الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

عزيزة نايت سي بها… سيرة امرأة بين الخبر والهوية والهجرة الإعلامية: عبده حقي


أستوقفني في حكاية الإعلامية المغربية عزيزة نايت سي بها أنها لا تختصر في انتقال مهني عادي من جريدة مغربية إلى شاشة دولية، ولا في قصة صحفية هاجرت من بلد إلى آخر بحثا عن فرصة أوسع، بل تبدو لي سيرتها أقرب إلى رحلة طويلة لبناء الذات، رحلة بدأت في المغرب واستمرت في فرنسا، وفي كل محطة منها كانت الصحافة وسيلتها لفهم العالم ولإعادة تعريف موقعها داخله. وقد عادت نايت سي بها خلال الأيام الأخيرة إلى هذا المسار بمناسبة احتفالها بعيد ميلادها الخمسين، مستحضرة نصف قرن من اللقاءات والتحديات والأفراح والانكسارات والبدايات المتجددة، وثلاثة عقود تقريبا من العمل في الصحافة، من المكتوب إلى الإذاعة ثم التلفزيون، ومن المغرب إلى فرنسا التي عاشت فيها أكثر من عقدين.

ما يلفتني أولا في هذه السيرة هو أن بدايتها لم تكن مصنوعة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى، بل خرجت من فضول شابة تجاه الكتابة والعالم. وتشير سيرتها المنشورة إلى أن علاقتها بالتدوين بدأت منذ المراهقة، وأنها دخلت الصحافة في سن مبكرة، قبل أن تمر بتجربة مجلة «كيفاش» ثم جريدة «Le Matin» المغربية، حيث اشتغلت في مجالات المجتمع والثقافة ثم اقتربت أكثر من الشؤون الدولية. وبالنسبة إلي، فإن هذه المرحلة المغربية مهمة لفهم ما حدث لاحقا، لأن الصحفي الذي يصل إلى الإعلام الدولي لا يولد بالضرورة داخل استوديو تلفزيوني مجهز أو مدرسة صحافة عريقة، بل يمكن أن يتكون داخل جريدة وطنية، وسط التحقيقات اليومية، والأسئلة الميدانية، والعمل المتواصل على اللغة والمعلومة وبناء شبكة المصادر.

ثم جاءت فرنسا محطة ثانية في بناء المسار. انتقلت عزيزة نايت سي بها سنة 2004 لمتابعة دراستها، في وقت كانت تواصل فيه نشاطها الصحفي مراسلة من باريس، قبل أن تلتحق بمعهد العلوم السياسية في باريس «Sciences Po» وتحصل على درجة الماستر. أرى في هذه النقلة أكثر من مجرد استكمال للدراسة؛ إنها لحظة اعتراف بأن المهنة مهما راكمت من خبرة تحتاج أحيانا إلى إعادة تأسيس معرفي. الصحافة ليست فقط القدرة على كتابة الخبر أو الوقوف أمام الكاميرا، وإنما أيضا القدرة على فهم السياسة الدولية، وتحليل المؤسسات، وقراءة العلاقات بين الدول، والاقتصاد والثقافة والمجتمع. وهذا التزاوج بين الخبرة الميدانية والتكوين الأكاديمي سيساعدها بعد ذلك على الانتقال إلى مرحلة مهنية أكثر اتساعا.

في الخامس والعشرين من سبتمبر 2006، دخلت عزيزة نايت سي بها غرفة الأخبار العربية لقناة «فرانس 24»، وتقول في شهادة نشرتها عن مسارها إنها كانت أول صحفية تلتحق بتلك الغرفة. ومنذ ذلك التاريخ، تنقلت داخل القناة بين مهام متعددة، فاشتغلت بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وقدمت نشرات وبرامج، وتخصصت في التعليق على السياسة الدولية، وتولت مسؤوليات تحريرية. وفي إحدى شهاداتها عن تسعة عشر عاما داخل فرانس 24، تحدثت عن تغطية أحداث كبرى من الميدان ومن استوديوهات باريس، وعن إجراء مئات الحوارات مع شخصيات من العالم العربي.

هذه التفاصيل تجعلني أتوقف عند معنى آخر لمسار الصحفي المغربي في الخارج. فالوصول إلى مؤسسة إعلامية دولية ليس نهاية الطريق، بل ربما يكون بداية اختبار أصعب. داخل هذا النوع من المؤسسات يصبح الصحفي مطالبا بأن يتحرك بين ثقافات متعددة، وأن يتقن أكثر من لغة مهنية، وأن يفهم حساسية الجمهور في أكثر من بلد، وأن يتعامل مع الحدث المحلي باعتباره جزءا من سياق دولي أوسع. الصحفية المغربية في باريس لا تحمل معها فقط اسمها وخبرتها، بل تحمل أيضا ذاكرة مجتمع ولغة وثقافة وطريقة خاصة في النظر إلى العالم.

واللافت في تجربة عزيزة نايت سي بها أنها لم تتخل عن صلتها بالمغرب بعد انتقالها إلى فرنسا. ففي مسارها الإعلامي حضرت الثقافة المغربية والفن المغربي والشخصيات المغربية، كما خصصت من خلال برنامجها «ضيف ومسيرة» لقاءات لمسارات فنية وثقافية مغربية، واستمرت هذه الصلة في مشاريع إعلامية لاحقة. وفي سنة 2025، على سبيل المثال، خصص البرنامج سلسلة حلقات للثقافة والفن المغربيين، مستضيفا شخصيات من المشهد الإبداعي المغربي.

وأجد في هذه الاستمرارية درسا مهما يتعلق بالهوية الصحفية. الهجرة المهنية لا تعني بالضرورة الاقتلاع الثقافي. يمكن للصحفي أن يصبح جزءا من مؤسسة دولية من دون أن يفقد ذاكرته الأولى، بل قد تمنحه المسافة الجغرافية أحيانا قدرة أكبر على إعادة اكتشاف بلده. فالمغرب الذي يراه الصحفي من باريس ليس هو بالضرورة المغرب نفسه الذي كان يراه من الرباط أو الدار البيضاء؛ المسافة تغير زاوية النظر، وتجعل المقارنة ممكنة، وتضع التفاصيل المحلية داخل سياق عالمي.

وقد عبرت نايت سي بها بنفسها عن تعدد هويتها في تدوينتها الأخيرة، مقدمة نفسها من خلال انتماءات وتجارب متداخلة: مغربية وفرنسية وأمازيغية وصحفية وأستاذة ورائدة أعمال، مع تأكيدها ارتباطها بالقضايا النسائية. وهذا التعدد، في نظري، لا ينبغي فهمه كتشتت في الهوية، بل كصورة لصحفي معاصر لم تعد حياته محصورة داخل جغرافيا واحدة أو مهنة واحدة.

ومن مظاهر هذا الاتساع انتقال تجربتها من الصحافة إلى التدريب والتعليم. فقد شاركت في تكوين صحفيين مغاربة في مجال التقديم التلفزيوني ضمن أكاديمية France Médias Monde، كما ارتبط اسمها بالتدريس في Sciences Po Paris. هنا يتحول الصحفي من ناقل للخبر إلى ناقل للخبرة، وهو تطور طبيعي في بعض المسارات المهنية الطويلة؛ فبعد سنوات من الوقوف أمام الكاميرا وإدارة الحوارات ومتابعة السياسة الدولية، تصبح التجربة نفسها مادة يمكن مشاركتها مع أجيال جديدة.

لكن أكثر ما يهمني في مسارها هو تجاوز الصحافة التقليدية نحو مشاريع إعلامية مستقلة. فقد أسست منصة «Taja» المتخصصة في الرياضة النسائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، انطلاقا من ملاحظة ضعف حضور النماذج الرياضية النسائية في الإعلام. وكانت الفكرة أن تجد الفتيات والنساء نماذج رياضية يمكن الاقتداء بها، وألا تظل الرياضة النسائية على هامش التغطية الإعلامية.

وأرى أن هذه الخطوة تعكس التحول الذي تعرفه مهنة الصحافة نفسها. الصحفي المعاصر لم يعد بالضرورة موظفا داخل جريدة أو إذاعة أو قناة فقط؛ يمكنه أن يصبح صاحب مشروع إعلامي، وأن يبحث عن جمهور متخصص، وأن يبني منصة جديدة لمعالجة مجال يشعر أن الإعلام التقليدي لا يمنحه المساحة الكافية. بهذا المعنى، فإن تجربة نايت سي بها تختصر جانبا من التحولات العميقة التي عرفها الإعلام خلال الثلاثين سنة الأخيرة: من الجريدة الورقية إلى التلفزيون الدولي، ومن المؤسسة الكبرى إلى المنصة الرقمية المتخصصة.

وعندما تستعيد اليوم خمسين عاما من حياتها، لا أقرأ هذه الوقفة بوصفها احتفالا بعيد ميلاد فقط. أقرأها باعتبارها لحظة مراجعة لزمن صحفي كامل. ثلاثون سنة من العمل الإعلامي تعني أنها عاشت انتقال الصحافة من الورق إلى الشاشة ثم إلى المنصات الرقمية وشبكات التواصل، وعاشت أيضا تحولات العلاقة بين الصحفي والجمهور. الصحفي الذي كان يكتب مقاله وينتظر صدور الجريدة أصبح اليوم في تواصل مباشر ودائم مع متابعيه، والصحفي الذي كانت شهرته مرتبطة بالمؤسسة أصبح قادرا على بناء هويته المهنية الخاصة خارجها.

وفي هذه النقطة تحديدا تبدو لي عبارة «رواية قصص الآخرين بينما تكتب الحياة قصتها» ذات دلالة خاصة. فالصحفي يقضي جزءا كبيرا من عمره منشغلا بحياة الناس، بانتخاباتهم وحروبهم ونجاحاتهم وخيباتهم وكتبهم وفنونهم وقراراتهم السياسية، حتى إنه قد ينسى أحيانا أن حياته الشخصية نفسها تتحول بصمت إلى قصة. وعندما يلتفت بعد ثلاثين عاما إلى الخلف، يكتشف أن آلاف الأخبار والمقابلات والتغطيات لم تكن أحداثا خارجية فقط، بل كانت أيضا علامات على طريقه الشخصي.

أرى في تجربة عزيزة نايت سي بها في النهاية صورة لجيل من الصحفيين المغاربة الذين انطلقوا من الإعلام الوطني واستطاعوا أن يجدوا مكانا داخل فضاءات إعلامية دولية من دون أن يقطعوا الخيط الذي يربطهم ببلدهم. وهي أيضا تجربة تقول إن الصحافة ليست مهنة مستقرة بالمعنى التقليدي، بل مشروع تعلم دائم؛ تبدأ بالكتابة وقد تصل إلى التلفزيون، تبدأ بالتغطية وقد تصل إلى إدارة التحرير، تبدأ داخل مؤسسة وقد تقود إلى تأسيس منصة، ويظل السؤال الأساسي واحدا: ماذا نضيف إلى الحكاية التي نرويها عن العالم؟

ولهذا فإن استعادة عزيزة نايت سي بها لمسيرتها بين المغرب وفرنسا لا تهمني فقط باعتبارها سيرة إعلامية فردية، بل باعتبارها نموذجا لما يمكن أن تصنعه الخبرة المغربية عندما تلتقي بالتكوين والانفتاح والمثابرة. فالحدود الجغرافية قد تغير مكان الصحفي، لكنها لا تمحو ذاكرته الأولى، وربما تكون أجمل المسارات هي تلك التي تجعل صاحبها يحمل بلده معه إلى العالم، ثم يعود من العالم بنظرة أوسع إلى بلده.


0 التعليقات: