموجودة في المنطقة أو من حيث المرجعية السياسية التي ستؤطر المفاوضات بين الأطراف. وإذا تحولت هذه المسودة، بعد المفاوضات والتعديلات المحتملة، إلى قرار معتمد من مجلس الأمن، فإنها قد تشكل واحدًا من أبرز التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة.

المسودة التي أعدتها الولايات المتحدة، بصفتها حاملة القلم في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، لا تقترح مجرد تمديد تقني جديد لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، المعروفة اختصارًا بـ«المينورسو»، بل تذهب إلى أبعد من ذلك عبر إعادة النظر في طبيعة وجودها ومهامها ومستقبلها. ووفق الصيغة المتداولة، تقترح واشنطن إنهاء مهمة المينورسو بصفتها بعثة لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، ثم الانتقال ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها إلى بعثة سياسية خاصة، بما يعني أن المسألة لا تتعلق بإلغاء الوجود الأممي دفعة واحدة، وإنما بتحويل وظيفته من مهمة ذات طابع ميداني وعسكري إلى آلية سياسية أكثر تركيزًا على التفاوض والتسوية.

هذا التحول المقترح يحمل دلالة سياسية واضحة. فمنذ إنشاء المينورسو سنة 1991 ارتبط اسم البعثة أصلًا بمشروع تنظيم استفتاء، غير أن تعثر المسار السياسي على مدى عقود جعل وظيفة البعثة في الممارسة تنحصر بدرجة كبيرة في مراقبة الوضع الميداني والحفاظ على قدر من الاستقرار. أما المسودة الأمريكية الجديدة فتقترح، إذا اعتمدت بصيغتها الحالية أو بما يشبهها، الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة محاولة دفع الأطراف نحو تسوية سياسية محددة المرجعية.

ومن أبرز مؤشرات هذا التحول اقتراح تغيير اسم البعثة الأممية وحذف الإشارة إلى «الاستفتاء» من تسميتها، إلى جانب تقليص مكونها النظامي بنسبة لا تقل عن خمسين في المائة بحلول 31 يناير 2027. كما تقترح المسودة إعادة النظر في بعض مواقع انتشارها وهياكلها الميدانية، مع مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم تصور مفصل حول طبيعة البعثة السياسية الجديدة ومواردها وهياكلها والمهام التي ستضطلع بها خلال المرحلة المقبلة.

لكن البعد الأكثر أهمية في الوثيقة يتعلق بالمسار السياسي نفسه. فبحسب المضامين المتداولة للمسودة، تقترح واشنطن اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الموسعة والمحدثة أساسًا وحيدًا للمفاوضات، وتذهب الصياغة الأمريكية إلى اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد القابل للتطبيق للنزاع. وإذا حافظ مجلس الأمن على هذا التوجه في النص النهائي، فإن الأمر سيشكل تحولًا كبيرًا في لغة المؤسسة الأممية، لأن القرارات السابقة كانت تتحدث غالبًا عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول من الأطراف، بينما تقترح المسودة الجديدة تضييق دائرة الحلول الممكنة إلى إطار سياسي أكثر تحديدًا.

هذا التوجه لا يعني، من الناحية القانونية والدبلوماسية، أن الملف قد حُسم نهائيًا، فالمسودة لا تزال مشروعًا أوليًا قابلًا للتعديل أثناء المشاورات داخل مجلس الأمن. كما أن المفاوضات بين الدول الأعضاء، ولا سيما الدول دائمة العضوية، يمكن أن تؤدي إلى تعديل بعض العبارات أو حذفها أو استبدالها بصيغ توافقية. ولهذا يبقى من الضروري التمييز بين مضمون المسودة الأمريكية ومضمون القرار الذي سيصدر في النهاية عن مجلس الأمن.

ومع ذلك، فإن مجرد ظهور هذه الصياغات في مشروع أمريكي يحمل في ذاته دلالة سياسية قوية. فالولايات المتحدة ليست طرفًا هامشيًا داخل مجلس الأمن، بل قوة دائمة العضوية وصاحبة دور أساسي في صياغة القرارات المرتبطة بملف الصحراء. كما أن كون واشنطن هي حاملة القلم في الملف يجعل مشاريعها الأولية نقطة الانطلاق الأساسية للمفاوضات التي تسبق التصويت.

المسودة تشير كذلك إلى استمرار دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، وتدعو الأطراف إلى الانخراط النشط والبناء في العملية السياسية. كما تحتفظ بالإشارة إلى مبدأ تقرير المصير ضمن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يعكس محاولة الجمع بين المرجعيات القانونية التقليدية للأمم المتحدة وبين الاتجاه السياسي الجديد الذي يمنح مبادرة الحكم الذاتي المغربية مكانة مركزية في التفاوض.

ومن العناصر اللافتة أيضًا في الوثيقة الدعوة إلى إجراء مشاورات أوسع مع مكونات صحراوية مختلفة داخل المنطقة وخارجها، بما يشمل المخيمات والمهجر وفاعلين آخرين لا يشاركون مباشرة في المفاوضات الرسمية. ويبدو أن هذا البند يرمي إلى توسيع دائرة الاستماع إلى آراء الصحراويين وعدم حصر العملية السياسية في الوفود الرسمية وحدها.

وتتناول المسودة كذلك الوضع الإنساني في مخيمات تندوف، إذ تدعو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل اللاجئين خلال أجل محدد، مع التأكيد على ضرورة ضمان حرية الوصول والحركة أثناء عملية التسجيل. وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مسألة إحصاء سكان المخيمات ظلت على مدى سنوات موضوعًا متكررًا في النقاشات داخل المؤسسات الأممية.

كما تتضمن الوثيقة تشديدًا على ضرورة احترام وقف الأعمال العدائية والامتناع عن أي خطوات يمكن أن تعرقل المسار السياسي، في وقت لا يزال فيه الوضع الميداني يمثل أحد العناصر الحساسة في النزاع. ويعكس ذلك رغبة أمريكية في ربط أي تحول في طبيعة البعثة الأممية بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني خلال المرحلة الانتقالية.

سياسيًا، تبدو الرسالة التي تحملها المسودة واضحة: واشنطن تريد نقل الملف تدريجيًا من منطق الانتظار المفتوح إلى منطق التسوية السياسية ضمن إطار الحكم الذاتي. وإذا تم اعتماد هذه الرؤية داخل قرار أممي، فقد يترتب عنها تحول في طبيعة الضغوط الدبلوماسية الممارسة على الأطراف، لأن العملية السياسية ستصبح أكثر ارتباطًا بإطار تفاوضي محدد بدل استمرار طرح صيغ متعددة دون أفق زمني واضح.

بالنسبة إلى المغرب، تمثل هذه المسودة، بصيغتها الحالية، تطورًا دبلوماسيًا لافتًا، لأنها تمنح مبادرته للحكم الذاتي وزنًا أكبر داخل مشروع القرار الأمريكي. فمنذ تقديم المبادرة سنة 2007، عملت الرباط على إقناع القوى الدولية بأنها تمثل حلًا واقعيًا وقابلًا للتطبيق، وراكمت خلال السنوات الأخيرة دعمًا متزايدًا من عدد من الدول التي اعتبرتها أساسًا جديًا وذا مصداقية للتوصل إلى تسوية.

أما بالنسبة إلى جبهة البوليساريو، فإن اعتماد النص بصيغته الحالية سيطرح تحديًا سياسيًا كبيرًا، لأنه يقلص من مكانة خيار الاستفتاء في المسار المقترح. وقد أظهرت تقارير صحفية حديثة أن الجبهة أبدت رفضًا قويًا للمسودة وهددت بإعادة النظر في مشاركتها في العملية السياسية إذا لم تطرأ تعديلات جوهرية على النص.

الجزائر بدورها ستكون أمام معادلة دبلوماسية جديدة إذا تحول التوجه الأمريكي إلى موقف رسمي لمجلس الأمن، بالنظر إلى دورها المحوري في الملف ومشاركتها في المفاوضات السابقة إلى جانب المغرب والبوليساريو وموريتانيا. كما أن أي تحول في المرجعية الأممية نحو الحكم الذاتي سيؤثر بصورة مباشرة في التوازنات الإقليمية المرتبطة بالنزاع وفي علاقات بلدان المغرب الكبير.

وفي المقابل، يظل موقف بقية أعضاء مجلس الأمن حاسمًا، خصوصًا الدول الكبرى التي قد تقترح تعديلات على النص الأمريكي. فالقرارات المتعلقة بالصحراء كانت في كثير من الأحيان نتيجة تسويات دقيقة بين مواقف متباينة داخل المجلس، ولذلك لا يمكن اعتبار كل ما ورد في النسخة الأولية أمرًا محسومًا قبل انتهاء المشاورات والتصويت.

المسودة الأمريكية الجديدة تفتح إذن فصلًا سياسيًا جديدًا، لكنها لا تغلق الملف. أهميتها لا تكمن فقط في المقترحات التقنية المتعلقة بالمينورسو، بل في الفلسفة السياسية التي تقف خلفها: إنهاء مرحلة طويلة من إدارة النزاع دون تسوية، وتوجيه العملية الأممية نحو مفاوضات أكثر تحديدًا من حيث المرجعية والأهداف والجدول الزمني.

وإذا احتفظ القرار النهائي بجوهر هذه المضامين، فقد نكون أمام بداية تحول حقيقي في مسار قضية عمرها عقود. أما إذا خضعت الصياغات لتعديلات واسعة داخل مجلس الأمن، فسيبقى حجم التحول مرتبطًا بالنص النهائي الذي سيخرج من المفاوضات.

ولهذا فإن الخبر الأدق اليوم ليس أن «الأمم المتحدة أنهت المينورسو»، ولا أن «مجلس الأمن حسم النزاع»، بل إن الولايات المتحدة طرحت مسودة أولية تحمل تصورًا جديدًا: تحويل المينورسو تدريجيًا إلى بعثة سياسية، ووضع الحكم الذاتي المغربي في قلب المفاوضات المستقبلية. وبين المسودة والقرار النهائي ستدور خلال الأيام المقبلة واحدة من أكثر الجولات الدبلوماسية أهمية في تاريخ هذا الملف.

وتدعم مصادر متعددة نُشرت يومي 22 و23 أكتوبر 2026 وجود المسودة المؤرخة في 20 أكتوبر، واقتراحها إنهاء صيغة حفظ السلام الحالية للمينورسو في 30 أبريل 2027، والانتقال إلى بعثة سياسية خاصة، مع جعل الحكم الذاتي المغربي محورًا للتفاوض.

0 التعليقات: