الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 07، 2026

حقوق الإنسان تحت الضغط: من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا: عبده حقي


تكشف التطورات الحقوقية التي شهدتها الأيام القليلة الماضية عن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول احترام الحريات والحقوق الأساسية وبين الممارسات التي توثقها المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية على الأرض. فمن الجزائر إلى تونس وليبيا ومصر، مرورًا بفلسطين واليمن، ووصولًا إلى عدد من الدول الأوروبية، تتقاطع ملفات الاعتقال وحرية الصحافة والهجرة واللجوء وحقوق المدنيين وحرية التظاهر في مشهد عالمي يطرح أسئلة متجددة حول قدرة القانون الدولي وآليات الرقابة الوطنية والدولية على حماية الإنسان في أزمنة الأزمات السياسية والأمنية والحروب.

الجزائر: استمرار التضييق على المجال العام

في الجزائر، تواصل قضية الحريات العامة إثارة انتقادات حقوقية، خصوصًا ما يتعلق بحرية التعبير والنشاط السياسي والمدني. وتفيد المتابعات الحقوقية الأخيرة بأن الملاحقات والأحكام القضائية بحق ناشطين وأصوات معارضة لا تزال تمثل أحد أبرز مظاهر التوتر بين السلطات والمجتمع المدني، في سياق تتحدث فيه منظمات دولية عن توظيف بعض مواد القانون ذات الصياغة الفضفاضة في قضايا مرتبطة بالتعبير السياسي أو بالنشاط عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ويبرز ملف الصحافة بوصفه واحدًا من الملفات الأكثر حساسية، بعد سنوات شهدت اعتقال وملاحقة صحفيين وفرض قيود على مؤسسات إعلامية وناشطين، الأمر الذي جعل مساحة النقاش العام أكثر ضيقًا مما كانت عليه خلال مرحلة الحراك الشعبي. ويضاف إلى ذلك استمرار الجدل حول الحق في التجمع والتنظيم النقابي والسياسي، فضلًا عن شكاوى تتعلق بالمنع من السفر أو القيود المفروضة على بعض النشطاء.

أما ملف المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، فيظل بدوره محل انتقاد حقوقي بسبب عمليات الترحيل الجماعي نحو الحدود الجنوبية والظروف الإنسانية المصاحبة لها. وهذه القضية لا تخص الجزائر وحدها، بل أصبحت واحدة من أعقد القضايا الحقوقية في منطقة المغرب الكبير، حيث تتداخل سياسات ضبط الحدود مع ضغوط أوروبية متزايدة لوقف تدفقات الهجرة نحو الشمال.

تونس: المجتمع المدني بين القضاء وسياسة الهجرة

تونس التي كانت قبل سنوات تُقدم بوصفها التجربة الديمقراطية الأبرز التي خرجت من انتفاضات عام 2011 تجد نفسها اليوم في قلب نقاش حقوقي مختلف تمامًا. فالملاحقات القضائية بحق شخصيات سياسية ومحامين وناشطين ومنظمات مجتمع مدني تحولت إلى ملف دولي متواصل، فيما تثير الإجراءات التي تستهدف بعض الجمعيات والمنظمات مخاوف من تقلص المجال المدني المستقل.

ويتخذ الملف بعدًا إضافيًا مع قضية المهاجرين واللاجئين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء. فقد جددت منظمات حقوقية دولية خلال الأيام الأخيرة انتقاداتها للسياسات المتبعة تجاه هؤلاء، متحدثة عن اعتقالات تعسفية وسوء معاملة وعمليات طرد جماعي وانتهاكات تتصل بالحماية القانونية للمهاجرين وطالبي اللجوء.

وتكتسب المسألة حساسية سياسية خاصة بسبب التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية. فالانتقاد الحقوقي الموجه إلى هذا التعاون يقوم أساسًا على أن أوروبا، في سعيها إلى منع وصول المهاجرين إلى شواطئها، قد تتحول عمليًا إلى ممول لسياسات حدودية لا تكون دائمًا منسجمة مع التزامات حقوق الإنسان.

ليبيا: المهاجرون في قلب المأساة المستمرة

تبقى ليبيا واحدة من أكثر البيئات هشاشة في المنطقة من حيث الحماية القانونية للإنسان، نتيجة استمرار الانقسام السياسي وانتشار الجماعات المسلحة وتعدد مراكز النفوذ الأمني. وخلال الأيام الماضية عاد ملف المهاجرين المحتجزين إلى الواجهة، مع تقارير عن تدهور الأوضاع الصحية لمهاجرين سودانيين في أحد مراكز الاحتجاز بمدينة بنغازي.

المشكلة الليبية لا تتوقف عند الاحتجاز وحده، إذ تتحدث التقارير الحقوقية منذ سنوات عن التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والعمل القسري والاتجار بالبشر الذي يتعرض له بعض المهاجرين واللاجئين. كما يثير التعاون الأوروبي مع السلطات والقوى المسؤولة عن اعتراض القوارب وإعادة المهاجرين إلى ليبيا جدلًا متزايدًا، لأن إعادة أشخاص إلى بيئة توجد فيها مخاطر موثقة بالتعذيب والاحتجاز التعسفي تطرح إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة.

وهكذا يتحول البحر الأبيض المتوسط من مجرد حدود جغرافية إلى فضاء لاختبار الضمير الحقوقي الأوروبي والمغاربي معًا، إذ لم يعد السؤال يتعلق فقط بمنع الهجرة، بل بما إذا كان من المقبول أن تتحول حماية الحدود إلى مبرر للتغاضي عن مصير الإنسان بعد اعتراضه في البحر.

مصر: الصحافة المستقلة مجددًا تحت المجهر

شهدت مصر خلال الأيام الأخيرة قضية حقوقية وإعلامية أثارت اهتمامًا دوليًا بعد توقيف صحفيين يعملون في منصة صحفية مستقلة، وإحالة أحدهم إلى التحقيق في اتهامات تتعلق بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.

وقد أثارت القضية احتجاجات داخل الأوساط الصحفية وتحركات تضامنية، في وقت طالبت فيه منظمات حقوقية بالإفراج عن الصحفيين والكشف عن أوضاع المعتقلين الآخرين. ونفت السلطات المصرية من جانبها ادعاءات تتعلق بتعرض الصحفيين للتعذيب أو سوء المعاملة.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الأوسع لحرية الصحافة في مصر، حيث ظل الحبس الاحتياطي المطول وقضايا أمن الدولة والاتهامات المتعلقة بنشر الأخبار الكاذبة أو الانضمام إلى جماعات محظورة من القضايا التي تنتقدها المنظمات الحقوقية منذ سنوات.

ويظهر هنا التوتر التقليدي بين تصور الدولة للأمن القومي وتصور المجتمع الحقوقي لحرية التعبير: فكلما اتسعت دائرة القضايا التي تُدرج ضمن المجال الأمني تقلصت المساحة المتاحة أمام الصحافة الاستقصائية والنقد السياسي المستقل.

فلسطين وغزة: الإنسان بين وقف إطلاق النار واستمرار الموت

تظل الأراضي الفلسطينية أكثر بؤر المنطقة العربية إلحاحًا من الناحية الإنسانية. ورغم مرور نحو عام على الترتيبات التي أدت إلى وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، لا تزال الأزمة الإنسانية بعيدة عن نهايتها.

فالمساعدات الإنسانية تحسنت مقارنة بالمراحل الأكثر قسوة من الحرب، لكنها ما زالت دون مستوى الاحتياجات الفعلية، بينما يواجه أكثر من مليون فلسطيني درجات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. كما لا تزال إعادة الإعمار محدودة للغاية مقارنة بحجم الدمار الهائل الذي أصاب القطاع.

وتتواصل الخسائر البشرية رغم وقف إطلاق النار، فيما لا تزال مسائل الانسحاب العسكري وترتيبات الحكم والأمن وإعادة الإعمار عالقة، وهو ما يحول الهدنة إلى حالة غير مستقرة بدل أن تكون مدخلًا حقيقيًا إلى إنهاء المأساة.

وفي الضفة الغربية ازدادت في الأسابيع الأخيرة المخاوف من عنف المستوطنين والاعتقالات والاعتداءات المرتبطة بموسم قطف الزيتون. وقد أعاد الاعتداء على صحفيين أثناء تغطية أحداث ميدانية طرح قضية حماية الصحفيين وواجب القوات الموجودة على الأرض في منع الاعتداء عليهم والتحقيق في الانتهاكات.

حقوق الإنسان هنا لم تعد قضية قانونية مجردة، بل أصبحت مرتبطة بحقوق أولية جدًا: الحق في الحياة والطعام والعلاج والسكن والحركة والحماية من التهجير.

اليمن: العاملون الإنسانيون يواجهون عقوبة الموت

من أخطر التطورات الحقوقية المسجلة خلال الأيام الأخيرة ما يجري في اليمن، حيث أحالت سلطات الحوثيين ثمانية من العاملين في المجالات الإنسانية والحقوقية إلى المحاكمة بتهم مرتبطة بالتجسس يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وتضم المجموعة موظفين في الأمم المتحدة ومستشارًا أمميًا وعاملين في منظمات مدنية وإنسانية، في وقت تشير فيه المعطيات الحقوقية إلى وجود عشرات من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والمدنية في الاحتجاز.

وتزداد خطورة القضية مع إفادات تتحدث عن حرمان بعض المعتقلين من الاتصال الكافي بمحاميهم وعائلاتهم وعن تدهور الحالة الصحية لعدد منهم، إضافة إلى ادعاءات تتعلق بالإكراه أثناء التحقيق.

إن استهداف العامل الإنساني يختلف في خطورته عن بقية أشكال التضييق السياسي، لأن تعطيل المنظمات الإنسانية لا يصيب الموظف وحده، وإنما ينعكس مباشرة على آلاف المدنيين الذين تعتمد حياتهم على الغذاء والدواء والمساعدات.

ويأتي ذلك بينما عاد التصعيد العسكري في اليمن ليهدد بتوسيع دائرة النزوح والضحايا، ما يجعل العاملين في المجال الإنساني أكثر حاجة إلى الحماية وليس إلى الاعتقال والمحاكمة.

أوروبا: الهجرة وحرية التظاهر أمام اختبار جديد

ليست الأزمات الحقوقية حكرًا على العالم العربي. فقد شهدت أوروبا بدورها خلال الأيام الماضية تطورات تكشف عن التوتر المتزايد بين الأمن والهجرة والحق في الاحتجاج.

في اليونان بدأت محاكمة اثنين من أبرز المدافعين عن حقوق اللاجئين والمهاجرين بسبب نشاطهما المرتبط بمساعدة طالبي اللجوء وتوثيق ما يقولان إنها انتهاكات على الحدود. وقد أثارت القضية انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ترى أن تجريم العمل الإنساني أو مراقبة الانتهاكات يمثل خطرًا على المجتمع المدني الأوروبي ذاته.

وفي الوقت نفسه طرحت اليونان على الاتحاد الأوروبي فكرة السماح للدول الأعضاء بتعليق استقبال طلبات اللجوء مؤقتًا أثناء أزمات الهجرة الكبرى. ويطرح مثل هذا المقترح سؤالًا جوهريًا: هل يجوز للدولة تعليق حق اللجوء عندما يزداد عدد طالبيه، أم أن قيمة الحقوق تظهر تحديدًا في الأزمات التي يصبح فيها احترامها أكثر صعوبة؟

أما فرنسا فقد شهدت احتجاجات طلابية واسعة على ظروف التعليم ونقص الموارد والاكتظاظ، وتحولت أجزاء من هذه الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، وسُجلت أعداد كبيرة من الاعتقالات والإصابات بين المتظاهرين ورجال الشرطة.

وتحدثت منظمات وجماعات حقوقية عن استخدام مفرط للقوة ضد بعض القاصرين، فيما أكدت السلطات أن قوات الأمن واجهت أعمال عنف وتخريب خطيرة. وبين الروايتين تبرز ضرورة التحقيق المستقل في كل حالات القوة المفرطة، لأن حماية النظام العام لا تلغي الحق في التظاهر، مثلما أن الحق في التظاهر لا يمنح حصانة لأعمال العنف.

وفي بريطانيا ظهرت بدورها توترات مرتبطة بالهجرة بعد احتجاجات مناهضة لوصول مهاجرين عبر القوارب الصغيرة، انتهت باعتقالات إثر اضطرابات مرتبطة بالمظاهرة. وهي صورة أخرى لصعود ملف الهجرة ليصبح أحد أكثر الملفات السياسية والاجتماعية إثارة للانقسام داخل أوروبا.

حقوق الإنسان بين الأمن والسياسة

عند جمع هذه الوقائع المتباعدة جغرافيًا يظهر خيط مشترك واضح: الحكومات والسلطات المختلفة تبرر كثيرًا من سياساتها باعتبارات الأمن أو السيادة أو النظام العام أو مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، بينما تصر المؤسسات الحقوقية على أن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه المفاهيم إلى عبارات مفتوحة يمكن استخدامها لتقييد الحقوق دون رقابة قضائية فعالة.

في الجزائر ومصر تتصدر حرية الصحافة والتعبير الواجهة، وفي تونس وليبيا يتقاطع ملف الحقوق مع الهجرة، وفي فلسطين واليمن تصبح حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين قضية حياة أو موت، بينما تكشف أوروبا عن صراع متزايد بين التشدد في إدارة الحدود والحفاظ على منظومة الحقوق التي شكلت طويلًا جزءًا أساسيًا من خطابها السياسي.

ولا ينبغي في المقابل التعامل مع التقارير الحقوقية بوصفها أحكامًا نهائية لا تقبل النقاش؛ فالسلطات المعنية تقدم في عدد من هذه القضايا روايات مختلفة وتستند إلى اعتبارات أمنية أو قضائية. لكن المعيار الحقيقي يظل في النهاية واحدًا: استقلال القضاء، وشفافية الإجراءات، وضمان حق الدفاع، والتحقيق المستقل في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، وعدم تجريم الصحافة والعمل الإنساني والنشاط المدني السلمي.

عالم أكثر اضطرابًا وحقوق أكثر هشاشة

تكشف حصيلة الأيام الأخيرة أن حقوق الإنسان تدخل مرحلة عالمية شديدة الحساسية. فالحروب والهجرة والأزمات الاقتصادية والاستقطاب السياسي وصعود الخطابات القومية والأمنية تجعل الحكومات أكثر استعدادًا لتوسيع صلاحياتها الاستثنائية، وفي المقابل تصبح المؤسسات المدنية والصحفيون والمحامون والمدافعون عن حقوق الإنسان أكثر عرضة للضغط.

والمفارقة أن العالم لم يكن يومًا يملك هذا العدد من الاتفاقيات والمحاكم والهيئات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، ومع ذلك لا يزال الفرد في مناطق كثيرة عاجزًا أمام الاعتقال التعسفي أو الحرب أو الحدود المغلقة أو السجن أو القصف أو التهجير.

من شمال أفريقيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا، لم تعد القضية الأساسية هي الإعلان عن الالتزام بحقوق الإنسان، فذلك أصبح جزءًا من اللغة الدبلوماسية المعتادة، وإنما السؤال الأصعب هو ما إذا كانت هذه الحقوق ستظل قائمة عندما تتعارض مع حسابات السلطة والأمن والانتخابات والحرب والهجرة. هناك تحديدًا يُقاس صدق الدول والمؤسسات: ليس في النصوص التي توقعها، بل في الطريقة التي تتعامل بها مع إنسان أعزل يقف أمام شرطي أو قاضٍ أو جندي أو حارس حدود.


0 التعليقات: