الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

ماريكارمن تفتح الجرح العميق الإسباني : عبده حقي

 


تابعت مثل الكثير من المغاربة قصة ماريكارمن بشعور يتجاوز الحزن على امرأة إسبانية مسنة انتهت حياتها بعد أيام من إفراغها من البيت الذي ارتبط بعمرها وذاكرتها، لأنني أرى في قصتها ما هو أخطر من مأساة فردية عابرة. أرى مجتمعًا حديثًا يفاخر بالقوانين والمؤسسات وحقوق الإنسان، ثم يقف عاجزًا أمام أبسط سؤال يمكن أن يطرحه مواطن في أواخر العمر: هل يحق لي أن أموت في البيت الذي عشت فيه بدل أن أُقتلع منه مثل قطعة أثاث انتهت صلاحيتها؟ هذه هي القسوة الحقيقية في قصة ماريكارمن، وهذه هي النقطة التي تجعلني أرفض اختزالها في نزاع عقاري أو ملف قضائي أو خلاف بين مالك ومستأجر. المسألة أكبر من ذلك بكثير. إنها امتحان للمدينة، وللدولة، وللسوق، وللمجتمع كله.

لا أريد أن أحول ماريكارمن إلى أيقونة رومانسية، ولا أن أستعمل موتها للتشهير بطرف دون آخر، لكنني أرفض في المقابل هذا النوع من الخطاب البارد الذي يختبئ خلف عبارة «القانون هو القانون». نعم، القانون ضروري، وحقوق الملكية ضرورية، والعقود ضرورية، لكن المجتمع الذي يقدس النص أكثر مما يحمي الإنسان يتحول تدريجيًا إلى جهاز إداري شديد الكفاءة وعديم الرحمة. ما قيمة أن تكون الإجراءات سليمة إذا كانت النتيجة الإنسانية قاسية إلى هذا الحد؟ وما معنى أن ننتصر في الملف ونخسر الإنسان؟

ماريكارمن لم تكن شابة قادرة على بدء حياة جديدة في مكان آخر، ولم تكن مستثمرة دخلت في مخاطرة عقارية، بل امرأة في السابعة والثمانين من عمرها، مرتبطة بمكان عاشت فيه عقودًا طويلة. بالنسبة إليّ، هذه ليست مجرد إقامة سكنية. البيت في مثل هذه السن يتحول إلى امتداد للهوية. الجدران تصبح سجلًا للعائلة، والمطبخ ذاكرة للروائح، والنافذة عادة يومية، والحي جزءًا من الإدراك نفسه. اقتلاع شخص مسن من هذا المحيط ليس تغيير عنوان بريدي، بل تفكيك بطيء لحياته.

هنا تحديدًا أرى الوجه العنيف للمدينة المعاصرة. العنف لم يعد دائمًا هراوة في يد شرطي أو بابًا يُكسر بالقوة. يمكن أن يكون عقدًا، إشعارًا، زيادة في الإيجار، حكمًا بالتنفيذ، أو رقمًا على شاشة يقول إن البيت صار أغلى من قدرة ساكنه على البقاء فيه. المدينة الحديثة تعلمت أن تُقصي الناس بأناقة قانونية. لم تعد بحاجة إلى طرد الفقراء من الأحياء بالصراخ؛ يكفي أن ترفع الأسعار، وتضاعف الضغوط العقارية، وتحوّل السكن إلى سلعة استثمارية، ثم تترك السوق يتولى مهمة الفرز الاجتماعي.

وهنا أسأل نفسي: متى أصبح البيت مجرد أصل مالي؟ متى فقد السكن معناه الاجتماعي وتحول إلى منتج يُشترى ويباع كما تُباع الأسهم؟ هناك شيء خطير يحدث في كثير من المدن الكبرى، ليس في إسبانيا وحدها، بل في أوروبا والعالم كله. المدينة تصبح أكثر لمعانًا، والمباني أكثر حداثة، والاستثمارات أكبر، والسياحة أقوى، لكن السكان الأصليين يصبحون أضعف. كل شيء يتحسن باستثناء قدرة الإنسان العادي على البقاء.

المفارقة مؤلمة: المدن التي ترفع شعارات الجودة والرفاه والجاذبية الدولية يمكن أن تصبح أكثر عداء لمن صنعوا ذاكرتها الاجتماعية. الأحياء التي تشكلت بعرق الناس تتحول إلى مشاريع مربحة، والمقاهي القديمة تصير فضاءات سياحية، والشقق التي كانت بيوتًا للعائلات تتحول إلى وحدات للإيجار القصير أو الاستثمار، ثم يُطلب من السكان الذين عاشوا هناك عقودًا أن يفهموا أن «السوق تغير».

لكن السوق، في نظري، لا يمكن أن يكون جوابًا أخلاقيًا. السوق لا يعرف الشيخوخة ولا الحنين ولا الضعف. السوق يعرف العرض والطلب والعائد. ولهذا وُجدت السياسة والمجتمع والقانون: لكي توضع حدود عندما تصبح قوة السوق أكبر من قدرة الإنسان على المقاومة. وإذا كانت الدولة عاجزة عن التدخل لحماية شخص في هذا العمر من فقدان استقراره، فعلينا أن نسأل بجدية: ما الوظيفة الاجتماعية للدولة أصلًا؟

أكثر ما يزعجني هو الطريقة التي تعودنا بها على التعامل مع هذه القصص بعد وقوعها. نمضي بسرعة من الاستغراب إلى التعاطف، ومن التعاطف إلى الغضب، ثم ننتقل بعد أيام إلى خبر آخر. تموت ماريكارمن فتمتلئ الشوارع بالشعارات، وتكتب الصحف عن أزمة السكن، ويتجادل السياسيون، ثم تستمر المنظومة نفسها. وهذا ما يجعل الاحتجاج، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مراسم جنازة منه إلى قوة تغيير.

أنا لا أستهين بخروج الناس إلى الشوارع، بل أراه ضروريًا، لكنني أتساءل: لماذا يجب أن تموت امرأة حتى نكتشف أن أزمة السكن موجودة؟ لماذا نحتاج دائمًا إلى صورة موجعة كي نعترف بما نعرفه أصلًا؟ الأزمة ليست مفاجئة. أسعار الإيجارات المرتفعة ليست خبرًا جديدًا. طرد السكان من الأحياء ليس حادثًا استثنائيًا. هشاشة كبار السن ليست سرًا. كل هذه الوقائع معروفة، لكننا غالبًا لا نتحرك إلا بعد أن تتحول المأساة إلى رمز.

هنا تتحول ماريكارمن من شخص إلى مرآة. الذي بكى عليها لم يكن يبكيها وحدها، بل ربما كان يبكي مستقبله، أو والديه، أو خوفه من أن يأتي يوم لا يعود فيه قادرًا على دفع ثمن المكان الذي عاش فيه. مأساة السكن قاسية لأنها تمس الإحساس بالأمان في أكثر صوره بداهة. يستطيع الإنسان أن يتحمل أزمات كثيرة ما دام يشعر أن له بابًا يغلقه خلفه في المساء. ماذا يحدث عندما يصبح هذا الباب نفسه مهددًا؟

أرى أن المجتمعات الحديثة خلقت تناقضًا صارخًا: نعيش أطول، لكننا لا نضمن أن يعيش الإنسان شيخوخته بكرامة. نتحدث عن الرعاية الصحية وإطالة متوسط العمر، ثم نضع المسن في بيئة اقتصادية تجعل الاستقرار نفسه هشًا. أي تقدم هذا الذي يضيف سنوات إلى العمر ثم يسحب الطمأنينة من هذه السنوات؟

قصة ماريكارمن تجعلني كذلك أرفض فكرة أن العدالة يمكن قياسها بالنص وحده. العدالة الحقيقية يجب أن ترى السياق، والعمر، والهشاشة، والآثار الاجتماعية للقرار. لا أدعو إلى إلغاء حقوق المالكين، ولا إلى مصادرة الممتلكات تحت ذريعة التعاطف، لكنني أقول إن المجتمع الذي يمتلك ميزانية وقوانين ومؤسسات يجب أن يمتلك أيضًا حلولًا وسطى تمنع أن تكون النتيجة النهائية إلقاء مسنة في الهشاشة.

الدولة الحديثة لا تختبر فقط في قدرتها على جمع الضرائب أو جذب الاستثمارات، بل في حماية من لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. والمدينة لا تُقاس بعدد الأبراج أو الفنادق أو المشاريع الكبرى، بل بقدرة الفقير والمتقاعد والعامل والمسن على الاستمرار فيها دون شعور دائم بأنه مؤقت أو زائد أو قابل للاستبدال.

أكثر ما يخيفني في منطق السوق العقارية هو أنه يجعل الإنسان يبدو وكأنه عائق أمام قيمة العقار. بدل أن يكون البيت موجودًا لخدمة الساكن، يصبح الساكن مجرد مرحلة عابرة في دورة الربح. وإذا ارتفعت القيمة، صار وجوده مشكلة. وإذا زادت الأرباح الممكنة، تحول عقده إلى عبء. بهذا المعنى تصبح المأساة اجتماعية لا شخصية.

ولذلك لا أرى أن عبارة «إسبانيا تبكي ماريكارمن» مبالغة كاملة. نعم، هي صياغة صحفية عاطفية، لكنها تكشف جرحًا حقيقيًا. الناس الذين خرجوا من أجلها كانوا يقولون، بصورة غير مباشرة، إن شيئًا ما في المجتمع أصبح غير محتمل. كانوا يرفضون فكرة أن يتحدد مصير الإنسان فقط وفق ما يستطيع دفعه.

لكنني أريد الذهاب أبعد من البكاء. البكاء لا يكفي. التعاطف لا يكفي. تحويل الضحية إلى رمز لا يكفي. المطلوب هو أن يصبح هذا النوع من القضايا مناسبة لإعادة التفكير في وظيفة السكن نفسها. هل هو حق اجتماعي أم سلعة؟ هل يمكن أن يكون الاثنين معًا؟ وإذا كان كذلك، فأين تبدأ حدود السوق وأين يبدأ واجب الحماية؟

المجتمع الذي لا يستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة سيكرر مأساة ماريكارمن بأسماء أخرى. قد يكون الضحية هذه المرة في مدريد، وغدًا في برشلونة أو باريس أو روما أو مدينة عربية. التفاصيل ستتغير، لكن الجوهر واحد: مدينة تُرفع فيها القيمة المالية للعقار بينما تنخفض فيها قيمة الإنسان.

ما أريده من قصة ماريكارمن ليس أن تحولت إلى دمعة إسبانية عابرة، بل إلى سؤال دائم: ماذا يعني أن يكون لنا حق في المدينة؟ ومن الذي يقرر من يبقى ومن يرحل؟ وهل يجوز أن يتحول الإنسان في نهاية العمر إلى ضيف مهدد في المكان الذي قضى فيه حياته؟

بالنسبة إليّ، المقياس الحقيقي لأي حضارة ليس كيف تعامل أقوى مواطنيها، بل كيف تعامل أضعفهم. ليس كيف تحمي رؤوس الأموال، بل كيف تمنع رأس المال من سحق من لا يملكون القوة نفسها. ليس عدد القوانين، بل مقدار الرحمة التي تستطيع هذه القوانين أن تترك لها مكانًا.

ماريكارمن رحلت، لكن السؤال الذي تركته حيًا لا يزال أقسى من خبر وفاتها: إذا صار البيت امتيازًا لا حقًا، وإذا صار البقاء في المدينة مرتبطًا فقط بالقدرة المالية، فمن سيكون التالي؟

بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: