الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 23، 2026

الذكاء الاصطناعي وصناعة مجتمعات الغد في افتتاح الموسم العلمي بوجدة : عبده حقي


يفتتح مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة موسمه العلمي الجديد 2026–2027 بموضوع يلامس واحدًا من أكثر التحولات تأثيرًا في حاضر المجتمعات ومستقبلها، من خلال تنظيم درس افتتاحي بعنوان «دور الذكاء الاصطناعي في صناعة مجتمعات الغد»، يلقيه الأستاذ محمد الخمسي، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد الذي تحظى به التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي داخل النقاش الفكري والأكاديمي المغربي.

وحسب الإعلان الخاص بالنشاط، يرتقب أن ينظم هذا اللقاء يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 بمقر المركز بفضاء «منار المعرفة» بمدينة وجدة، ابتداء من الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، ضمن افتتاح البرنامج العلمي للمركز للموسم الجديد، وهو اختيار يحمل دلالة واضحة بالنظر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مجال تقني متخصص، بل أصبح موضوعًا يتقاطع مع الاقتصاد والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة وسوق الشغل ومستقبل العلاقات الاجتماعية.

ويأتي اختيار موضوع «دور الذكاء الاصطناعي في صناعة مجتمعات الغد» في سياق عالمي يشهد تسارعًا غير مسبوق في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتوسع استخدامها في المؤسسات والشركات والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام والإدارات العمومية، إلى جانب تزايد النقاشات المرتبطة بتأثيرها في الإنسان وفي أنماط التفكير والعمل والإنتاج واتخاذ القرار.

ومن المتوقع أن يشكل الدرس الافتتاحي مناسبة لطرح جملة من الأسئلة المرتبطة بموقع الإنسان داخل المجتمع الرقمي الجديد، وحدود التحول الذي يمكن أن تفرضه الخوارزميات على مختلف أشكال الحياة اليومية. فالذكاء الاصطناعي، بما يتيحه من قدرات هائلة في معالجة البيانات وإنتاج النصوص والصور وتحليل المعلومات والتنبؤ بالسلوكيات، يفتح آفاقًا كبيرة أمام التنمية والابتكار، لكنه في المقابل يطرح إشكالات أخلاقية وقانونية واجتماعية تتعلق بالخصوصية، وحماية البيانات، ومستقبل الوظائف، ومصداقية المعرفة، ومسؤولية القرارات الآلية.

وتتزايد أهمية مثل هذه اللقاءات العلمية في المغرب مع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي داخل الحياة اليومية، إذ لم تعد أدواته محصورة في المختبرات الجامعية أو شركات التكنولوجيا، بل باتت متاحة لملايين المستخدمين من خلال الهواتف والحواسيب والمنصات الرقمية، وأصبحت قادرة على التأثير في أنماط التعلم والقراءة والكتابة والاستهلاك والتواصل وتشكيل الرأي.

كما يثير الموضوع أسئلة تتصل بمستقبل التعليم، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج محتويات تعليمية وتقديم شروحات فردية وتصحيح النصوص ومساعدة الطلبة والباحثين في الوصول إلى المعرفة، وهو ما يفرض على المؤسسات التعليمية إعادة التفكير في طرق التدريس والتقييم وفي العلاقة بين المدرس والمتعلم والمعرفة الرقمية.

ويمتد النقاش كذلك إلى سوق الشغل، إذ تشير التحولات الجارية عالميًا إلى أن عددا من المهن سيتغير بصورة جوهرية خلال السنوات المقبلة، فيما ستظهر وظائف وتخصصات جديدة مرتبطة بإدارة الأنظمة الذكية، وتحليل البيانات، وأمن المعلومات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والإشراف البشري على القرارات المؤتمتة.

غير أن بناء «مجتمعات الغد» بالذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند حدود التطور التكنولوجي، بل يرتبط أساسًا بالاختيارات التي ستتخذها المجتمعات بشأن طبيعة استخدام هذه التكنولوجيا. فالأدوات الذكية يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتعزيز التنمية وتحسين الخدمات العمومية وتوسيع فرص التعليم والصحة والبحث العلمي، كما يمكن، في غياب الأطر القانونية والأخلاقية المناسبة، أن تتحول إلى أدوات للمراقبة أو التمييز أو تكريس الفجوات الاجتماعية والرقمية.

ومن هنا تبدو أهمية فتح النقاش حول الذكاء الاصطناعي خارج الدوائر التقنية الضيقة، وإشراك الباحثين والمفكرين وعلماء الاجتماع والحقوقيين والتربويين والإعلاميين في مناقشة نتائجه وتحولاته، لأن مستقبل التكنولوجيا لا تحدده الشركات والمبرمجون وحدهم، بل تصنعه كذلك القوانين والسياسات العامة والثقافة المجتمعية ومستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين.

ويكتسي تنظيم هذا الدرس الافتتاحي بمدينة وجدة أهمية إضافية من زاوية تعزيز النقاش العلمي حول التحولات الرقمية داخل الجهات والمراكز الأكاديمية والثقافية خارج المحاور التقليدية الكبرى، بما يساهم في توسيع دائرة التفكير في قضايا التكنولوجيا والمجتمع وربطها بالرهانات الوطنية والمحلية.

كما أن عنوان المحاضرة يفتح الباب أمام قراءة مستقبلية لطبيعة المجتمعات التي قد تتشكل خلال العقد المقبل، حيث يتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر حضورًا داخل الإدارة والاقتصاد والتعليم والصحة والنقل والإعلام والإنتاج الثقافي، وأن تتزايد قدرته على تحليل سلوك الأفراد واقتراح القرارات وتوجيه الخيارات.

وفي مقابل الآمال الكبيرة المرتبطة بهذه التكنولوجيا، يتصاعد عالميًا نقاش حول ضرورة وضع الإنسان في قلب التحول الرقمي، وضمان ألا تتحول الخوارزميات إلى سلطة غير مرئية تتحكم في فرص الأفراد وحقوقهم من دون رقابة أو مساءلة. لذلك تزداد المطالب بتطوير قوانين تنظم الذكاء الاصطناعي، وتضمن الشفافية، وتحمي الخصوصية، وتمنح المواطنين الحق في معرفة كيفية اتخاذ القرارات المؤتمتة التي يمكن أن تؤثر في حياتهم.

ومن المرتقب أن يوفر درس الأستاذ محمد الخمسي مساحة لمناقشة هذه التحولات من زاوية اجتماعية وفكرية، خصوصًا أن السؤال المطروح لم يعد يتمثل في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير المجتمعات، بل في طبيعة التغيير الذي سيحدث، ومن سيقوده، ومن سيستفيد منه، وكيف يمكن ضمان ألا يصبح التطور التقني مصدرًا جديدًا للتفاوت أو الإقصاء.

ويضع افتتاح الموسم العلمي لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة بهذا الموضوع المؤسسة في قلب نقاش دولي متصاعد حول مستقبل الإنسان في العصر الخوارزمي، وهو نقاش يتجاوز حدود التكنولوجيا ليمس جوهر مفهوم المجتمع والمواطنة والمعرفة والعمل والسلطة.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية بصورة تجعل ما كان يبدو قبل سنوات ضربًا من الخيال جزءًا من الحياة اليومية، تصبح الحاجة إلى النقاش العلمي الرصين حول الذكاء الاصطناعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فمجتمعات الغد لن تصنعها الخوارزميات وحدها، بل ستصنعها أيضًا القدرة البشرية على فهم هذه الخوارزميات، ومساءلتها، وتوجيهها نحو خدمة الإنسان بدل أن يتحول الإنسان نفسه إلى مجرد رقم داخل منظوماتها الحسابية.


0 التعليقات: