هناك كتب نشتريها لنقرأها، وكتب نقرأها لكي نتسلى، وكتب ننتهي منها فنضعها بهدوء على الرف ونمضي إلى حياتنا كأن شيئًا لم يحدث. لكن هناك نوعًا آخر من الكتب، نادرًا وثقيلًا ومقلقًا، لا يسمح لنا بأن نخرج منه كما دخلنا إليه. كتاب يفتح في الذاكرة بابًا كنا نعتقد أنه أُغلق منذ زمن، فإذا وراء الباب أصوات لم تخفت، ووجوه لم تغادر، وأسئلة لم تحصل بعد على كل أجوبتها. من هذا النوع يأتي كتاب «كبازال – مذكرات عايدة وصالح من تازمامارت»، لا بوصفه حكاية عن سجن انتهى، بل باعتباره شهادة على قدرة الألم على البقاء، وقدرة الإنسان، في المقابل، على أن يحوّل جرحه إلى ذاكرة مكتوبة تقاوم النسيان.
حين يُذكر اسم تازمامارت، لا يحتاج المغربي إلى كثير من الشرح. الكلمة وحدها تكفي لكي تستدعي زمنًا كاملًا من الخوف والصمت والاختفاء والأسئلة المؤجلة. لقد أصبح المكان، في الوعي المغربي، أكبر من جغرافيته. لم يعد مجرد معتقل في نقطة معزولة من التراب الوطني، بل تحوّل إلى رمز تاريخي وأخلاقي لما يمكن أن يحدث عندما تُغلق أبواب السلطة، ويُترك الإنسان وحيدًا في مواجهة العتمة.
لكن المشكلة التي تواجه المجتمعات بعد المآسي ليست فقط كيف تخرج منها، بل كيف تتذكرها. فالنسيان قد يكون أحيانًا مريحًا، لكنه ليس دائمًا بريئًا. ومن هنا تأتي أهمية «كبازال». إنه يعيدنا إلى سؤال يبدو بسيطًا لكنه بالغ الخطورة: ماذا نفعل بالماضي عندما يصبح مؤلمًا إلى الحد الذي يجعلنا نرغب في محوه؟
أنا لا أعتقد أن المجتمعات تتعافى بالنسيان. قد تتعب من الذاكرة، قد تشعر بأن الماضي يثقل خطواتها، وقد تفضّل أحيانًا الانتقال إلى المستقبل بأقل قدر ممكن من الحقائب. لكن هناك حقائب لا يجوز أن نتركها خلفنا، لأن ما بداخلها ليس مجرد ذكريات شخصية، بل جزء من التاريخ الأخلاقي للمجتمع نفسه.
لهذا لا أقرأ «كبازال» باعتباره فقط كتابًا عن عايدة وصالح، ولا باعتباره إضافة أخرى إلى مكتبة أدب السجون، بل أراه مواجهة صريحة مع ذلك السؤال الذي لا يشيخ: ما الذي يحدث عندما يتحول الإنسان إلى رقم، والسجن إلى عالم كامل، والصمت إلى جزء من منظومة القهر؟
إن قوة هذا النوع من الكتب لا تكمن في عدد الوقائع التي يسردها، ولا في قدرته على صدم القارئ بتفاصيل المعاناة، وإنما في استعادته الإنسان من داخل التاريخ. فالتاريخ الرسمي يميل عادة إلى الحديث عن المراحل والأزمات والقرارات والمؤسسات، بينما تنزل الشهادة إلى مستوى آخر، أكثر هشاشة وأكثر صدقًا: كيف كان شخص بعينه يشعر وهو يفتح عينيه كل صباح داخل العزلة؟ ماذا كانت تعني له دقيقة من الضوء؟ ماذا كان يعني له صوت بشري؟ كيف يصبح الخبز حدثًا؟ وكيف يتحول الأمل، ذلك المفهوم المجرد الذي نستعمله بسهولة، إلى أداة يومية للبقاء؟
هنا بالضبط يبدأ الأدب حيث تتوقف الأرقام.
يمكن أن تخبرنا الوثائق بعدد السنوات وبعدد المعتقلين وبمراحل القضية، لكن الكتابة وحدها تستطيع أن تجعلنا نتخيل معنى أن يعيش إنسان الزمن ببطء شديد، وأن يختبر جسده وهو يتحول إلى مساحة للعقاب، وأن يحافظ رغم ذلك على ذاكرته واسمه وكرامته.
الكرامة هنا ليست كلمة حقوقية جميلة نضعها في البيانات. إنها معركة يومية. أن تحتفظ باسمك حين يحاول المكان تحويلك إلى رقم. أن تحافظ على إحساسك بالزمن حين يصبح الليل والنهار متشابهين. أن تواصل تخيل العالم في الخارج عندما يكاد العالم ينسى أنك موجود. أن ترفض، حتى وأنت عاجز، أن تتحول داخليًا إلى ما يريد السجن أن يصنعه منك.
ولهذا فإن كتب الذاكرة ليست كتبًا عن الهزيمة، حتى عندما تكون مادتها مملوءة بالعذاب. إنها في مكان عميق منها كتب عن الانتصار؛ ليس انتصارًا سياسيًا صاخبًا، وإنما انتصار بسيط وعظيم في آن واحد: أن يبقى الإنسان قادرًا على الحكي.
فالسلطة تستطيع أن تسجن الجسد، لكنها تدخل في مواجهة أصعب عندما تريد سجن الذاكرة.
الذاكرة عنيدة.
وهي لهذا السبب خطيرة بالنسبة إلى كل نظام يريد أن يكتب التاريخ بصوت واحد.
حين يتكلم الناجون، ينتهي احتكار الرواية.
وحين تصبح الشهادة كتابًا، يصبح من الصعب إعادتها إلى الزنزانة.
هذه إحدى القيم الكبرى التي يمنحها لنا «كبازال». إنه ينقل التجربة من المجال الشخصي إلى المجال الثقافي، ومن الألم الخاص إلى السؤال العمومي. وما إن تدخل الشهادة إلى فضاء الكتاب حتى تصبح ملكًا للذاكرة المشتركة. يمكن بعد ذلك مناقشتها وانتقادها ومقارنتها بشهادات أخرى، لكن لا يمكن ببساطة الادعاء بأنها لم توجد.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للأدب والشهادة في حماية المجتمعات من النسيان المنظم.
لقد عرف المغرب خلال العقود الماضية مسارًا مهمًا في التعامل مع ذاكرة الانتهاكات الجسيمة، وتكوّن تراكم في الشهادات والكتب والأبحاث والنقاشات العامة حول ما يسمى بسنوات الرصاص. وهذه التجربة في حد ذاتها تستحق أن تبقى موضوعًا مفتوحًا للتفكير، لأن المصالحة ليست تاريخًا نضعه على وثيقة ثم نقول إن الملف أُغلق إلى الأبد.
المصالحة، في نظري، ثقافة مستمرة.
هي أن يعرف الجيل الجديد ما حدث.
هي أن تُدرّس الكرامة لا بوصفها مفهومًا قانونيًا فقط، بل باعتبارها درسًا مستخلصًا من حياة بشر دفعوا أثمانًا ثقيلة.
وهي كذلك أن ندرك أن حماية الحريات ليست ترفًا، لأن التاريخ يعلمنا أن كل تنازل صغير عن الحرية يمكن، إذا تراكمت الظروف السيئة، أن يفتح الطريق نحو تنازلات أكبر.
لهذا فإن «كبازال» ليس كتاب الماضي وحده.
إنه كتاب الحاضر أيضًا.
كل كتاب عن الاعتقال يسألنا ضمنيًا عن معنى الحرية التي نعيشها اليوم. وكل شهادة عن التعذيب تسأل عن مكان الجسد الإنساني في منظومة القانون. وكل قصة عن الاختفاء تضعنا أمام السؤال الأبدي: من يحمي الإنسان عندما تصبح المؤسسة التي يفترض أن تحميه مصدر خوفه؟
هذه الأسئلة لا تُطرح لإدانة بلد أو مجتمع، وإنما لكي يصبح المجتمع أقوى من أخطائه.
فالأوطان القوية ليست تلك التي تدّعي أن تاريخها بلا جراح.
لا يوجد وطن بلا جراح.
القوة الحقيقية هي القدرة على النظر إلى الجرح من دون أن نغطيه بالخطابة.
لهذا أجد أن القيمة الثقافية لكتاب مثل «كبازال» تتجاوز مسألة أدب السجون. إنه ينتمي إلى ما يمكن تسميته بأدب الذاكرة الوطنية، ذلك الأدب الذي يعيد ترتيب علاقة الناس بتاريخهم، لا من خلال القرارات الكبرى، بل من خلال الحياة اليومية للأفراد.
وهذه الحياة اليومية هي أكثر ما يخيفنا في شهادات المعتقلات.
أن نكتشف أن الإنسان يمكن أن يُحرم من أشياء نظنها بديهية إلى درجة أننا لا نفكر فيها: نافذة، شمس، هواء، ورقة، رسالة، صوت أم، يد حبيبة، خبر عن العالم.
عندها نفهم أن الحرية ليست فكرة فلسفية مجردة.
الحرية هي هذه الأشياء الصغيرة مجتمعة.
أن تستطيع فتح باب غرفتك والخروج.
أن تعرف الساعة.
أن ترى وجه شخص تحبه.
أن تنام وأنت تعرف أنك ستستيقظ في المكان نفسه بإرادتك.
أن تقول لا من دون أن تخشى أن تختفي.
كم تبدو هذه الأشياء عادية ونحن نملكها.
وكم تصبح عظيمة عندما يفقدها إنسان.
من هنا تأتي قوة أدب السجون. إنه يعيد تعريف الأشياء التي اعتدنا عليها حتى فقدنا الإحساس بقيمتها. يجعل الكرسي كرسيًا مختلفًا، والنافذة نافذة مختلفة، والضوء ضوءًا آخر، والخبز خبزًا آخر.
بل يجعل الزمن نفسه مختلفًا.
ونحن اليوم، في عصر السرعة الرقمية، نعيش مفارقة غريبة. لم تكن البشرية في أي وقت من التاريخ تمتلك هذا الحجم من وسائل حفظ الذاكرة، ومع ذلك لم تكن الذاكرة بهذا القدر من الهشاشة. مليارات الصور والمنشورات والفيديوهات تمر يوميًا أمام أعيننا، لكن القليل منها يبقى.
نستهلك الأحداث كما نستهلك الأخبار.
كارثة اليوم تدفن كارثة الأمس.
فضيحة جديدة تمحو من الشاشة فضيحة سابقة.
ويصبح النسيان جزءًا من اقتصاد الانتباه.
وسط هذه السرعة تأتي الكتب البطيئة لتقول: لا.
توقف.
هناك حكاية لا ينبغي أن تمر في عشر ثوان.
هناك حياة تستحق أكثر من تمريرة إصبع على شاشة الهاتف.
هناك ألم يحتاج إلى القراءة، لا إلى الإعجاب أو المشاركة فقط.
وهذا سبب إضافي يجعل «كبازال» مهمًا اليوم.
إنه يطالب القارئ بزمنه.
والزمن الذي نعطيه لشهادة إنسانية هو شكل من أشكال الاحترام.
لا يكفي أن نقول إننا ضد التعذيب وضد الاعتقال التعسفي وضد الاختفاء القسري. هذه عبارات يستطيع الجميع ترديدها بسهولة. الاختبار الحقيقي يبدأ حين نمنح الضحايا مساحة للكلام، وحين نسمح لذاكرتهم بأن تكون جزءًا من وعينا الجماعي، حتى عندما تكون مزعجة.
فالذاكرة التي لا تزعج أحدًا غالبًا ما تكون ذاكرة مروّضة.
أما الذاكرة الحقيقية فتطرح الأسئلة.
تسأل من فعل؟
ولماذا؟
وكيف كان ذلك ممكنًا؟
ومن صمت؟
ومن قاوم؟
وكيف نضمن ألا يتكرر؟
لكنني، في الوقت نفسه، لا أريد أن يتحول خطاب الذاكرة إلى صناعة للكراهية. هناك فرق كبير بين التذكر من أجل العدالة وبين التذكر من أجل الانتقام.
العدالة تريد أن نفهم الماضي كي لا نكرره.
الانتقام يريد أن نبقى سجناء الماضي إلى الأبد.
والمجتمع الناضج هو الذي يستطيع أن يمشي بين هذين الحدين: لا ينسى ولا يحقد، لا يمحو ولا يستثمر الألم لإنتاج ألم جديد.
وهنا يصبح مفهوم المصالحة أكثر عمقًا من التسوية السياسية.
المصالحة الحقيقية لا تقول للضحية: انسَ.
بل تقول له: نتذكر معك لكي لا يحدث ذلك مرة أخرى.
ولا تقول للأجيال الجديدة: لا تفتحوا الملفات القديمة.
بل تقول لهم: اقرأوا التاريخ، لأن الحرية التي تبدو لكم طبيعية اليوم لم تكن دائمًا كذلك.
لهذا السبب أتمنى ألا تبقى كتب مثل «كبازال» حبيسة دوائر المهتمين بأدب السجون أو الباحثين في التاريخ السياسي. ينبغي أن تقرأها الأجيال الجديدة، وطلبة الجامعات، والصحافيون، والكتاب، وكل من يريد أن يفهم كيف تصنع المجتمعات ذاكرتها.
فالذاكرة ليست ملكًا للضحايا وحدهم.
إنها مسؤولية المجتمع كله.
حين يُظلم إنسان في زاوية معزولة، فإن ما يحدث له لا يخصه وحده. إنه يخبرنا بشيء عن حدود القانون، وعن معنى السلطة، وعن هشاشة الإنسان أمام المؤسسات، وعن أهمية الرقابة والعدالة واستقلال القضاء وحرية التعبير.
لهذا فإن الدفاع عن ذاكرة تازمامارت لا يعني البقاء أسيرًا لتازمامارت.
العكس تمامًا.
أن نتذكر يعني أن نريد مغربًا لا يحتاج أبناؤه مستقبلًا إلى كتابة كتاب جديد عن تازمامارت آخر.
هذه بالنسبة إليّ هي الرسالة الأكثر قوة.
لا نقرأ الماضي لكي نبكي فقط.
نقرأه لكي يصبح المستقبل أقل قسوة.
ولا نحفظ شهادات السجون لكي نصنع منها متحفًا للحزن.
نحفظها لكي ندرك أن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط ببنيتها التحتية ومشاريعها الاقتصادية ومؤسساتها، وإنما أيضًا بمقدار الأمان الذي يشعر به المواطن وهو مختلف، وهو يحتج، وهو يقول رأيًا لا يحبه أصحاب السلطة.
هذه هي المسافة بين دولة تخاف من مواطنيها ودولة تثق في قوانينها.
ومن هنا فإن كتابًا مثل «كبازال – مذكرات عايدة وصالح من تازمامارت» يضع الكتابة في مكانها الأكثر نبلًا: إلى جانب الإنسان.
إنه يذكرنا بأن القلم قد يصل متأخرًا، لكنه يستطيع أن يصل إلى أماكن لم تصل إليها العدسات.
وأن الشهادة قد تتأخر سنوات، لكنها تستطيع أن تهزم الصمت.
وأن الجسد قد يخرج من السجن ضعيفًا، لكن الذاكرة حين تتحول إلى كلمات تستطيع أن تعيش أكثر من الجدران التي حاولت احتجازها.
ربما تنهار المعتقلات في النهاية.
تصدأ الأبواب.
تسقط الأقفال.
يموت الحراس.
ويتغير المسؤولون والحكومات والأجيال.
لكن الحكاية تبقى.
وفي بقائها عدالة رمزية لا ينبغي الاستهانة بها.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لمن عاش الظلم ليس فقط أن يتعرض له، بل أن يأتي يوم يقال فيه إن شيئًا لم يحدث.
هنا تصبح الكتابة مقاومة.
ويصبح الكتاب شاهدًا.
ويصبح القارئ جزءًا من سلسلة نقل الذاكرة.
لهذا أرى في «كبازال» أكثر من عنوان جديد على رف المكتبة. أراه بابًا يُفتح مرة أخرى على واحدة من أكثر الغرف حساسية في الذاكرة المغربية، لا لكي نبقى داخلها، وإنما لكي ندخل إليها حاملين الضوء، ننظر جيدًا إلى ما كان، ثم نغادرها أكثر تمسكًا بحق الإنسان في ألا يُعاد إليها أبدًا.
إن الأمم لا تكبر حين تنسى أخطاءها.
تكبر حين تصبح قادرة على تذكرها من دون خوف، وعلى الاعتراف بها من دون أن تنهار، وعلى تحويلها إلى ضمانة أخلاقية للمستقبل.
وتلك، في النهاية، هي الوظيفة الأسمى للذاكرة.
ألا تجعلنا أسرى لما حدث، بل حراسًا ضد تكراره.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق