أستقبل خبر استعداد الرباط لاحتضان الدورة الحادية والثلاثين من المهرجان الدولي لسينما المؤلف بشعور يتجاوز الاهتمام العادي بموعد ثقافي جديد، لأن هذه الدورة التي ستقام من 7 إلى 14 نونبر 2026 تحمل في داخلها معنى إنسانيًا وثقافيًا مضاعفًا؛ فهي لا تعلن فقط استمرار مهرجان راكم أكثر من ثلاثة عقود من الحضور داخل المشهد السينمائي المغربي، وإنما تستحضر أيضًا اسم مخرج رحل في عز عطائه، هو محمد عهد بنسودة، الذي قررت إدارة المهرجان إهداء مجموع برمجتها إلى ذاكرته. وهنا أشعر أن الأمر أكبر من لحظة تكريم بروتوكولية تنتهي بصورة جماعية وتصفيق داخل قاعة مظلمة، إذ يتعلق باستعادة مبدع ترك وراءه أفلامًا وأسئلة ورؤية للسينما بوصفها وسيلة لاكتشاف الإنسان المغربي ومواجهة تناقضات المجتمع.
تبدو لي هذه الدورة مناسبة للتوقف عند معنى «سينما المؤلف» نفسها في زمن أصبحت فيه الصناعة السينمائية العالمية محكومة أكثر فأكثر بمنطق السوق والأرقام والمنصات والخوارزميات. فسينما المؤلف، في جوهرها، دفاع عن حق المخرج في أن تكون له بصمة، ونبرة، وسؤال، وذاكرة، وأن يتحول الفيلم من مجرد منتج للاستهلاك السريع إلى رؤية للعالم. لذلك أرى أن استمرار مهرجان يحمل هذا الاسم في الرباط إلى دورة حادية وثلاثين يمثل في حد ذاته فعل مقاومة ثقافية، لأننا نحتاج داخل المغرب إلى فضاءات تذكّرنا بأن السينما ليست شباك تذاكر فقط، وليست نجومًا وسجادات حمراء، وإنما كتابة بالضوء، وتأمل في المجتمع، ومختبر للجمال وللأسئلة التي قد تعجز الخطب والبيانات السياسية عن طرحها بالحرية نفسها.
وتكتسب دورة 2026 خصوصية إضافية لأن المنظمين أعلنوا منح السينما المغربية مكانة مركزية واستثنائية، إلى درجة تقديم الدورة باعتبارها احتفاء واسعًا بالإبداع السينمائي الوطني، مع تخصيص لحظات يومية لتسليط الضوء على أعمال وفرق سينمائية وشخصيات من المشهد المغربي، إلى جانب المسابقات والعروض واللقاءات المهنية والماستر كلاس والأنشطة الموجهة إلى الجمهور الشاب والعائلات. بالنسبة إليّ، هذه العودة القوية إلى السينما المغربية ليست انغلاقًا على الذات، بل فرصة لكي تنظر السينما الوطنية في المرآة: ماذا أنجزت؟ أين نجحت؟ ما القضايا التي طرحتها؟ وأين لا تزال تعاني من ضعف الإنتاج والتوزيع والوصول إلى الجمهور؟
وفي قلب هذه الأسئلة يحضر محمد عهد بنسودة، لا باعتباره اسمًا يضاف إلى قائمة الراحلين، وإنما باعتباره جزءًا من جيل حاول أن يصنع لنفسه موقعًا بين السينما والتلفزيون، بين الرغبة في التعبير الفني وضرورات الإنتاج، وبين الخصوصية المغربية وطموح الوصول إلى المهرجانات والجمهور خارج الحدود. رحل بنسودة مساء الثالث من فبراير 2026 عن ستة وخمسين عامًا، تاركًا صدمة واضحة في الأوساط السينمائية المغربية. ولد في تطوان سنة 1969، ودرس التاريخ والأدب الفرنسي في كلية الآداب بفاس، قبل أن يتابع تكوينه السينمائي في فرنسا، ثم يبني مسارًا توزّع بين الأفلام القصيرة والطويلة والأعمال التلفزيونية والوثائقية.
أجد في مساره ما يستحق أن يُقرأ خارج منطق «البيوغرافيا» التقليدية. فمحمد عهد بنسودة لم يتعامل مع الفيلم باعتباره مجرد حكاية مغلقة، بل اقترب في عدد من أعماله من المناطق الاجتماعية الحساسة، ومن العلاقات المتوترة بين الفرد والمجتمع، وبين التقليد والتحول، وبين المرأة وبنيات الهيمنة المحيطة بها. أفلام مثل «موسم لمشاوشة» و«ظل الذئب» و«خلف الأبواب المغلقة» و«مطلقات الدار البيضاء» تكشف عن سينمائي لم يكن بعيدًا عن أسئلة المجتمع المغربي، بل كان يحاول تحويلها إلى شخصيات وصور ومواقف وصراعات داخل الشاشة. وقد عُرف كذلك باهتمامه بقضايا المرأة، وهو ما ظهر بوضوح في بعض أعماله الأخيرة.
لهذا أرى أن أفضل تكريم لمحمد عهد بنسودة لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة صورته أو عرض مقتطفات من أفلامه، بل يجب أن يتحول إلى قراءة نقدية حقيقية لتجربته. نحن في المغرب نمتلك أحيانًا قدرة كبيرة على الاحتفاء بالمبدعين بعد رحيلهم، لكننا أقل انتظامًا في أرشفة تجاربهم ودراستها وإتاحتها للأجيال الجديدة. السينما ذاكرة هشة جدًا، وإذا لم يتم حفظ الأفلام والسيناريوهات والشهادات والصور والوثائق والحوارات فإن جزءًا من تاريخنا البصري يمكن أن يتبدد بصمت. ومن هنا أتمنى أن يكون تكريم بنسودة مناسبة لفتح ملف أكبر يتعلق بأرشيف السينما المغربية وبضرورة رقمنته وصيانته وجعله متاحًا للباحثين والطلبة والجمهور.
ويهمني أيضًا أن أتوقف عند مدينة الرباط نفسها، لأن مهرجانًا لسينما المؤلف لا ينبغي أن يبقى حدثًا محصورًا داخل قاعات يعرفها المهنيون والنقاد والضيوف وحدهم. قوة أي مهرجان ثقافي تقاس في نظري بمقدار ما ينجح في النزول إلى المدينة، في الوصول إلى الطلبة والتلاميذ والعائلات والشباب الذين ربما لم يدخلوا قاعة سينما منذ سنوات. وإذا استطاعت الدورة الحادية والثلاثون أن تحول الرباط خلال أسبوع إلى مدينة تناقش الأفلام، وتلتقي بالمخرجين، وتكتشف تجارب جديدة، فإنها تكون قد تجاوزت مفهوم «المهرجان» بوصفه موعدًا للنخبة نحو مفهوم الثقافة باعتبارها حقًا عامًا.
والرهان الآخر الذي أراه أساسيًا هو استعادة العلاقة بين الفيلم المغربي والجمهور المغربي. لدينا مخرجون وممثلون وتقنيون وتجارب تستحق المتابعة، لكن الحلقة الأصعب تظل في كثير من الأحيان هي الجمهور والتوزيع وقاعات العرض. فما قيمة أن نصنع أفلامًا لا يجد المشاهد فرصة لرؤيتها؟ وما معنى أن تحصل أعمال على حضور في مهرجانات دولية بينما تظل مجهولة لدى قطاعات واسعة من المغاربة؟ المهرجانات تستطيع أن تسهم في سد جزء من هذه الفجوة، شرط ألا تتحول إلى جزر منفصلة عن الموسم الثقافي وعن المؤسسات التعليمية وعن القاعات الموجودة في المدن الأخرى.
إن تخصيص دورة كاملة لذكرى محمد عهد بنسودة يحمل، في تقديري، رسالة أوسع من الوفاء لرجل واحد. إنها رسالة عن الذاكرة الثقافية نفسها. المبدع لا ينتهي لحظة موته، وإنما تبدأ بعد الرحيل معركة أخرى: هل سيبقى أثره حيًا؟ هل ستُعرض أعماله؟ هل سيدرسها النقاد والباحثون؟ هل سيعرفه جيل جديد لم يعاصره؟ لهذا أحب أن أقرأ الدورة الحادية والثلاثين باعتبارها محاولة لقول إن السينما قادرة على مقاومة النسيان، وإن الشاشة تستطيع أن تعيد الغائب إلى الحضور ولو لساعتين، وأن تمنح صوته وحكايته فرصة جديدة.
وأنا أنتظر افتتاح هذه الدورة، أتمنى ألا يكون محمد عهد بنسودة حاضرًا في الكلمات الافتتاحية فقط، بل في النقاش حول السينما التي كان يؤمن بها، وفي عرض أفلامه ومساءلتها نقديًا، وفي استضافة من اشتغلوا معه وعرفوا تفاصيل مغامرته الفنية، وفي التفكير في مستقبل سينما مغربية تملك الشجاعة لكي تكون مختلفة. فالتكريم الحقيقي ليس مرثية، بل استمرار للحوار مع العمل.
قد تُطفأ أضواء الدورة في الرابع عشر من نونبر، وتُطوى السجادة الحمراء، ويسافر الضيوف، وتعود الرباط إلى إيقاعها اليومي، لكن ما أتمناه هو أن يبقى شيء من محمد عهد بنسودة بعد انتهاء المهرجان؛ فيلم أعيد اكتشافه، طالب سينما قرر البحث في تجربته، مشاهد شاب وجد في أحد أعماله سؤالًا يشبه أسئلته، أو مؤسسة أدركت أن ذاكرة السينما المغربية تحتاج إلى ما هو أكثر من لحظات التكريم. عندها فقط يمكنني أن أقول إن الدورة الحادية والثلاثين لم تحتف بمخرج راحل فحسب، بل انتصرت لفكرة أساسية: المبدعون يرحلون، لكن الثقافة الحقيقية هي التي تمنع أعمالهم من الرحيل معهم.







0 التعليقات:
إرسال تعليق