دعوني أقرأ منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لنافي بيلاي باعتباره صفعة رمزية قوية لذلك الخطاب الغربي الذي أمضى عقودًا يقدّم نفسه باعتباره الحارس الأخلاقي للقانون الدولي، ثم وجد نفسه أمام غزة مكشوفًا أمام تناقضاته، عاجزًا عن التوفيق بين المبادئ التي يرفعها في أوكرانيا وميانمار وإفريقيا وبين التردد أو الانتقائية التي طبعت مواقفه عندما أصبح المتهم حليفًا استراتيجيًا اسمه إسرائيل. لم تمنح لجنة نوبل جائزتها لسياسية تبحث عن شعبية، بل لقاضية عاشت معظم حياتها داخل منظومة القانون الدولي، وعملت في القضاء الجنوب إفريقي، والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، والمحكمة الجنائية الدولية، ثم في الأمم المتحدة، قبل أن تترأس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل. ولهذا لا أستطيع فصل فوزها عن السؤال الذي تطارد به غزة اليوم ضمير الغرب: هل القانون الدولي قانون للجميع، أم أنه يصبح إلزاميًا فقط عندما يكون المتهم خصمًا للولايات المتحدة وأوروبا؟
لجنة نوبل قالت بوضوح إن جائزة هذا العام جاءت في مرحلة يتعرض فيها نظام القانون الدولي لضغوط هائلة، وإن العالم يشهد انتقالًا متزايدًا من منطق القانون إلى منطق القوة. هذه ليست عبارة دبلوماسية عابرة، بل تشخيص لما يحدث أمام أعيننا. فالغرب الذي استعمل طوال سنوات عبارة «النظام الدولي القائم على القواعد» وجد نفسه، أمام مأساة غزة، مضطرًا إلى مواجهة السؤال الأكثر إحراجًا: من يضع هذه القواعد، ومن يطبقها، وعلى من؟
أنا لا أنكر أن دولًا غربية عديدة انتقدت إسرائيل وطالبت باحترام القانون الدولي الإنساني، ولا أختزل الغرب في موقف واحد متجانس، فالمواقف الأوروبية والأمريكية ليست متطابقة، وداخل المجتمعات الغربية نفسها توجد جامعات ومنظمات حقوقية وصحافة وقضاة وناشطون خاضوا معارك حقيقية دفاعًا عن الفلسطينيين وعن القانون الدولي. لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من الخطاب إلى ممارسة السلطة. هنا يصبح التفاوت صارخًا بين سرعة العقوبات والاستنفار القانوني والسياسي ضد خصوم الغرب وبين الحذر والتردد والاعتراض عندما تمتد يد المساءلة إلى حلفائه.
غزة جعلت هذا التناقض مرئيًا بطريقة لم تعد تسمح بإخفائه وراء البيانات الدبلوماسية.
نافي بيلاي ترأست لجنة تحقيق أممية خلصت في عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت أفعالًا قالت اللجنة إنها تفي بعناصر جريمة الإبادة الجماعية في غزة. إسرائيل رفضت هذا الاستنتاج بشدة وهاجمت اللجنة واعتبرت عملها منحازًا. ويجب أن أكون دقيقًا هنا: هذا الاستنتاج صادر عن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا صادرًا عن محكمة العدل الدولية. كما أن المحكمة الجنائية الدولية لا تحاكم الدول أصلًا، بل الأشخاص الطبيعيين المتهمين بالمسؤولية الفردية عن الجرائم الداخلة في اختصاصها.
لكن هذه الدقة القانونية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للهروب من السؤال الأخلاقي والسياسي. ففي اللحظة التي تبدأ فيها مؤسسات دولية مستقلة بجمع الأدلة والتحقيق في ادعاءات ارتكاب جرائم خطيرة، يصبح واجب الدول التي طالما دافعت عن «سيادة القانون» أن تحمي استقلال تلك المؤسسات، لا أن تنتقي منها ما يناسب تحالفاتها.
وهنا أرى أن الأزمة الحقيقية ليست في غزة وحدها، بل في صدقية الغرب نفسه.
عندما صدرت مذكرة توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان الخطاب في العواصم الغربية حاسمًا: لا حصانة أمام الجرائم الدولية، وعلى الدول احترام التزاماتها تجاه المحكمة. وعندما أصدرت المحكمة مذكرات توقيف مرتبطة بالحرب في غزة، بينها مذكرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحولت المحكمة نفسها لدى بعض الحكومات والسياسيين إلى مؤسسة متهمة بالتجاوز والانحياز، ووصل الأمر في الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على مسؤولين في المحكمة. المحكمة الجنائية الدولية تؤكد أن اختصاصها يقوم على نظام روما الأساسي وأنها تحقق في جرائم مزعومة في عدة مناطق، بينها فلسطين وأوكرانيا.
بالنسبة إليّ، هنا تسقط الأقنعة.
إما أن المحكمة الجنائية الدولية مؤسسة شرعية عندما تلاحق الجميع، وإما أن شرعيتها تصبح لعبة سياسية. لا يمكن التصفيق لها عندما تطارد رئيس دولة معادية ثم تهديدها عندما تحقق مع مسؤول من دولة حليفة. القانون الذي تتغير قيمته بتغير اسم المتهم ليس قانونًا؛ إنه امتداد للسياسة الخارجية بوسائل قضائية.
وهذا تحديدًا هو الخطر الذي يجعل فوز بيلاي مهمًا.
فالقاضية الجنوب إفريقية جاءت من بلد يعرف جيدًا معنى ازدواجية المعايير. لقد عاشت نظام الأبارتهايد، وعملت محامية في مجتمع كان القانون نفسه فيه أداة لترسيخ التمييز العنصري. لذلك فإن تجربتها تعلمنا أن وجود نصوص وقضاة ومحاكم لا يعني تلقائيًا وجود عدالة. يمكن أن توجد مؤسسات قانونية كاملة داخل نظام غير عادل. السؤال الحقيقي هو: لمن يعمل القانون؟
الغرب يحب أن يذكّر العالم بإنجازاته في بناء النظام الحقوقي الحديث، وهو محق في جانب من ذلك؛ فالكثير من المؤسسات الدولية والقواعد المعاصرة خرجت بالفعل من تجارب أوروبية مريرة مع الحرب والفاشية والإبادة. لكن المأساة تبدأ عندما يتحول هذا الإرث إلى رأسمال أخلاقي يُستعمل للوعظ بدل أن يكون التزامًا ذاتيًا بالمعايير نفسها.
غزة وضعت هذا الرأسمال أمام امتحان صعب.
فصور القتلى والدمار والنزوح والجوع لم تصل إلى العالم عبر رواية واحدة، بل وثقتها وكالات الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية وصحافيون ومؤسسات حقوقية متعددة. وفي الوقت نفسه ظل النقاش الغربي، خصوصًا في بعض المراحل، أسير معادلة سياسية تجعل أمن إسرائيل إطارًا مركزيًا للخطاب وتضع حقوق الفلسطينيين داخل هوامش هذا الإطار.
ولا أنكر حق الإسرائيليين في الأمن ولا فظاعة الجرائم التي ارتكبتها حماس في هجوم السابع من أكتوبر 2023. بيلاي نفسها أدانت جرائم حرب ارتكبتها حماس، وهو أمر مهم لأنه يوضح أن مقاربة القانون الدولي الجادة لا تعني تبرئة طرف من أجل إدانة آخر. لكن هذا بالضبط ما يجعل السؤال أشد إحراجًا: إذا كنا نرفض قتل المدنيين الإسرائيليين لأنهم مدنيون، فلماذا يصبح الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين موضع مساومة سياسية؟
القانون الدولي لا يعرف ضحية من الدرجة الأولى وضحية من الدرجة الثانية.
لا توجد في اتفاقيات جنيف مادة تقول إن حياة المدني الأوروبي أغلى من حياة الفلسطيني، أو إن الدولة الحليفة تحصل على هامش أوسع في استخدام القوة. ومع ذلك فإن الممارسة السياسية العالمية توحي أحيانًا بأن ميزان الحقوق يتغير وفق الموقع الجيوسياسي.
وأنا أرى أن هذه الازدواجية لا تدمر فقط صورة الغرب في العالم العربي، بل تدمر أهم أداة كان الغرب يدافع بها عن النظام الدولي: الثقة.
من الصعب إقناع شعوب الجنوب العالمي بأن القانون الدولي كوني إذا شاهدت هذه الشعوب أن تنفيذه يخضع للحسابات الاستراتيجية. ومن الصعب مطالبة دول إفريقيا وآسيا باحترام مذكرات المحكمة الجنائية الدولية إذا كانت بعض القوى الكبرى نفسها تهاجم المحكمة عندما تصدر قرارات لا تناسبها.
وقد يكون هذا أحد أخطر الآثار بعيدة المدى لحرب غزة.
إنها لا تهدد حياة الفلسطينيين فقط، بل تهدد أيضًا شرعية المؤسسات التي يفترض أن تمنع العالم من العودة إلى قانون الغاب.
المحكمة الجنائية الدولية وُلدت لكي تقول إن بعض الجرائم خطيرة إلى درجة أنها تهم الإنسانية كلها، وإن مرتكبها لا يستطيع الاحتماء نهائيًا بالحدود أو المنصب السياسي. لكن هذه الفكرة لن تصمد إذا كان تطبيقها انتقائيًا.
لهذا أقرأ اختيار نافي بيلاي باعتباره دفاعًا رمزيًا عن المحكمة وعن منظومة المساءلة الدولية. المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك وصف فوزها بأنه انتصار جماعي لحقوق الإنسان وللساعين إلى العدالة والمساءلة، وأكد أهمية آليات المساءلة الجنائية الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية.
وهذه الرسالة تأتي في لحظة لا يحتاج فيها القانون الدولي إلى مزيد من الخطب، بل إلى حماية مؤسساته.
فما قيمة المحكمة إذا كان القاضي يخشى العقوبات لأنه وقّع قرارًا ضد مسؤول قوي؟ وما قيمة المدعي العام إذا تحولت التحقيقات إلى سبب للتهديد السياسي؟ وما قيمة مذكرات الاعتقال إذا قررت الدول مسبقًا تنفيذ بعضها وتجاهل بعضها الآخر وفق حساباتها الدبلوماسية؟
إذا قبلنا بهذا المنطق، فسنكون قد انتقلنا من العدالة الدولية إلى «عدالة التحالفات».
وأرى أن أوروبا خصوصًا توجد أمام اختبار أخلاقي صعب. فهي خرجت من حربين عالميتين ومن المحرقة ومن الفاشية وهي تبني مشروعها السياسي حول فكرة أن القانون يجب أن يقيد القوة. فإذا قبلت اليوم بأن تتحول قواعد الحرب وحقوق المدنيين إلى مواد قابلة للتفاوض عندما يتعلق الأمر بحليف، فإنها لا تخسر موقفًا في قضية الشرق الأوسط فحسب، بل تخاطر بتقويض الأساس الفكري الذي بنت عليه شرعيتها السياسية بعد 1945.
كما أن الولايات المتحدة تواجه تناقضًا أكثر وضوحًا. فهي تدافع عن نظام دولي قائم على قواعد، لكنها ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، وسبق أن فرضت عقوبات على مسؤولين فيها عندما مست التحقيقات مصالحها أو مصالح حلفائها. وهذا التناقض تستخدمه موسكو وبكين وغيرهما بسهولة لتقويض الخطاب الأمريكي حول القانون وحقوق الإنسان.
النتيجة أن غزة لم تعد فقط مأساة فلسطينية إسرائيلية.
لقد تحولت إلى مختبر أخلاقي للنظام العالمي كله.
ونوبل نافي بيلاي تضع هذا المختبر تحت الضوء.
لا أرى الجائزة إعلانًا بأن كل ما قالته بيلاي أو كل ما خلصت إليه لجنتها أصبح حقيقة قضائية نهائية؛ القانون نفسه يفرض علينا ألا نخلط بين التحقيق والحكم، وبين الاتهام والإدانة. لكنني أراها اعترافًا بأن الدفاع عن استقلال التحقيق والقضاء الدولي أصبح في ذاته قضية سلام.
فالسلام ليس مجرد توقف للرصاص.
السلام الذي يبنى فوق مقابر بلا مساءلة يحمل بذور حرب جديدة، والمجتمع الذي يشعر بأن قتلاه لا قيمة قانونية لهم لن يثق بسهولة في لغة المصالحة.
من جنوب إفريقيا إلى رواندا ومن لاهاي إلى غزة، حملت نافي بيلاي فكرة مزعجة لكل سلطة: أن الضحية لها اسم وحق، وأن الجريمة لا تصبح أقل خطورة لأن مرتكبها يمتلك جيشًا قويًا أو دعمًا دوليًا.
هذه الفكرة هي ما ينبغي أن تخشاه ازدواجية المعايير.
وأنا أرى أن الغرب يقف اليوم أمام خيار يتجاوز غزة: إما أن يقبل فعلًا بقانون دولي واحد للأصدقاء والخصوم، وإما أن يواصل استعمال لغة القانون بطريقة انتقائية إلى أن تفقد هذه اللغة آخر ما تبقى لها من قوة أخلاقية.
إن أخطر ما يمكن أن تخسره الديمقراطيات الغربية ليس نفوذًا في الشرق الأوسط ولا تصويتًا في الأمم المتحدة.
الأخطر أن تخسر قدرتها على إقناع بقية العالم بأن المبادئ التي تدافع عنها هي مبادئ فعلًا وليست أدوات قوة.
ولهذا فإن فوز نافي بيلاي ليس، في قراءتي، جائزة ضد إسرائيل ولا جائزة لمصلحة الفلسطينيين بالمعنى السياسي المباشر.
إنه امتحان للجميع.
فإذا كان القانون الدولي يستحق جائزة نوبل، فعليه أيضًا أن يستحق الطاعة عندما يصبح تطبيقه مكلفًا سياسيًا.
أما إذا ظل القانون صارمًا مع الخصوم، مرنًا مع الحلفاء، شجاعًا أمام الضعفاء ومترددًا أمام الأقوياء، فلن نكون أمام نظام دولي قائم على القواعد.
سنكون أمام نظام قائم على القوة، تُعلّق على جدرانه نصوص قانونية جميلة لكي تخفي الحقيقة.
وغزة، أكثر من أي ملف آخر في السنوات الأخيرة، جعلت هذه الحقيقة مستحيلة الإخفاء.








0 التعليقات:
إرسال تعليق